Menu
حضارة

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج 6)

حاتم استانبولي

السلطان عبد الحميد الثاني

خاص بوابة الهدف

معظم المعطيات التاريخية تؤكد أن السلطان عبد الحميد رفض رفضًا قاطعًا أن تكون فلسطين وطنًا قوميًا لليهود، وفي ردّه على هرتسل عام 1901 قال "إن فلسطين ليست ملك يميني بل هي ملك شعبي, الذي رواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بُتِرت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لا يكون)" (1).

هذا الرد يوضح أن السلطان عبد الحميد رفض الأموال التي عرضتها الحركة الصهيونية عليه لفك أزمة الإمبراطورية، مقابل أن يسهل هجرتهم إلى فلسطين، والاعتراف بها كوطن قومي لهم.

وهذا يوضح انقلاب الصورة لدور قبائلهم ومجموعاتهم خاصة طائفة (يهود الدونمة) الذين استقبلتهم الإمبراطورية العثمانية عندما طردوا من إسبانيا، وأكثريتهم غيروا أسماءهم وتسللوا لاحقًا إلى جمعية الاتحاد والترقي في الإمبراطورية العثمانية، ودعم وزراؤهم وسفراؤهم الذين أخذوا مناصب في الإمبراطورية المعارضة العثمانية، التي تمثلت بجمعية الاتحاد والترقي، التي تأسست عام 1989، وانضمت إليها تركيا الفتاة عام 1906، وساهمت في عزل السلطان عبد الحميد الثاني 1909- وللإشارة فإن أحد الأعضاء الثلاثة الذين سلموا السلطان عبد الحميد قرار العزل كان يهوديًا، يدعى "قره صو أفندي" سبق أن طرده السلطان من مجلسه في قصر يلدز (2)-، وتولية السلطان محمد الخامس- الشهير برشاد- مكانَه (1909 ـ 1918)، وتولى الجنرالات الثلاث محمد طلعت باشا (1874-1921) وإسماعيل أنور باشا (1881- 1922) وأحمد جمال باشا (1872- 1922).

هؤلاء الثلاثة الذين سيطروا على مقاليد الإمبراطورية العثمانية وخطوا سياسة التتريك للقوميات الأخرى، التي كانت تشكل الإمبراطورية العثمانية، وألغوا الطابع الشّمُولي للإسلام، لتحويله إلى أداةٍ لخدمة قومية واحدة. وفي عهدهم بدأت الإمبراطورية العثمانية تنحصر شمالًا وجنوبًا.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج5

الدور العربي في الإمبراطورية العثمانية، تاريخيًا، كان دورًا هامًا لإعطاء المشروعية الدينية للحكم العثماني، بحكم المنشأ القومي العربي للدين ولغته ومكانته.

إذا ما دقّقنا في القوميات التي شكلت الإمبراطورية العثمانية، من بلغار ويونان وصرب ويوغسلاف وأتراك وعرب. نجد أن العرب كانوا يشكّلون القاعدة الاجتماعية الأوسع والأكثر تماسكًا، ولهم دورٌ مهمٌ في بقاء واستمرار الإمبراطورية العثمانية، وإعطائها الشرعية الدينية التي كانت عاملًا هامًا لاستمرار تماسك الإمبراطورية، وبالرغم من أن حقوق العرب لم تكن تعكس دورهم الهام في مؤسسات الإمبراطورية، إلا أنهم استمروا في الرضوخ للسياسات الإقصائية لهم، تحت عنوان الالتزام بالعلاقة الدينية، العامل الهام في العلاقة بين حكم العثمانيين والعرب.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (جـ4)

أُتِيحت للعرب المشاركة في الحياة النيابية في عاصمة الخلافة بعد إعلان "المشروطية" الدستور العثماني عام 1908، حينها دخل العرب في مجلس "المعوثان"، وهو المجلس النيابي التركي، وكوّنوا كتلة برلمانية كان لها دورًا هامًا في الحوارات (3).

بعد عزل السلطان عبد الحميد 1909، بدأت سياسات التتريك تسود، من خلال تتريك المؤسسات الحكومية، وفرض اللغة التركية، وإلغاء حقوق القوميّات. وفي ظل ضعف الإمبراطورية وارتفاع مديونيتها بدأت تخسر أراضيها شمالًا وجنوبًا، ولم تستطع مواجهة قضم أراضيها في ليبيا من قبل الطَّليان، وتعاظم النفوذ البريطاني في مصر، هذه السياسات التي حاول المندوبون العرب في البرلمان التركي أن يشيروا إلى خطرها على العلاقة العربية التركية، لكن لم يُسمَع صوتُهم، خاصة عندما أرسل الشريفُ حسين أميرُ مكة ابنَه فيصل، يحمل رسائله إلى الباب العالي، يشكو فيها طغيان جمال باشا في الشام، وتضمنت الرسائل عدة مطالب، منها العفو عن المعتقلين العرب في جبل لبنان، الذين اعتقلهم جمال باشا بتهمة العمالة لفرنسا، إضافة إلى إعطاء العرب حقوقهم في الحكم في سوريا والعراق، على أن يكون الحكم في الجزيرة العربية له ولأبنائه من بعده.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس-بيكو وصفقة القرن.. اليهودية في أوروبا وأساس العداء للسامية (ج 2)

وكان ردّ الأستانة على رسالة الشريف حسين قاسيًا، إذ اعتبر ما ورد فيها ليس من صلاحياته. ولم يأخذ بمطالب العرب بوقف حملة الإعدامات للنشطاء في جبل لبنان، وكان الرد بإعدامهم. هذا الفعل الذي أراد منه جمال باشا إخضاع العرب، لكنه كان سببًا في موافقة الشريف حسين على التعاون مع بريطانيا، وبدأت سلسلة مراسلات عرفت برسائل مكماهون- الشريف حسين، هذه الرسائل التي وعد بها البريطانيون الشريفَ بإعطاء الحكم له ولأبنائه.

لقد كانت بريطانيا وعملاؤها في مكتب القاهرة والهند، المسؤولون عن عمل أجهزتهم في الجزيرة العربية عبر الثلاثي لورنس العرب، الذي يتبع مكتب مصر، وجون فليبي، وكوكس، اللذان يتبعان مركز الهند الاستخباري (ورد دورهم تفصيليًا في كتاب ناصر السعيد، حول تاريخ آل سعود).

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج3)

لقد كان لهؤلاء الثلاثة دورٌ محوري في انقلاب الصورة، بشكلٍ يحوّل دور القبائل العربية من دورٍ داعمٍ للدولة العثمانية إلى دورٍ قوّض سلطتها وأسقطها في قلب مرجعيتها الدينية، وبذات الوقت كان جون فليبي وكوكس يعارضان رؤية لورنس العرب في اعتماد بريطانيا الوحيد على الشريف حسين وأبنائه الأربعة، هذا التعارض الذي ظهر بين مركزي الاستخبارات البريطانية في مصر والهند، ورجحت رؤية جون فليبي وكوكس اللذان عملا على تقويض الدور المستقبلي للشريف حسين في الجزيرة العربية، عبر دعمهم غير المحدود لخلق مرجعية جديدة تكون تحت سلطتهم، تأييدا لموقف جون فليبي، الذي أشار إلى أن سلطة بريطانيا ونفوذها لا يمكن أن يدومان في ظل استلام الشريف حسين للحكم، كونه موجود قبل الاستعمار البريطاني، ويحظى بمكانة بين القبائل، لها أبعاد دينية وقبلية ووراثية لحكم بني هاشم.

أما بنو سعود وعبد الوهاب، سيكون ولاؤهم تامٌ ومطلق لبريطانيا، التي أعطتهم السلطة وحاربوا بسيفها القبائل العربية الأصيلة، في حائل ونجد والجوف، وفتّتوها وشرّدوها وبسطوا سيطرتهم على الجزيرة العربية وكانوا سببا في ملاحقة مناصري الشريف حسين شمالًا. (4)

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن

لقد كان واضحًا أن البريطانيين وظفوا المنظومة الأخلاقية العربية، التي كانت تؤمن بالوعود أكثر من النصوص، في تلاعبهم بتحويل النقمة على سلوك جمال باشا ومجازره التي ارتكبت بحق العرب- خاصة في منطقة الشام، التي كانت مركزًا مُهمًا للجمعيات والنوادي والصحف العربية- إلى نقمةٍ على الإمبراطورية العثمانية.

لقد قام جمال باشا باعتقال وإغلاق الجمعيات والصحف، وقاد الناشطين السياسيين إلى السجون والمشانق، مما عمّق النقمة على الحكم العثماني وفتح الباب أمام البريطانيين، لاستقطاب الشريف حسن الذي كان يحظى باحترام القبائل العربية والناشطين في بلاد الشام.

وأخذت الموافقة منه على انتقال القبائل العربية من موقع الحليف للعثمانيين إلى موقع خندق البريطانيين والفرنسيين.

لقد استثمر البريطانيون والفرنسيون في الأخلاق العربية وعمق معرفتهم بسلوك العرب وأهمية زعيم القبيلة ودوره المحوريـ فكان سهلًا عليهم أن يُقنِعوا زعماء القبائل ويطلقون وعودهم الشفهية أو المكتوبة لهم، هذه الوعود التي كان ينظر لها زعماء القبائل من على أرضية فهمهم الأخلاقي، في حين كان البريطانيون خاصة يعتبرونها وعود تتطلبها مصلحة اللحظة السياسية.

هذه الوعود الكاذبة التي كشفتها ثورة أكتوبر في روسيا، التي نشرت نص اتفاقية سايكس- بيكو ووعد بلفور، التي أثارت شكوك الشريف حسين، لكن الخارجية البريطانية سارعت لتكذيبها في رسالة من وزير خارجيتها للشريف حسين، في الثامن من شباط 1918(وارد نصها في صفحة 62 من كتاب جهاد شعب فلسطين)

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية التي شهدت انتصارًا لبريطانيا وفرنسا، ورغم أن هذا الانتصار لعب فيه العرب دورًا محوريًا، إلّا أنّهم لم يُوفوا بوعودهم للشريف حسين بل دعموا خروجَه من الجزيرة العربية وحصاره في مدينة العقبة، وسارعوا بعدها لنفيه إلى قبرص، ليغلقوا صفحة وعودهم له وليسكتوا الشاهد الحي على وعودهم الكاذبة. واستثمروا في أبنائه، ونصّبوهم أمراءَ في العراق وسورية، وأنشأوا للأمير عبد الله الأول إمارة شرق الأردن، التي سيكون لها دورًا مفصليًا في استيعاب النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين.

هذا المشهد الذي شكّل مرحلة الفترة ما بين (1900 إلى 1922)، حيث تلاقت المصلحة الاستعمارية الغربية مع المصلحة الصهيونية، التي عبر عنها بشكل واضح في مقررات لجنة (Henry Campbell-Bannerman) نسبةً إلى رئيس وزراء بريطانيا عام 1907، الذي دعا إلى مؤتمر يضم ممثلين عن كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا، هذه الدول التي كانت تشكل دول الاستعمار المباشر، حيث كان المؤتمر يقوم على حلقاتٍ دراسية وعلى الدول أن ترسل إلى جانب ممثليها، خبراءها وأساتذتها الجامعيين.

وقد تضمّن تقرير المؤتمر:

"ان الخطر الذي يهدد الاستعمار الغربي يكمن في البحر المتوسط، الذي يقيم على سواحله الجنوبية والشرقية شعبٌ يتميز بكل مقومات الوحدة والترابط، وتتركز فيها الثروات الباطنية والزراعية، مما يتيح لشعبها التقدم والرقي". (5)

وأوصى تقرير المؤتمر بضرورة تفتيت المنطقة، وفصل جزئها الأفريقي عن الآسيوي، عبر وضع حاجزٍ بشري بينهما.

المدقق في هذه التوصية يرى مدى النفوذ الصهيوني الذي كان يحكم أجواء المؤتمر، والذي انعكس في تقرير (Henry Campbell-Bannerman). وتأكد ذلك أيضًا في تقرير اللجنة البريطانية عام 1937، الذي أُشير فيه للتالي:

عندما صَحّت النيّة بشأن زحف الجيوش البريطانية إلى فلسطين في شهر فبراير عام 1917، فُتِح باب التفاوض الرسمي بين الحركة الصهيونية والحكومة البريطانية، وتلتها مفاوضاتٌ أخرى مع الحكومة الفرنسية والإيطالية، وتمت الموافقة الرسمية على المشروع الصهيوني من قبل باريس وروما ولندن، وأُرجئ نشر هذه الموافقة حتى أكتوبر 1917، الذي عُرِف باسم وزير خارجية بريطانيا "بلفور"، الذي عرض على الرئيس الأمريكي وأخذت موافقته.

هذا يؤكد أنّ وعد بلفور كان ثمرة جهود صهيونية التقت مصالحها مع مصالح الاستعمار المباشر وعواصمه، وجاء نتيجةً لتوصيات مؤتمر (Henry Campbell-Bannerman).

تلخيصٌ لهذه المرحلة الهامة، التي تحوّلت فيها التوصيات والقرارات الصهيونية المالية والسياسية والإعلامية إلى وقائع، عبر استخدام النفوذ الصهيوني في حكومات الغرب ودور زعماء الجاليات والقبائل اليهودية في أوروبا والإمبراطورية العثمانية، الذين حسموا خيار خلافهم بين ممثلي رأس المال (اليهودي) وممثلي الأرثوذكسية اليهودية، ناهيك عن الدور الذي لعبه عملاء بريطانيا في مصر والهند، وخاصة لورنس العرب وجون فليبي وكوكس، وتقمصهم الشخصية العربية بالشكل واللّباس، وحتى تغيير الأسماء لتأخذ أسماء عربية، حيث غير جون فليبي اسمه إلى الحاج عبد الله فليبي.

لقد تَوّجَ ونستون تشرشل، أثناء زيارته إلى القدس عام 1922، الجهود المشتركة الاستعمارية البريطانية والحركة الصهيونية، بزرعه شجرةً في الأرض التي بُنِيت عليها الجامعة العبرية في القدس.

المراجع :

(1,2,3): كتاب جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن- الصفحات 27 و30 و34

(4): كتاب ناصر السعيد حول عائلة آل سعود

(5)" جهاد شعب فلسطين صفحة 67