Menu
حضارة

مأساة الفكر العربي الحديث المستمرة

د. فيصل درّاج

عرف المثقفون العرب في بداية القرن العشرين مصطلحات متفائلة مترادفة، مثل: التقدم، والتطوّر، والارتقاء، اختُصرت جميعها في مصطلح: النهضة، التي تشير إلى وضعٍ مختلف سمته الركود والسُبات والثبات، وغيرها من الصفات التي تعني: انحطاط العرب وتخلفهم. قال هؤلاء المثقفون بميلادٍ عربي جديد يُقصّر المسافة بين الواقع العربي والغربي المتقدم، ويُعيد للعرب أمجادًا قديمة..

حملَ الفكرُ النهضوي ثلاثةَ أبعادٍ أساسيّة: النقد الذاتي، فلو لم يلمس تخلف العرب لما طالب بتقدّمهم، والانفتاح على الآخر الغربي والتعلّم منه، ذلك أنَّ على الأضعف أنْ يستفيد من معارف طرف تجاوزه، والبُعد الثالث هو الإيمان بالمستقبل الذي تأتي به الإرادة الوطنية إنْ كانت صادقة ومتعلمة.

جاء الحلمُ النهضوي بظواهر فكرية وسياسيّة، أولها: مواجهة الاستبداد الموروث عثمانيًا التي صاغها السوري عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير: "طبائع الاستبداد"، والإصلاح الديني بشكلٍ يوائم متغيرات الأزمنة الحديثة، عبّر عنه الشيخ محمد عبده في كتابه "الإسلام والمدنيّة"، وقال قاسم أمين بتحرّر المرأة، ودعا شبلي شميل إلى التطوّر والأفكار التطوريّة، ودافع جبران خليل جبران عن اللغة العربية، وهجس فرح أنطون بظواهر أدبية جديدة، مثل: الرواية والمسرحية..

جاءت هذه الأفكار في زمنٍ كان المجتمعُ العربي فيه خاضعًا للاستعمار والسلطات المركزية ضعيفة، والشعب يتطلّع إلى الاستقلال والتحرّر؛ تمثّلت السمة الأساسية فيه: ضعف السلطة المركزية، وقدرة الشعب على الحركة والتمرد.

تطوّرت الأفكار السابقة بفعل الكفاح الشعبي- الوطني، والاقتراب من "دولة الاستفلال الوطني"، حيث ظهرت أيديولوجيات حزبية، أو متحزبّة، انطوت على مشاريع اجتماعية- قومية. دعا البعض حال طه حسين إلى دولة ليبرالية، تقوم على وحدة الديمقراطية والتعليم، ورفع الإخوانُ المسلمون، الذين أسس حركتهم الشيخ البنّا في مصر عام 1928، شعار الدولة الإسلامية، وطالب الماركسيون بدولة اشتراكية مستلهمين أفكار ثورة أكتوبر الروسية عام 1917، وأعطى زكي الأرسوزي في سوريا، وقسطنطين زريق مشروعًا قوميًا-عربيًا طموحًا، غايته الوحدة العربية و"مجد العرب"، وتحرير فلسطين التي اغتصبها المشروع الصهيوني.

تميّزت تلك الأيديولوجيات بالتنوّع وتعدد الاجتهادات وبالتنافس الفكري، الذي ضمّ علمانيًا صريحًا مثل طه حسين، وإسلاميًا متشددًا مثل حسن البنا. ولم يكن ذلك التعدّد الفكري إلا تعبيرًا عن "فضاء سياسي حديث"، اعترف بحرية الانتماء السياسي، وبحق الفرد العادي أنْ يقبل أو يرفض ما شاء من الأفكار.. وعن هذا التعدد الحديث صَدَّرَت الأحزاب السياسية التي أعلنت عن وجودها؛ الصحف والمجلات، ودور النشر والنقابات. وبسبب هذا التنوّع الفكري الذي يبدأ بالخيار السياسي وينتهي به، ازدهرت حركة الترجمة، فترجم طه حسين ما شاء من الفكر الفرنسي، وقام الماركسيون بترجمات عن الروسية والفرنسية، ولم ينسَ المصري سلامة موسى الاشتراكية الفابية الإنجليزية، فنقل إلى العربية أفكارها بأشكال مختلفة. وفي مقابل ذلك عني التراثيون باللغة العربية، وحققوا نصوصًا قديمة، وظهر مَنْ يمزج بين الفكر الإسلامي والفكر الحديث، حال المصري خالد محمد خالد، الإسلامي القريب من الماركسية.

جاء الفكر العربي الحديث، الذي صعد في النصف الأول من القرن العشرين، بظاهرة المثقف الحديث، الذي يوكل إلى أفكاره رسالة بناء مستقبل مزدهر. عبّر عن ذلك طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، الذي حلم بمجتمعٍ مصري يحاكي الحضارة الأوروبية، وأنشأ لاحقًا مجلته: الكاتب المصري. وآمن ساطع المصري بوحدةٍ عربية قادمة، تقوم على حال انتهاء الاستعمار الغربي، وكان هناك الفلسطيني خليل السكاكيني، الذي اعتقد أنَّ المدرسة والصحيفة وطرائق التعليم الحديثة كافية لبناء مجتمعٍ عربي موحد يهزم الصهيونية والأميّة والتفرقة، ويحقق الحرية الفردية والعامة.

غير أنَّ تلك الفكرة البيّنة والطموحة التي سمح بتكونها الكفاح الشعبي ضد الاستعمار، اصطدمت مباشرةً بسياسات "دولة الاستقلال الوطني"، المُعادية للتعددية والديمقراطية، والتي حاصرت دور المثقف، وألغت أحلامه. فقد قالت تلك الدولة التي ظهرت إلى الوجود في منتصف القرن العشرين، بضرورة "الدولة القائدة"، التي عليها أنْ توحّد الشعب وجهود الأمة، وأنْ ترفض الأحزاب والأفكار المتنوّعة، وأنْ تحتكر الحقيقة التي تأمر بالتجانس والتماثل والانصياع.. ترجمت دولة الاستقلال التي جمعت بين شعاري التنمية وتحرير فلسطين، سياساتها بوسائل قمعية قاهرة، رأت في الحرية الحزبية تخريبًا، وفي الأفكار المتعددة فسادًا، منتهيةً إلى "الواحد المقدّس"، الذي لا يُعارض.

أخذت أجهزة الدولة المتسلّطة دور المرجع الأوحد، الذي تَصدُر عنه الأفكار والنظريات والتصورات المختلفة، والذي يُحقق ما يُريد بعنصرين متكاملين: الرقابة الصارمة، والمخابرات الفاعلة. ولم يكن المرجع السلطوي الأوحد إلا مرجعًا عسكريًا بعيدًا عن المعرفة والثقافة، ارتاح إلى: أيديولوجيا الشعارات التي هي بلاغة فارغة، لا تعرف سبل التقدّم وتجهل حقيقة الدولة الصهيونية، وأضاف إلى تلك الأيديولوجيا، نزعة شعبوية تحسن التصفيق والانصياع، وذلك في مجتمعٍ تكتسحه الأميّة غالبًا. وإذا كان تنافس الأفكار المختلفة تعبيرًا عن الحياة، فلا حياة بلا تنوّع، فإنَّ سياسة الواحد القمعية درب إلى الموات ومعاقبة الحياة. ولهذا؛ تداعى النقد والنقد الذاتي، وتداعى معهما تحرير فلسطين وخابت التنمية المنشودة، وانتهى الحوار الفكري، وأصبح الفكرُ النقدي تهمةً عقابها السجن، واختُصر دور الشعب إلى الولاء والقَبول، فصَمَت الفكر، وازدهرت القدرية، وَسَطَا التزوير الإعلامي على كلّ شيء..

عَرِفَ المجتمعُ العربي في العقود التي تلت هزيمة حزيران 1967، ظاهرتَين: الخواء السياسي المجتمعي، فلا أحزاب ولا نقابات ولا معارضة؛ وأنظمة قمعية طويلة العهد، سعيدة بوحدانيتها، وسعيدة أكثر بمجتمعٍ خاضع معطّل التفكير، نتج عن ذلك تقارب فكري بين الحاكمين والمحكومين، قوامه التكرار الزمني الذي لا يأتي بجديد، باستثناء الهزائم. قال عبد الرحمن الكواكبي، في كتابه طبائع الاستبداد: "إنْ طال عهد المستبدّ بهم بالاستبداد ألغوه، وإذا ضاقوا به فإنهم لا يسعون إلى ما ينقضه، بل إلى آخر يشبهه..". هكذا يصبح قَبول الاستبداد طبعًا، بل طبعًا سلطويًا، ينفر من التجديد والاختلاف، ويرى تاليًا، في التعددية الفكرية إثمًا، وفي الحوار موبقة، وفي الحداثة الاجتماعية فجورًا، يُحاكي "الغرب الكافر" ويبتعد عن الأصالة.

جاء عصر النهضة العربي الممتد من بداية القرن العشرين إلى منتصفه تقريبًا "بثورة فكرية واعدة"، وجاءت السلطات العربية الممتدة من منتصف القرن الماضي إلى اليوم، بما تكفّل بإطفاء الفكر وتعطيله، وهو أمرٌ يطرحُ أسئلة كثيرة.