Menu
حضارة

قراءة في التحولات الاقتصادية الاجتماعية في بنية ووظيفة طبقة الحكم

موسى عزب

بينما يمر الأردن بحالة من السخط المجتمعي والحراكات المطلبية الواسعة في كل من قطاعي التعليم والصحة، بشكل خاص، تلوذ الحكومة خلف حالة من الإنكار والتضليل، فترسل ذراعها الأمني، تقمع التحرك المطلبي المستحق للمعلمين، وتمعن في سياسة التسويف والمماطلة للتهرب من استحقاقات المطالب الشعبية.

بدون جهد كبير يلحظ المراقب حالة من الانسداد السياسي الكامل، والإمعان في قمع الحريات، وسط انعكاس الأزمة المركبة التي تعيشها الدولة، على معظم الأصعدة، مع انعدام طرح أي خيارات اقتصادية اجتماعية بديلة، نتيجة امتثال الحكومات التبعي لإملاءات صندوق النقد الدولي، وتبعات معاهدة وادي عربة المشؤومة.

اعترف الفريق الاقتصادي، بفشل سياسات الحكومة المتوالية في تحقيق نقلة ملموسة تستجيب للتحديات الملحة، ولكن حكومتنا رغم ذلك، تعجز عن طرح بدائل إيجابيه، وتمعن بالسير على نفس النهج الفاشل الذي أوصلنا إلى هذا الواقع المعتم.

ما سبب هذا التنكر للمطالبات الشعبية، وهذه العزلة التي تضع الحكومة فيها نفسها؟ لماذا تُستبدل لغة الحوار، بالهراوة الغليظة ضد مؤسسات المجتمع المدني ونشطاء الوطن؟ لماذا ترفض الحكومة المشاركة الشعبية وتوصد أبواب الحوار مع الأحزاب والنقابات؟ ما هي التبدلات التي حصلت على البنى الفوقية في البلاد وقادتنا إلى هذا الحال؟ أين حصل التغيير في المحتوى الاجتماعي للحلف الطبقي الحاكم والعوامل التي أسهمت في بلورة هذا الحلف منذ إعلان ما سمي ببرنامج التصحيح الاقتصادي، والذي رافق انطلاق سياسة العولمة النيوليبرالية في المركز الرأسمالي العالمي؟ وهذا ما تناولته في الإجابة، في مقالي الأخير المعنون: "كيف حولت الخصخصة، الوظيفة العمومية العليا، إلى مطية لفرسان النيوليبرالية؟!".

ثلاثة عقود من التحولات البنيوية في هياكل الحكم، تشكل من خلالها، وبمسار ممنهج ما يشبه "المحفل السلطوي" بعضوية نخب منتقاة؛ بات يمسك بقوة بجميع خيوط اللعبة السياسية والاقتصادية، ويمنح أدوارا معلومة، وعضوية نخبوية، لرؤساء حكومات، ووزراء، ووظائف عليا في جميع المستويات.

نقطة البدء ترسخت عبر اتباع سياسة خصخصة زبائنية منفلتة لأهم حوامل القطاع العام، تحول من خلالها أصحاب الوظائف العليا إلى بائعين لمقدرات الوطن، ومن خدمة المصالح العامة، تحول نادي الحكم إلى خدمة مصالحه الخاصة. تلاشى دور البيروقراط، أو تم التخلص منه بشكل متدرج. لم يعد هناك وجهات نظر تُطرح في نادي الحكم، أو تنازع على قرارات. غابت الرؤية الوطنية تجاه العمل العام، وانتفت أي تعددية في الفهم والتنفيذ.

شكل النظام الذي وسم الدولة في السبعينيات والثمانينيات، أصبح "معيق" وغير مرغوب، وحل مكانه شكل سلطوي جديد مقولب، أحادي الرؤية يتكيف مع شروط التبعية ومتطلبات العولمة والخصخصة. حصل نوع من اختطاف السلطة، وسيطرة على المؤسسة التنفيذية والتشريعية، وإلحاقها بالوظيفة العليا. ما سمي بوزراء الديجتال.. نجباء النيوليبرالية، سواء من ترقى في كنف الوظيفة العامة، أو أُحضر من القطاع المصرفي والمالي الخاص، قُدمت لهم السلطة على طبق من ذهب في سبيل التسريع في "إنجاز" الخصخصة، وأصبحت الفرصة متاحة لتحويل فرسان بيع القطاع العام، إلى مديرين ورؤساء وأعضاء مجالس إدارة في الشركات التي تم خصخصتها، وعلى رأس الهيئات المستقلة التي لُفقت للتنفيع والمحسوبية، وتبديد مقومات الوطن.. أو في البنوك والبيوتات المالية، التي رعت بيوعات القطاع العام، وأصبح من الاعتيادي أن ترى بأن دولته بعد مغادرة الحكومة، قد أصبح رئيسا لمجلس إدارة بنك، ومعاليه مديرا لشركة وطنية، تمت خصخصتها للتو، أو مالكًا لشركة تأمين!!

"الباب الدوار" تم نصبه الآن على الدوار الرابع..

يمر الأردن حاليًا بحالة من السخط المجتمعي والحراكات المطلبية الواسعة في كل من قطاعي الصحة، والتعليم بشكل خاص، فتلوذ الحكومة خلف حالة من الإنكار والتضليل، وتمعن في اللجوء إلى القمع المادي والمعنوي ضد المواطن والمجتمع، الذين تعتبرهم خصوم وأنداد لها.. بينما تسقط الحواجز بين القطاعين العام والخاص، حيث بدأنا نشهد منذ حوالي عقد، عودة سافرة من إدارات المؤسسة المالية في القطاع الخاص- بما فيها البنوك والمؤسسات المالية الدولية- إلى الوظيفة العامة العليا بكل يسر واعتيادية، في عملية تشبه حركة الباب الدوار المقام على مداخل الفنادق الكبرى، ولكن هذه المرة تم نصب هذا الباب على الدوار الرابع!

طبقة من الرأسماليين المستبدين استُحضروا ليسيطروا على السلطة، بحيث أننا قد وصلنا إلى حالة لم نعد نرى فيها فروقات هامة بين الوظيفة العمومية العليا، والمؤسسة المالية والتجارية في القطاع الخاص، ولم يعد مستغربا إزالة العوائق، بين الوظيفة العليا العمومية والخاصة. وقد أصبحت هذه الظاهرة تتشكل كنتيجة وغاية للعقيدة النيوليبرالية بشكلها المعولم، ومن خلالها تصبح عملية اختيار الموظف العالي "هادفة"، وذات دلالات بائنة.

من الطبيعي أن يعرف الموظف العالي العمومي شكل العمل في القطاع الخاص، ولكن في حكومات البزنس، أصبح من مهام هذا الموظف "التشبيك" بين العمومي والخاص، لينتقل تأثير الخاص ورأس ماله إلى الوظيفة العمومية، وينقل معه الفساد وتلوث الدولة، وضرب القيم المجتمعية، ويحول كبار الموظفين إلى رجال أعمال في خدمة رأس المال، ولا يعود هناك من فرق إن جاء هذا الموظف "العالي" من بيئة يمينية أو يسارية، أو من الأجهزة العسكرية أو الأمنية، أو حتى من بقايا البيروقراط.

يستعمر المال الدولة، وتجري عملية نهب وتفقير، يتفاقم التضخم ونسب البطالة، ويجري التلاعب بقوانين التقاعد، ويتم تفكيك قانون العمل، وتقفز المديونية الى أرقام قاتلة، ويتراجع مستوى الخدمات في القطاع الصحي والتعليمي العام، ويتوتر المجتمع... الكل يخرج خاسرًا عدى أرباب البنوك وشركات التأمين، وطغمة الكمبرادور والمقاولين الفاسدين والنخب السلطوية. يحدث نهب حقيقي لمدخرات وصناديق توفير وتقاعد المواطنين المتواضعة، سواء من خلال التضخم المتصاعد، أو عبر التلاعب بالفوائد البنكية، أو التلاعب بالأنظمة والقوانين.

لا يعود هناك فرصة للخلق والإبداع في السياسة العامة للدولة، ولا مجال للتشاركية أو الحوار مع مؤسسات المجتمع المدني، وتغيب السياسة الاقتصادية، لتحل مكانها إدارة شؤون المال، ويتبوأ المنصب من يبدي الاستعداد للسير بدون تلكؤ نحو النيوليبرالية، واستكمال الخصخصة!!

إلى أين يقودنا هذا "المحفل السلطوي"؟!

لمزيد من التضليل، فإن النخب الطفيلية في السلطة، والمصابة بداء الجشع وتكديس الثروة، لا تعلن عن معاداتها للديموقراطية صراحة، ولكنها لا تريد للديموقراطية أن تعيقها عن تنفيذ سياساتها! "ما حاجتها إلى الديموقراطية طالما أنها تدرك كل ما تفعله، ومطلوب منها أن تفعله بسرعة"؟!

وعندما تُتخم كل المناصب الرسمية، وشبه الرسمية، يتم استجلاب فئة المستشارين والخبراء، وفي الغالب يرسل هؤلاء إلى البنوك والشركات التي تم خصخصتها لممارسة استشاراتهم عن "قرب"، حيث يمعن مستشارونا في تقسيم المهام المصرفية؛ بين المهام الاعتيادية التجارية للبنك من ناحية، وبين تشكيل غطاء لوظيفة المضاربات المالية، العزيزة على قلب إدارات البنوك من ناحية أخرى. وغالبا ما تهيئ هذه الوظيفة لمستشار الحكومة فرصة ليتبوأ منصبا رفيعًا في مجالس إدارة المؤسسة التي "التحم" معها وتعرف على موظفيها عن قرب، وخبر ألاعيب إداراتها.

السؤال الجوهري الآن: من يدفع ثمن هذا التشوه والتفتت الذي أصاب المجتمع جراء سياسات هذا "المحفل السلطوي"، وما هي انعكاساته؟!

1لقد أدى انعدام العدالة الاجتماعية، والإمعان في سياسة التجريف الثقافي والسياسي، إلى تمزيق النسيج المجتمعي، وتدني القيم السائدة، وغلبة العقلية الليبرالية الزبائنية؛ فغابت مراكز البحث والدراسات الجدية، ولم يعد هناك نقاش في المسائل الحيوية، وطغى التفكير الأحادي.

2تشكل حكم أقلية مستبدة، "أوليغارشية"، يتولى من خلالها  أرباب العمل والبزنس السلطة السياسية، حيث يجري تدوير لمقاعد الحكومات التي تُفرض بدون انتخابات، وتتوالد عبر تزاوج هجين بين الليبرالية المتوحشة، والهراوة الأمنية التي أصبحت تحتل موقعًا مؤثرًا في السلطة التنفيذية، بتنا على أثرها نعيش في شبه حالة من الانقلاب السلطوي الدائم.

3تغول الخصخصة حتى على أهم مفاتيح الوظائف العامة، وتم إعادة تدويرها لصالح الموظف العالي، وأبنائه وأصهاره، وشبكاته المصلحية، الأمر الذي بات يطرح بقوة مشاكل أخلاقية وجزائية ودستورية جدية، كشفت عن ضعف قانون العقوبات في معالجة هذه الظواهر الشائهة.

4أفقدت المواطن والقوى السياسية، الثقة بالنظام البرلماني السائد وبالثقافة الديموقراطية على السواء، لقناعة بأن الانتخابات لن تغير شيئًا بالبنى الفوقية بعد أن تداخل فيها العام بالشركات، والأمني بالمدني، وانحسر فيها هامش الديموقراطية الكسيح وغير الكفؤ أصلًا، في مناخات ملوثة، يتحكم فيها السوق بالمنابر والإعلام.

5التسبب بأزمات اقتصادية ومالية متتالية، بعد أن أصبحت واردات الدولة تعتمد بشكل شبه كلي على عوائد الضرائب وخاصة ضريبة المبيعات، والقروض، وعوائد فروقات الطاقة، مع بروز فجوة فاحشة بين دخول أرباب الوظيفة العمومية العليا، وأغلبية الموظفين، وحتى بروز انتقائية داخل الانتقائية الوظيفية نفسها.

والسؤال المطروح حاليًا، كيف نفكك عناصر هذا "المحفل السلطوي"، ونجعل من الوظيفة العليا للدولة، ممثلة حقًا لصورة المجتمع؟ بالأحرى كيف ننقذ الدولة من السقوط، والمجتمع من الانهيار؟

ومع تنامي الوعي السياسي الاجتماعي بين شرائح الفئات المتضررة، هل أصبحت الفرصة مهيئة لتشكيل الكتلة المجتمعية القادرة على فرض ميزان قوى يفضي إلى التغيير؟!