Menu
حضارة

فلسطين: مقياس الشرعية وطنيًا وقوميًا

بوابة الهدف

غزة _ بوابة الهدف

شكّلت هزيمة 1948 وإقامة دولة العدو الصهيوني على أرض فلسطين؛ مخاضاتٍ وولادات في الوضع العربي ومنه الفلسطيني، حيث تأسست شرعيات عربية وفلسطينية شتى انطلاقًا من نتائج الصراع العربي – الصهيوني، والفشل الذي لحق بنظام هنا أو اسم هناك، من حزب البعث العربي الاشتراكي الذي منح للفلسطينيين في داخله خصوصية بحكم قضيتهم، إلى حركة القوميين العرب، وتزعم الشاب الفلسطيني جورج حبش لها، مرورًا بثورة 23 يوليو 1952، حيث نجد المشترك عندهم حضور نكبة/هزيمة 1948 في عنوان خطابها ومبررات قيامها، وصولًا إلى الانقلاب الكبير الذي جرى بصعود مدرسة السادات السياسية التي تأسست شرعيتها انطلاقًا من هزيمة 1967، وتكرّست مع حرب 1973 التي اُعتبرت ردًا على تلك الهزيمة!!

شرعيات جديدة شتى، عربية وفلسطينية ما كانت لتتأسس، بالسهولة التي تمت بها على الأقل، لولا ما تمثله فلسطين في العقل والوجدان العربي، وثقل هزائم صنعتها إسرائيل (العدو) ودورها، في تعرية شرعيات فكرية وسياسية شتى، لكن ما وصله التعري السياسي في تلك المرحلة من بوابة التسوية والتطبيع مع العدو الصهيوني، ما كان ليصل لولا ذلك الموقع والدور المقرر الذي وصلته الرجعية العربية بعد أنْ تراجع حضور القضية الفلسطينية على الأجندة الرسمية العربية، وإلى حدودٍ ما الشعبية أيضًا، في ضوء طغيان تأثير الأوضاع الداخلية؛ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في كل بلد عربي، خاصة في ضوء نتائج ما سمي الربيع العربي. لكن يبقى السؤال: هل الحل يكون بعيدًا عن فلسطين، والتناقض الأساسي مع العدو الصهيوني؟!

الزعيم العربي جمال عبد الناصر الذي قاتل على أرض فالوجة فلسطين في حرب 1948، وحوصر وأصيب فيها، والتي على أرضها تأسست خلايا الضباط الأحرار الأولى ونما وعيهم من بوابة قضيتها، والذي نحيي ذكرى رحيله التاسعة والأربعين، يقول في كتابه فلسفة الثورة: "فقد كنا نحارب في فلسطين ولكن أحلامنا كلها في مصر، كان رصاصنا يتجه للعدو الرابض أمامنا في خنادقه، ولكن قلوبنا كانت تحوم حول وطننا الذي تركناه للذئاب ترعاه".

لقد أدرك عبد الناصر أنَّ الطريق إلى فلسطين، يمر عبر ميدان الكفاح الأكبر من خلال التغيير من الداخل لأنظمة ساهمت في التأسيس للهزيمة التي جرت، وما تزال فصولها مستمرة، رغم مرورنا بأنظمة وطنية وقومية، وصلت للسلطة في العديد من البلدان، وكان "هتافها" الرئيسي لفلسطين، وعنوانها "محاربة" إسرائيل.

رغم وعينا لواقع الحال المأساوي الذي وصلناه، فإنَّ أكبر جريمة يمكن أنْ نرتكبها بحق أنفسنا وقضيتنا الوطنية والقومية، هي فك عرى العلاقة بين العرب وفلسطين أو فلسطين والعرب لا فرق، لأننا نكون قد ملّكنا العدو والرجعية العربية ما يريدا!

والحال هذا، فإننا لا نكون أمام معضلة فحسب، بل أمام مهزلة بكل ما تعني الكلمة من معنى، وأيُّ مهزلة أكبر من مهزلة تغييب فلسطين عن عمقها العربي أو تغييب العمق العربي عن قضيته: فلسطين؟ والذي يعني تغييبها أيضًا تغييبًا للعدو المركزي لأمتنا (إسرائيل)، الذي جابهنا ونجابهه عند قراءتنا لمجمل الأحداث والوقائع التي يعيشها وطننا العربي.

لكن ما سبق، يوجب علينا، ونحن نحيي ذكرى الزعيم العربي جمال عبد الناصر، الذي ارتبط به المشروع القومي منذ منتصف القرن المنصرم، وخبا بعد هزيمة 1967، ومن ثم رحيله عام 1970، أنْ نعيد النظر والقراءة في طبيعة ومضمون المسألة القومية وعلاقتها بالقضية الفلسطينية، في ضوء مجمل التغيّرات العاصفة التي شهدها الوطن العربي فيما يقرب من نصف قرن من الزمن.

إنَّ مسألة النظر والقراءة تلك، ليست بحاجة لأكثر من النزاهة الفكرية والأخلاقية، كي نفسر ما جرى، وما حصل.. تفسيرًا  لن نحصل عليه ما لم نُعد ترتيب المسائل انطلاقًا من أسس صائبة وفي رأسها وحدة المعايير واللغة واكتمال مساحة البحث، بحيث تشمل إسرائيل/التناقض الرئيس، الذي جرى تغييبه، ويجري تغييبه لصالح تناقضات جديدة، بحيث يفقدنا إحدى القواسم  المشتركة، والمعيار الموضوعي الذي لا مجال لقياس صائب دونه، ولا نهوض وطني وقومي حقيقي إلا بالنضال المشترك للتخلص منه، وتحقيق الحرية والاستقلال وتقرير المصير والوحدة والتقدم.