Menu
حضارة

عن قتل المجتمع بنار القبليّة والعشائرية

د. وسام الفقعاوي

موضوع القبليّة والعشائرية في حالتنا العربية عمومًا والفلسطينية خصوصًا، يمثل إحدى الاستعصاءات الكبيرة التي تؤكد بأن مجتمعاتنا لا تزال "تقدس" هذه التشكيلات باعتبارها مصدر حماية ببعديها الايجابي والسلبي، وفي واقعنا للأسف ما هو سلبي على هذا الصعيد أكثر من الايجابي، خاصة عندما تصبح العائلة أو القبيلة أو العشيرة، تشكل حماية للقتلة، وتجار المخدرات، والخارجين عن القانون، ومصدر للتوترات والاحتقانات والمشاكل الاجتماعية بأنواعها المختلفة، وليس العكس.

قد نتفهم دور العائلة والقبيلة والعشيرة، بما يجب أن تشكله من عوامل تعاضد وتساند وتكاتف وإيثار وتضامن داخلي ايجابي على صعيد العلاقات العائلية الداخلية، أو على صعيد العلاقات المجتمعية الأوسع، وفي وجه العدو الخارجي الذي نواجهه، وفي حالتنا الفلسطينية العدو الصهيوني بالأساس، وهذا لا شك لعبته العائلة والقبيلة والعشيرة، خاصة في مرحلة انتفاضة كانون عام 1987 التي عايشتها عن قرب- حينما تقدم دور التنظيمات والقوى الوطنية الفعل النضالي الانتفاضي، وباتت كل التكوينات (العائلة/القبيلة/العشيرة) رافدًا وداعمًا لها، وذلك حصل أيضًا في الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة في (2008-2012-2014)، من خلال فتح الكثير من العائلات والعشائر أبواب بيوتها ودواوينها للنازحين من المناطق الشرقية للقطاع، وانصهرت الناس وكأنها جسد واحد.. تقاسمت رغيف الخبز كما المكان... وهذا هو الدور الرئيسي الذي يجب أن تضطلع به لا غيره.

المقصود هنا، أن انصهار العائلات والعشائر في الفعل النضالي الوطني والاجتماعي، مرتبط بحالة وطنية متقدمة، تشد كل مفاصل المجتمع للتكيف معها، والانصهار بها، أما في ظل واقع أقل ما يقال أنه بائس على الصعد الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيميّة.. يجعل دور العائلات والعشائر بالمعني القبلي "الجاهلي"، يتقدم ويغطي المساحة التي يفترض أن تكون للأحزاب والقوى الوطنية التقدمية/التنويرية، وعليه سيكون واقع الحال، أن تتباهى تلك العائلات والقبائل بكثرة عددها أو أفخاذها، أو قدرتها على تجاوز القانون والتحايل عليه، وحماية الخارجين عنه، وبعدد قطع السلاح التي بحوزتها أو تملكها، وبقدرتها على فرد "عضلاتها" في مجتمعها...الخ، بما يجعل التوترات والاحتقانات الداخلية حاضرة باستمرار ولا تهدأ نارها، ويترتب على ذلك كثرة المشاكل العائلية وما ينتج عنها؛ من قتل وجرح وأضرار تطال الممتلكات الخاصة والعامة، كما تعطيل حياة المجتمع في أكثر من جانب، وتشويه صورته، والحط المستمر من قيمه الايجابية لحساب القيم السلبية... الخ.

لا يمكن أن نقرأ حالة الانقسام والاقتتال العائلي والعشائري بمعزل، عن تراجع دور التنظيمات والأحزاب الوطنية والتقدمية بالأخص، وأزماتها الذاتية، كما غياب الدور المدني للمؤسسات الأهلية التي تنطلق من حاجة مجتمعها، وليس أجندات مموليها؛ وكذلك لا يمكن قراءة هذا الانقسام، بمعزل عن حالة الصراع والانقسام السياسي في السلطة وعليها، والتي لعبت منذ عام 1993، دورًا رئيسيًا في صعود الدور العائلي والعشائري الذي حدّت منه انتفاضة كانون عام 1987، والذي تم مأسسته من خلال إنشاء ما عُرف: بديوان العشائر، وما تبع ذلك واستمر من رعاية واحتضان ودعم لها من قبل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، بما في ذلك تنظيمات وأحزاب تدعي أنها تقدمية ونهضوية، وتسجل في وثائقها وبياناتها أنها تعمل لمدنية المجتمع، من خلال رفض أن يبقى أسيرًا للموروث الاجتماعي القبلي "الجاهلي".

لكن الأنكى والأدهى من ذلك، أن الجهة التي يُفترض أن تطبق القانون، أي السلطة المطلوب منها أن تعمل لسيادته على الجميع، كما عدالة الإجراءات والتطبيق والممارسة، في إطار مهمتها الرئيسية المُتمثلة في حفظ التوازن الاجتماعي الشامل، أصبحت في أحد وجوه عملها تمارس دور العائلة أو العشيرة، وكأنها "مختار"، وليس جهة حكومية وسلطة قانونية مطلوب منها إنفاذ القانون، وليس أخذ "وجه عشائري" على المتقاتلين!! بما يحد من دورها ويجعلها لا تقوم بواجبها المطلوب.

نار القبليّة تلتهم العائلة الواحدة!

وصل أمر النفخ في نار العائلية والقبلّية والعشائرية، أن طال لهيبها العديد من العائلات والعشائر التي اقتتلت فيما بينها، واستخدم في بعضها السلاح وغيره من أدوات العنف، وأريقت فيها دماء أبناء العائلة والعشيرة الواحدة، أي الإخوة وأبناء العمومة، واحتقنت فيها القلوب بالكره والبغضاء، ومن ثم انقسمت على نفسها، وباتت صراعاتها عميقة ومتجذرة.. وترتب على ذلك "مأسسة" الانقسام في داخل كل عائلة وعشيرة بالقطيعة فيما بينهم من جانب، وبوجود أكثر من رأس للعائلة أو العشيرة الواحدة (مختار) من جانب آخر، وكل منهم يدير الأمور بما يناسب مصالحه، أو مصالح مريديه من العائلة/العشيرة المنقسمة، وأخرى تمأسست من خلال ما يسمى بمجالس العائلات؛ سواء على صعيد كل عائلة وعشيرة أو على صعيد ما يسمى بتجمع عائلات تأخذ أسماء مدن ومحافظات، بالإضافة إلى غيرها من التشكيلات والأسماء التي تؤكد بأن الانقسام تزيد رقعته، خاصة أن دور ما يسمى بمجالس العائلات أو العشائر في الأغلب ينحصر في القضايا الشكلية والاحتفالية التي انتشرت في السنوات العشر الأخيرة بشكل غير مسبوق: "احتفالات تكريم طلبة، حفلات استقبال في الأعياد والمناسبات، زيارات شكلية، واجتماعات للدردشة والتبارز الكلامي..."، وأخرى تمارس دور مدروس للتمدد والانتشار باسم المؤسسات والمشاريع العائلية المغطاة بيافطة الخدمة المجتمعيّة، في واقع اقتصادي ومعيشي واجتماعي غاية في الصعوبة يحياه أهلنا في قطاع غزة، حيث يطال الفقر ما يقرب من 70% من سكانه، وهذا ما يتطلب أن يكون دور العائلة والعشيرة تضامني وإيثاري لا شكلي أو احتفالي كما هو دارج، أي من خلال الأخذ بيد الفقراء والمستضعفين والمحتاجين، والطلاب غير القادرين على دفع رسومهم الدراسية، والأسر المستورة... وما أكثر هؤلاء، فهم الأولى والأحق بالاهتمام والرعاية والمصروفات الباذخة على شكليات أقل ما يقال أنها فاضحة.

إن القيم الايجابية المطلوب من العائلة والعشيرة أن تؤسس لها وتعززها في إطار المجتمع، لمواجهة بؤس الأوضاع الداخلية، كما حفظ بوصلة النضال ضد العدو الصهيوني، هي قيم: الايثار والتضحية والتعاضد والتساند والتماسك والمشاركة والتطوع.. وهذا الأمر رهن ذهنية/عقلية تعمل على تقديم العام على الخاص، أي الوطني والمجتمعي على العائلي والعشائري، من خلال جعل المصلحة العامة لكافة أفراد المجتمع بكل مكوناته العائلية والعشائرية، أساس وقاعدة لتقوية الرابطة الوطنية والمجتمعية، وتعزيز الانتماء الوطني للقضية الفلسطينية بأبعادها التحررية وطنيًا واجتماعيًا، وهذا دور لمن يفترض أنهم أصحاب فكر وطني تقدمي نهضوي، وليس لمن لا زالت أفكار "الجاهلية الأولى" تشكل وعيهم وتتحكم في تصرفاتهم وممارساتهم.

إن أي مراجعة هادئة ومدققة وموضوعية، ستصل إلى أن هذا الأمر لا يمكن أن يصلُح أو يصبح واقعًا ملموسًا دون صلاح الوضع الفلسطيني ومؤسساته الوطنية، من خلال استعادة المشروع الوطني التحرري، الذي ينصهر فيه الجميع، بحيث نكون أمام حالة وطنية فلسطينية موحدة، وتجتمع على رؤية وبرنامج وطني شامل... وهنا حري بالقوى والأحزاب الوطنية التقدمية والتنويرية، أن تقف أمام ذاتها من بوابة معالجة أزماتها، كي تقوم بدورها الوطني والاجتماعي المطلوب على هذا الصعيد.