Menu
حضارة

أكتوبر الآخر

عبد الله السّناوي

نقلًا عن الخليج الإماراتية

كانت السنوات التي أعقبت الهزيمة أفضل سنوات العسكرية المصرية، وأفضل سنوات جمال عبد الناصر، بالنظر إلى حجم العطاء الذي بُذل.
بقوة السلاح عبرت مصر قناة السويس في أكتوبر 1973، وكان يفترض أن تعبر أي مشاعر لحقت هزيمة يونيو 1967، غير أن النتائج السياسية ناقضت شجاعة المقاتلين.
كان الوجه الآخر لتبديد ثمار النصر في أكتوبر، هو تكريس الهزيمة في يونيو. ما هو متوافر حتى الآن شهادات لقادة عسكريين يروون وقائع كانوا طرفاً فيها، يدافعون عن أنفسهم أو يتهمون آخرين بالمسؤولية.
حسب المثل الشائع فإن «الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب». الشهادات المتوافرة على الرغم من أهمية بعضها لا تؤسس لرواية مصرية موثقة وكاملة. وثائق يونيو مودعة في خزائنها، والخزائن عليها أقفال ومتاريس.
ليس من مصلحة مصر حجب ما تقصته لجنة برئاسة اللواء حسن البدري، المؤرخ المعتمد للجيش المصري بعد يونيو مباشرة عن أسباب الهزيمة.
تتوافر آلاف الوثائق عن يونيو وأسرارها غربية و«إسرائيلية» دون أن تكون هناك رواية مصرية واحدة لها صفة الرسمية.
الأمر نفسه نفتقده في حربي «الاستنزاف» و«أكتوبر». هناك شهادات ودراسات نُشرت لكن الوثائق قضية أخرى. للوثائق كلمة أخيرة تجيب عن كل الأسئلة: كيف هزمنا ولماذا؟ وكيف قاومنا وصمدنا حتى عبرنا الجسور تحت وابل من النيران؟ ثم كيف أجهضت النتائج السياسية لتضحيات الدماء التي بذلت؟
لم تكن مصادفة بعد أيام من الهزيمة أن تفرض قوات محدودة في «رأس العش» كلمتها على «الإسرائيليين» وتوقع بهم خسائر فادحة في لحظة انتشاء عسكري. جرت بطولات تقارب الأساطير في ظروف شبه مستحيلة.
كانت السنوات التي أعقبت الهزيمة أفضل سنوات العسكرية المصرية، وأفضل سنوات جمال عبد الناصر، بالنظر إلى حجم العطاء الذي بُذل. وعلى الرغم من أية انتقادات جدية لأنور السادات، فإنه يحسب له أنه تحمل مسؤولية قرار الحرب في أكتوبر. بغض النظر عن أية مساجلات بحجم النصر، فإن مصر كان يتعين عليها أن تطوي صفحة الهزيمة، غير أن ذلك لم يحدث عن سبق إصرار، كأننا لم نحارب ولم ننتصر، وكأن «إسرائيل» قوة لا تقهر والهزيمة قدر لا فكاك منه. بين تحولات السياسة والانقلابات الاستراتيجية نشأت صناعة الهزيمة في الوجدان العام، ف«أكتوبر آخر الحروب»، و«لن نحارب بالنيابة عن الفلسطينيين والعرب لآخر جندي مصري»، كما تردد على نطاق واسع في الخطابين الإعلامي والسياسي.
استشعر جيل كامل وهب حياته لقضية تحرير بلاده بقوة السلاح الخديعة، فقد حارب من أجل حلم ليستيقظ على كابوس.
كان ذلك وجه آخر لأكتوبر نزع عن بطولاته جلال قضيتها وقداسة تضحياتها.
أفضل ما قيل في وصف بطولات أكتوبر هو أن الإنسان المصري العادي هو بطل الحرب، غير أن بطل أكتوبر لم يكن من ناحية تدقيق المعاني والألفاظ إنساناً عادياً؛ بل جيل كامل صهرته تجربة القتال وصاغت منه تجربة فريدة.
أغلب الذين قاتلوا في 1973 بعد ست سنوات في الخنادق، أو في معسكرات التدريب أو في مهمات قتالية أثناء حرب الاستنزاف، من خريجي الجامعات المصرية، الذين أتاحت مجانية التعليم الفرصة أمامهم لاكتساب معارف العصر.
فرضت ضرورات تحديث القوات المسلحة في أعقاب الهزيمة دفع جيل بأكمله من خريجي الجامعات إلى صفوف القتال، للتعامل مع أحدث التقنيات العسكرية في ذلك الوقت.
المأساوي في قصة هذا الجيل أنه أرجأ طموحاته وحياته إلى ما بعد انتهاء الحرب، غير أنه عندما عاد من ميادين القتال، وجد أن ما قاتل من أجله قد تبدد، وأن عليه دفع ثمن سياسات الانفتاح الاقتصادي التي دشنت عام 1974 من مستقبله الاجتماعي والإنساني. ثم أن يرى بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب سياسات التطبيع مع العدو الذي انتظر طويلًا في الخنادق أن يواجهه.
لم تعد «إسرائيل» عدونا التاريخي. في نبوءة للأديب الراحل محمود دياب، استبقت التطبيع مع «إسرائيل» أعلن استحالته في مسرحيته «أرض لا تنبت الزهور».
لم يكن السادات قد زار الكنيست ولا وُقعت اتفاقية «كامب ديفيد». «إن الحب لا يقحم على قلوب الناس بزواج ملك من ملكة.. خذها حكمة من الزباء ولا تنسها، إن أرضاً ارتوت بالدم لا تنبت زهرة حب». كان ذلك تنكراً لمعنى التضحيات الهائلة التي بذلت في ميادين القتال.