Menu
حضارة

تحولات جديدة في النمط الزراعي الفلسطيني

جبريل محمد

أثارت قضية استيراد الزيتون من بلد طالما تغنى بالزيتون ومعاصره وجذوره وأوراقه وأغصانه ملاحظة كبيرة، وهي؛ لماذا نستورد الزيتون وقد تعلمنا في المدارس قديمًا وفي درس الجغرافيًا تحديدًا أن السعودية تصدر البترول وتستورده؟ أي تصدره خامًا وتستورده مصنعًا على شكل مشتقات كالسولار والبنزين وغيره، لدينا الآية معكوسة، وهي أننا نستورد خامة موجودة أصلًا في بلادنا كي لا تتعطل آلات المصانع بسبب عدم كفاية المحصول، وفي هذا تضليل كبير.

أين يقع التضليل؟

يقع التضليل حينما نعلم أن التقليد الشعبي الفلسطيني يحرص على تموين البيت من الزيتون المخلل وزيته، بما يكفي طوال العام، ونادرة هي الأسر التي تشتري الزيتون مصنعًا ومعلبًا، من هنا نجد أن إنتاج الزيتون المعلب محليًا لا يهدف لسد حاجة السوق المحلية، بل هو للتصدير، بمعنى أن استيرادنا للزيتون من "إسرائيل" يعني إننا سنصدر بضاعة إسرائيلية المنشأ... وسلامات يا مقاطعة.

وهذا يثير ملاحظة أخرى، وهي أن نمطًا زراعيًا جديدًا بدأ يتشكل في الأراضي الفلسطينية، وهو إنتاج محاصيل زراعية بهدف التصدير، بمعنى أنها محاصيل نقدية أو cash crops، حيث دخلت الرأسمالية الفلسطينية متأخرة في هذا المجال بالتعاون مع شركات إسرائيلية، فبتنا نزرع النعنع والميرمية والبابونج وغيرهما من النباتات العطرية لأجل التصدير، وعلى حساب الرقعة الزراعية التي كانت معدة للخضار والفواكه، وذلك أسوة بفلسفة قطع أشجار الحمضيات في غزة وأريحا وطولكرم وقلقيلية، لصالح الفراولة والورد، وبالمناسبة قامت "إسرائيل" بزراعة ما مقداره نفس المساحة بالحمضيات وقتها. .

هذا لا يؤدي إلى تنمية، بل يؤدي إلى تسمين المصدرين، وتشكل رأسمالية زراعية متخارجة مع رأسمالية المستوطنات في الأغوار مثلًا ومناطق اخرى.

ملاحظة أخرى، هي أن هناك تقلص في المساحات المزروعة في الأرض الفلسطينية، عدا تلك المصادرة استيطانيا أو يمنع الدخول إليها، بمعنى أن هناك تبوير ذاتي للأرض نتيجة العزوف عن العمل بها واستصلاحها، هذا أدى إلى اغراق السوق الفلسطيني بالمنتجات الزراعية الإسرائيلية، وإلى تقلص المعروض من المنتجات الفلسطينية، في ظل زيادة طلب عليها؛ نتيجة زيادة عدد سكان الضفة والقطاع مع تقلص المساحات المزروعة. هنا لا أبريء الاستيطان، ولكني أيضًا لا أبريء تخاذلنا كقوى وطنية قبل الحكومة في حماية الأرض ودعم الفلاح، برغم كل الشعارات الجوفاء التي لم تثمر شيئًا حول الأرض والشجر والزيتون.

بقي على أن اقول، أنه إذا أرادت الرأسمالية الفلسطينية أن تديم ربحها فحلها ليس بالاستيراد، وإنما بتوسيع الرقعة الزراعية، من خلال الاستثمار في الزراعة لسد الاحتياجات الوطنية، وبعدها لا مانع من التصدير، لكن طبيعة رأسماليتنا الريعية غريبة عن هذا الفهم الذي يأتي بوجع الرأس.

خذ أيها الرأسمالي الفلسطيني قبل أن تتغنى بزيتون بلادنا أو تلعنه، كما حصل لأحد المسؤولين في لحظة سكر، ماذا يمكن أن نستثمر في الزيتون إذا اتسعت رقعته الزراعية؟

أولًا، تلطيف الهواء والمناخ. ثانيا الغذاء زيت وزيتون. ثالثا، الدفء الجفت، يمكن أن يُصنع بقوالب ويوضع في مدافيء الحطب. رابعًا، مستخلص أوراق الزيتوت، كمكمل لعلاج مرض السكري. خامسًا خشب الزيتون للحفر وصناعة التحف، وكل ذلك غائب عن رأسمالية ريعية تحلم بالربح السريع.

هنا انبه وزير الزراعة أن الوزارة لا تدار بالنوايا الطيبة، وأنت ابن فلاحين طيبين وما عهدت فيك إلا الطيبة، الوزارة يجب أن تدار بمنهج ربما يفكك كل هيكليتها ومراكز القوى فيها، ويعاد تركيبها بما يخدم خطة صمود وطنية، ويكنس مظاهر الفساد فيها، ويعاد صياغة الاستراتيجية الوطنية للزراعة بمشاركة الفلاحين قبل التكنوقراط. فالتكنوقراطي يمكن أن يبرر لك شراء الرمل من الصحراء، وأنت على شاطئ البحر. الأمر يحتاج إلى حصافة سياساتية نابعة من رؤية سياسية ناضجة.

إذن لنبدأ أولا؛ من تنظيف المؤسسة ووضع رؤية جديدة لزراعة مقاومة.