Menu
حضارة

مبادرة الفصائل وجدية الانتخابات الفلسطينية

محمد السعيد إدريس

نقلًا عن الخليج الإماراتية

التحديات الراهنة باتت تفرض حتمية صوغ استراتيجية وطنية للمواجهة يأتي في مقدمة أولوياتها إسقاط مشروع أوسلو بكامله.
قبل أيام قليلة من توجه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى نيويورك لإلقاء كلمة فلسطين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقدت ثماني فصائل فلسطينية مؤتمراً صحفياً في مدينة غزة أعلنت فيه مبادرة تتضمن «رؤية وطنية شاملة لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية»، وفي اليوم التالي كان الرئيس عباس يقف على منصة الجمعية العامة يعلن أنه سيدعو فور عودته إلى انتخابات عامة في الضفة الغربية، بما فيها القدس ، وقطاع غزة. وفوراً انطلقت التساؤلات والاستفسارات حول العلاقة بين الدعوة إلى الانتخابات على لسان الرئيس الفلسطيني ومبادرة الفصائل، وخصوصاً أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كانت قد أعلنت «موافقتها بلا شروط على مبادرة الفصائل الفلسطينية».
أبرز الأسئلة والاستفسارات التي طرحت كانت بخصوص قبول أو رفض الرئيس الفلسطيني مبادرة الفصائل، وهل الدعوة إلى الانتخابات يمكن اعتبارها قفزة إلى الأمام لتجاوز الاستحقاقات الواردة في مبادرة الفصائل، خصوصاً أن هذه المبادرة تضمنت حض حركتي «فتح» و«حماس» على استئناف جهود تحقيق المصالحة الوطنية الداخلية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية، كما تضمنت الدعوة إلى عقد اجتماع لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية على مستوى الأمناء العامين للفصائل في القاهرة شهر أكتوبر / تشرين الأول الجاري، بحضور الرئيس عباس، بهدف «الاتفاق على رؤية وبرنامج واستراتيجية وطنية مشتركة وتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية والرقابة على عملها وفق القانون إلى حين إجراء الانتخابات الشاملة».
طرح هذا السؤال فرض سؤالاً آخر حول مدى جدية الرئيس الفلسطيني في إجراء الانتخابات، وهو: هل يريد فعلاً إجراء انتخابات أم أن حديثه عن الانتخابات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان «مجرد حديث إعلامي» يستهدف به لفت أنظار العالم إلى أن هناك دولة تحظى بالاعتراف الدولي اسمها «فلسطين»، ورفض القرار الأمريكي بضم القدس الشرقية إلى الاحتلال، وأن لا نية لديه لإجراء انتخابات، لأنه غير مستعد أو غير مهيأ لمتطلباتها واستحقاقاتها؟
وإذا كان الرئيس جاداً في إجراء انتخابات، فما الهدف من إجرائها؟ هل تكريس سلطة الحكم الذاتي التي أصبحت بلا سلطة؟ وهل ستكون انتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني، أم ستكون فقط رئاسية وتشريعية متزامنة أو غير متزامنة في الضفة وغزة والقدس كما تحدث، أم يمكن أن تقتصر على إجراء انتخابات تشريعية فقط في الضفة دون غزة على ضوء عمق الخلاف بينه وبين قيادة حركة «حماس»؟
أسئلة كثيرة وشديدة الأهمية تتعلق بمدى جدية السلطة ورئيسها في مواجهة التحديات والمأزق التاريخي الذي يهدد القضية الفلسطينية في ظل مشروع ترامب لتصفيتها الذي يحمل اسم «صفقة القرن» بعد ضم القدس بقرار أمريكي إلى الكيان، وفي ظل مشروع نتنياهو لضم الضفة الغربية وغور الأردن أيضاً، وفي ظل ما يفرضه الالتزام بما يسمى «قانون القومية» اليهودي من إجراءات تعني كلها إلغاء فلسطين تماماً من على الخريطة لمصلحة ما يسعون إلى تحقيقه من «دولة يهودية» لما يسمونه ب «الشعب اليهودي» على كل أرض فلسطين.
التحسب لهذا كله يفرضه تزامن إعلان الرئيس الفلسطيني دعوته إلى إجراء الانتخابات مع إعلان المبادرة المهمة للفصائل الثمانية، فهذا التزامن يعني في مضمونه رفض هذه المبادرة واستحقاقاتها، خصوصاً بعد أن أعلنت حركة «حماس» قبولها، والتأكيد على أن إجراء الانتخابات يفترض مسبقاً وحدة المؤسسات، كما تحتاج إلى الحد الأدنى من التوافق القانوني والسياسي غير المتوفر كلياً الآن.
يعرف الرئيس الفلسطيني تماماً أن إجراء أي انتخابات جادة يفترض مسبقاً إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، والتوافق على مشروع وطني لمواجهة مخاطر تصفية القضية الفلسطينية، وبعدها تُجرى الانتخابات، وهذا ما استهدفته مبادرة الفصائل الثماني، لذلك فإن الرئيس عباس لا يريد المبادرة ولا يريد الانتخابات، وهذا ما يجب أن تعيه كافة الفصائل الفلسطينية التي صاغت تلك المبادرة وتوافقت عليها.
مطلوب من هذه المنظمات أن تعي أن التحديات الراهنة باتت تفرض حتمية صوغ استراتيجية وطنية للمواجهة يأتي في مقدمة أولوياتها إسقاط مشروع أوسلو بكامله الذي أسقطته ممارسات سلطات الاحتلال، وسحب الاعتراف الفلسطيني بالكيان، ووقف كل أشكال التنسيق الأمني معه، والعودة إلى خيار المقاومة الوطنية في كافة أرجاء الوطن الفلسطيني، وهذا كله خارج حسابات الرئيس عباس الذي ما زال متمسكاً باتفاق أوسلو، ومتشبثاً بالتنسيق الأمني مع الاحتلال بكل ما يعنيه هذا من اعتداء على كل الحقوق الفلسطينية.