Menu
حضارة

اليمن: عن جبهة العدوان المتصدعة

تاريخ هذا العالم لن ينسى أيلول ٢٠١٩، وتحديدا لن ينسى أحد في السعودية هذا اليوم، وفي عالم الصناعات النفطية سيبقى الحدث الكبير المسمى  "زلزال ارامكو" يدرس كنموذج للكوارث التي قد تحيق بهذا القطاع وعمق تأثيراتها على إمدادات الطاقة عالميا.

أعلنت شركة أرامكو النفطية العملاقة، كُبرى شركات النفط في العالم، توقف نصف إنتاجها من النفط، وأعطى دونالد ترامب توجيهاته ببدء السحب من الاحتياطي الاستراتيجي النفطي الأمريكي؛ لتغطية العجز في الاحتياجات النفطية الأمريكية، هذا، فيما ارتفعت أسعار النفط عالميًا بمقدار ١٨%، إذن، يبدو أنَّ واحدًا من أقسى كوابيس النظام العالمي الرأسمالي تتحقق؛ اضطراب كبير يصيب أسواق وإمدادات النفط، نتيجة للصراعات التي تديرها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

حتّى اللحظة لم تتضح التفاصيل النهائية لطبيعة الهجوم الذي أعلنت جماعة (أنصار الله) اليمنية عن تنفيذه بواسطة الطائرات المسيّرة، لكن المؤكد أنَّه أصاب أحد أكثر الأهداف استراتيجية في هذا العالم، وهو منشأة "بقيق" بجانب معمل "خريص" للإنتاج النفطي.

ورغم تعدد الهجمات التي نفذتها القوات اليمنية، من جماعة أنصار الله، والجيش، واللجان الشعبية، يبدو أنَّ الهجوم الحالي نجح فعليًا في نقل الحرب إلى مرحلة أخرى، تدفع فيها السعودية ثمن عدوانها المستمر على اليمن، ومن عصبها الحي: النفط.

ما يجعلُ من هذا الهجوم مفتاحًا ممتازًا لفهم المرحلة المقبلة في اليمن، ليس فقط ما ألحقه من ضرر بالسعودية، ولكن ما أظهره من قدرة يمنية، على المستوى العسكري والتقني؛ فالهدف الذي تمت إصابته يبعد حوالي ١٥٠٠ كيلو مترًا عن اليمن، وقد تمَّ إصابته بدقة نقطية، فضلًا عن شبكة الدفاعات الجوية المنتشرة في هذه المنطقة بالذات من السعودية، ورغم إطلاق تفسيرات غربية وسعودية مختلفة لنجاح هجوم بهذا الحجم والتعقيد، محاولة من خلالها نفي قدرة اليمنيين على تنفيذ هذا الهجوم، يبدو من الواضح أنَّ كل هدف ذي قيمة في كامل منطقة الخليج يبدو متاحًا أمام خصوم التحالف السعودي.

الذيل المقطوع

كذيل مقطوع تُرك النظام السعودي يتلوى، فرغم ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست عن كون  إدارة ترامب تفكر في رد عسكري جدي على هجمات أرامكو، فإنَّ الحقيقة الواضحة التي تبرزها ردود فعل المنظومة الأمريكية، هي أنَّ لا أحد في الولايات المتحدة يريد شن حرب لحماية السعودية، وأنَّ أي تحرك عسكري للولايات المتحدة سيخضع لاعتبارات مختلفة تمامًا عن ذلك.

وزارة الدفاع الأمريكية دعت إلى ضبط النفس، وسارع أعضاء عدة في الكونغرس للإعراب عن رفضهم لأي تدخل عسكري، فقال السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي ردًا على ترامب: "ليس لنا حلف دفاعي مشترك مع السعودية، ولا يجب أنْ نتظاهر بذلك"، كما قال السيناتور الديمقراطي البارز بيرني ساندرز: "إنَّ الكونغرس لن يمنح ترامب السلطة لشن حرب كارثية فقط؛ لأنَّ النظام الوحشي السعودي طلب منه ذلك"، أما السيناتور الديمقراطي تيم كين، فاعتبر أنَّه يجب على الولايات المتحدة ألّا تذهب للحرب لحماية النفط السعودي.

وقالت كيليان كونواي مستشارة ترامب؛ إنَّ رد فعل بلادها على الهجوم على المواقع النفطية السعودية لا يزال قيد الدراسة، ومفتوحًا على كل الاحتمالات.

سارع أعضاء عدة في الكونغرس للإعراب عن رفضهم لأي تدخل عسكري، فيما قال السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي ردًا على ترامب: "ليس لنا حلف دفاعي مشترك مع السعودية، ولا يجب أنْ نتظاهر بذلك".

لم يطل الوقت بعد زالزال ارامكو لتلحق بالسعودية واحدة من افظع الهزائم بتاريخ الحروب الحديثة، ففي نجران نجحت القوات اليمنية في تمزيق هجوم سعودي استراتيجي من خلال استدراج واسع النطاق، يستخدم عدد من المتابعين مثال حصار القوات الفرنسية في فيتنام وهزيمتها لتقريب صورة ما حدث للقوات السعودية والميلشيات المتحالفة معها، فما تم هو تمزيق ٣ ألوية عسكرية بأكملها، مئات المدرعات، وآلاف الجنود سقطوا في الفخ اليمني قبالة نجران، وبينما توهمت القيادة العسكرية السعودية أنها مقبلة على الاستيلاء على مديريات كتاف التابعة لمحافظة صعدة اليمنية، ما تحقق هو انكشاف نجران وما وراءها للقوات اليمنية دون دفاع يذكر، ليتحقق بذلك سيناريو يفوق أبشع الكوابيس التي راودت القيادة العسكرية للسعودية وتحالف العدوان منذ بداية الحرب، وتوضع هذه الحرب برمتها أمام مفترق طرق، فإما انكفاء سعودي غير مشروط عن العدوان، أو الاستمرار في الحرب لحين تلقي الهزيمة الكاملة التي قد تتجاوز مفاعيلها دور السعودية في اليمن أو تأمينها لحدودها الجنوبية، بل قد تطال بقاء ووجود السعودية على خارطة المنطقة.

ذيول أخرى

مشهد الطائرات الإماراتية نهاية أغسطس، وهي تنقض على مئات من جنود جيش عبد ربه المنصور هادي، الحليف الرئيس لقوى العدوان، والذي يجري التدخل باسمه في اليمن، يفصح عن حقائق كثيرة بشأن العدوان والمرحلة التي يمر بها، فحين سقطت قنابل هذه الطائرات كانت تضرب ما يعرف في أدبيات قوى التحالف المعادي لليمن بجيش الشرعية، وتقتل مئات الجنود الذين جندتهم وسلحتهم ودربتهم قوى العدوان.

الزعم الرئيسي الذي تمَّ تقديمه كمسوغ للعدوان على اليمن طيلة السنوات الخمس الماضية، أنَّ هناك رئيسًا وحكومةً شرعية، يتدخل التحالف لدعمها في مواجهة تمرد على سلطاتها، لكن الإمارات التي قرأت استحالة تحقيق انتصار في هذه الحرب، انتقلت لتنفذ خطتها الخاصة، فبادرت لسحب الجزء الأساسي من قواتها في اليمن، ثم أوعزت لكل تلك التشكيلات الميلشيوية المرتبطة بها لتعمل على السيطرة على المدن والنقاط الرئيسية في جنوب اليمن، وخصوصًا مدينة عدن؛ الميناء الأكثر حيوية واستراتيجية في اليمن، بداية من وسط أغسطس.

ما يعرف بقوات "الحزام الأمني" و"قوات النخبة" المدعومة إماراتيًا، والمغطاة سياسيًا من قبل ما يعرف بـ "المجلس الجنوبي الانتقالي"، أطلقت عملية واسعة، بدأت من عدن، وامتدت لأبين والمدن الرئيسية جنوب اليمن، هدفت لطرد القوات التابعة لعبد ربه المنصور هادي، وبقية التشكيلات العسكرية، وخصوصًا تلك التابعة لحزب الإصلاح، والهدف واضح ومباشر، وهو أخذ حصة الإمارات من هذه الحرب وثمن مشاركتها فيها.

وبعد حوالي أسبوعين من المعارك الطاحنة، التي استعان فيها عبد ربه المنصور هادي، بميلشيات تابعة لحزب الإصلاح، وتشكيلات قبلية تمَّ استدعاؤها على عجل لسد العجز في قواته، باتت مناطق السيطرة في الجنوب اليمني موزعة بين القوات التابعة للمجلس الانتقالي والمدعومة إماراتيًا، وبين تلك التابعة لعبد ربه المنصور هادي، والمدعومة سعوديًا.

إقليمان متجاوران!

فيما يعرف تاريخيًا باليمن الديمقراطي "الجنوبي"، باتت هناك ملامح تتشكل لإقليمان متجاوران تتقاسم قوى العدوان السيطرة على كل منهما، فتحظى الإمارات بعدن ومحيطها، بما يضمن تأمين سيطرتها على أحد أكبر الموانئ الطبيعية في العالم، وهو ميناء عدن، بكل ما له من أهمية استراتيجية وتجارية، وكذلك تحظى بالسيطرة على جزء من حقول النفط والغاز اليمني، وتبقى للسعودية - إلى الآن- السيطرة على المناطق الممتدة بين الإقليم الذي اقتطعته الإمارات لنفسها، وجبهات القتال المتقدمة مع القوات اليمنية، وهو ما يمكن اعتباره إقليم جنوب الوسط.

هذه الخريطة الجديدة قد لا تبدو مرشحة للاستمرار طويلًا، فقوى العدوان تستند فعليًا إلى الأرض لمجموعات من الميلشيات المستأجرة في معظمها، وخليط من القوى والتشكيلات العسكرية غير المتجانسة سياسيًا وقبليًا، وهو ما يعني أنَّ أيَّ انسحاب محتمل للسعودية والإمارات من هذه الحرب قد يعني تفكك كل هذه التشكيلات.

خاتمة

دخلت قوى العدوان الحربَ ضد الشعب اليمني معلنة أهدافًا متعددة، منها ما يتعلق بحماية سلطة عبد ربه المنصور هادي، الذي بات يتوسل لحماية قواته من التحالف نفسه، أما الهدف الثاني الذي تغنت به وسائل الإعلام العربي سيئة الصيت، كان حماية أمن المملكة السعودية من تهديد إيراني يأتي من جوارها اليمني.

اليوم بات يقينًا قاطعًا أنَّ مملكة آل سعود باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى بتاريخها، بل إنَّ الضرر الذي أصابها جرّاء هذه الحرب لم يسبق له مثيل بتاريخها، وهو ضرر لا تبدو الإمارات أيضًا في منأى عنه، بعدما تفككت جبهة العدوان تدريجيًا، فتراجعت مصر عن التورط مبكرًا جدًا، وانسحبت قطر وأبواقها ومرتزقتها في اليمن والإقليم من هذا الرهان، ثم خرجت القوات السودانية من المعادلة، بفعل الأنموذج اللافت الذي قدّمه الشعب اليمني وقواه الحية في المقاومة والقتال والصمود.