Menu
حضارة

تهدئة إيرانية- سعودية.. برعاية أمريكية!

هاني حبيب

قبل ما يزيد عن أربع سنوات، وتحديدًا مع تشكيل التحالف السعودي في إطار ما يُسمى عاصفة الحزم للحرب على الشعب اليمني، هدد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بنقل الحرب إلى داخل إيران، ما نشهده اليوم هو أن هذه الحرب انتقلت إلى داخل السعودية ذاتها، للوصول إلى هذا المشهد، لا بُد من قراءة جملة التحولات والمراحل التي مرت بها المنطقة خلال هاتين الحربين.

وهنا لا بد من التذكير بالدور التي لعبته بعض دور الخليج العربي في الأزمة السورية من خلال إسنادها إلى للإرهاب ضد الشعب السوري، هذا الدور تراجع عمليًا بعد هزيمته، وربما قراءة المشهد السوري هذه الأيام لابد أن يدفع أي ملاحظ إلى جملة من المعطيات التي تنطوي على توسّع مساحة الأرض التي تم تحريرها وبسط سيطرة الدولة لتدير أمور مواطنيها بالتدريج، بالتوازي مع تسليم ضمني بهزيمة مشروع الإرهاب وانكساره، ذلك حدث مع تراجع وربما تجاوز مرحلة المفاوضات حول الأزمة السورية، من مؤتمر جنيف، إلى مؤتمر استانة، ثم قمة الدول الثلاث، روسيا وإيران وتركيا، التي نجحت في قمتها الأخيرة بوضع أساس لصياغة دستور جديد، في وقت غابت فيه المعارضة بشتى تصنيفاتها في صناعة أي حدث حول الأزمة السورية، إضافة إلى فتح المعابر التجارية بين سوريا وكل من العراق و الأردن مؤخرًا، إضافة إلى عودة سفارة دولة الإمارات إلى دمشق، وهي الدولة التي ساهمت وساندت المعارضة منذ بدء الأزمة السورية، لم تنتهِ الحرب على الإرهاب في سوريا، وما زالت قوات الاحتلال الأمريكي والتركي تسيطر على عدة مناطق، إلا أن مؤشرات إعادة سيطرة الدولة السورية بالتدريج على أراضيها، مع هزائم مستمرة لما تبقى من قوى الإرهاب، تدل على أن الدولة باتجاه الاستقرار، وهو ما جعل الأزمة السورية تحتل العناوين الفرعية في وسئل الإعلام، عوضًا عما كانت عليه كعنوان أساسي بشكل دائم ومستمر، ما مهّد الطريق أمام المرحلة الثانية من المشهد الذي ساد هذه المنطقة الحيوية في العالم.

وحيث تربعت منطقة الخليج العربي على المشهد في المرحلة الثانية، مع بدء سريان العقوبات الأمريكية المتجددة على إيران، ثم انفجار الوضع وإسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة من قبل إيران وتراجع الرئيس الأمريكي ترامب عن نوايا الرد بذريعة الخشية من سقوط أعداد متزايدة من الضحايا، وهو المبرر الذي لم يقنع أحدًا، خاصّةً وأن الولايات المتحدة المصدر الرئيس للسلاح والمعلومات الاستخبارية للتحالف السعودي الذي يزهق أرواح مئات آلاف المواطنين اليمنيين، ومنذ هذه الإشارة تبيّن حقيقة تم تأكيدها من خلال التداعيات اللاحقة، فإن أمريكا ليست بوارد القيام بحرب في هذه المنطقة، عوضًا عن ذلك، قامت بالدعوة لتشكيل تحالف إقليمي بهدف ما أسمته ضمان استمرار تدفق النفط وحماية الناقلات، هذا التحالف الذي انضمت إليه إسرائيل وبعض الدول الخليجية، بدون أن يثمر من الناحية الفعلية عن تشكيل حقيقي متبلور بهذا التحالف الهش، خاصة بعد الإعلان عن انفتاح دولة الإمارات على إيران بالتوازي مع انسحاب قواتها بشكل متدرج من اليمن، ما يشكل انسحابًا من تحالفها مع السعودية في إطار عاصفة الحزم، في وقتٍ باتت القوات الحوثية توجّه ضرباتٍ متلاحقة إلى قوات هذا التحالف في اليمن، من خلال صواريخ كروز والطائرات المسيّرة، قبل أن يتطور الأمر، لكي ينتقل هذا المشهد إلى المرحلة الثالثة الأخيرة، وهو المشهد الحالي.

شركة أرامكو تتعرض لهجوم أدى إلى تدمير جزء كبير منها، القوات الحوثية أعلنت عن مسؤوليتها ، لكن هناك من يشكك في أن الضربة تم توجيهها من قبل إيران، في سياق هذه النظرة للمشهد، لا يهم الجهة التي وجّهت الضربة، ولكن تداعياتها ومؤشراتها، خاصة بعد أن تعهدت القوات الحوثية بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، بهدف العمل على حل سياسي يقوم على أساس انسحاب القوات الغازية والتواصل إلى اتفاق سلام بين مختلف الأطراف اليمنية، إلا أن التحالف السعودي لم يرد رسميًا بل من خلال تسريبات صحفية، ما يعني أنه رفض السلم الذي منح إليه للنزول عن شجرة مغامرته، الأمر الذي أدى إلى قيام الحوثيين بإعلان عن عدة عمليات عسكرية، قالوا إنها قامت بها في وقتٍ سابق، ربما لكي لا يُقال أنهم لم يلتزموا بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، وهذه العمليات التي أكدت أن اليد الطويلة القوية في ميزان القوى لصالحهم في المواجهة مع التحالف السعودي.

من تداعيات الهجوم على أرامكو، تبيّن أن الولايات المتحدة ليست في وارد أن ترد عسكريًا، فهي ليست بحاجة إلى نفط المنطقة بعد أن باتت أكبر منتج للنفط في العالم، إلا أنها بحاجة إلى أموال النفط لتزويد دول الخليج العربي بالسلاح مقابل هذا المال، لذلك فإنّ أمريكا بحاجة إلى استقرار المنطقة لضمان سيولة النفط، ذلك أن أي حرب ستنؤدي إلى وقف سيولة الأموال التي بالمحصلة تعود لخزينتها، وبدلًا من قيام تحالف لضمان إمدادات النفط بقيادة أمريكا، بات أن نشأت تحالفات من نوع آخر، تحالف يقوم على الوساطة بين أمريكا والسعودية من جهة، وإيران من جهة أـخرى، بمساهمة من زعامات عدة دول كاليابان وفرنسا وعُمان و الكويت والعراق وباكستان، في وقتٍ تسرّب فيه بعض وسائل الإعلام عن حوار تحت الطاولة بين أمريكا والحوثيين، بالتوازي مع عودة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن تهديداته بنقل الحرب إلى إيران، بحديثه عن حوار مع إيران تجنبًا للحرب!

المشهد ما زال مستمرًا، تهدئة تقترب من اليمن، تراجع أمريكي في هذه المنطقة التي تعتبر شريان حياة للاقتصاد العالمي، انكسار قوى الإرهاب المنظم في منطقة الخليج!