Menu
حضارة

تهديد أردوغاني جديد

نبيل سالم

القوات الأمريكية المتواجدة شرقي الفرات انسحبت من مواقعها على الحدود التركية، وكأنها تقول لأنقرة إن الطريق باتت مفتوحة أمامكم، والأكراد ورقة انتهى مفعول استخدامها.
في كل مرة تقترب فيها الأزمة السورية من حدود الحل، يتبادل الطرفان التركي والأمريكي مهمة عرقلة التسوية السلمية لهذه الأزمة، والسعي لإبقاء الجرح السوري النازف، كلٌ لغاياته ومصالحه وأطماعه الخاصة.
ففيما يدور الحديث عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية، التي ستمثل حواراً سورياً- سورياً، بهدف التوصل إلى حل في سوريا، تتوافق عليه أطراف النزاع، تخرج إلى العلن مواقف تركية من شأنها عرقلة الحل في سوريا، على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أعلن في خطاب متلفز مؤخراً، أن قواته أنهت استعداداتها لشن «عملية على الأرض ومن الجو» ستبدأ «في أقرب وقت اليوم أو غداً» في المناطق الواقعة شرق نهر الفرات، على حد تعبيره، وذلك في وقت تسعى فيه أنقرة إلى إقامة منطقة آمنة بالتنسيق مع أمريكا في شمال سوريا؛ بحجة إعادة اللاجئين السورين، الذين تستخدمهم تركيا كورقة ضغط على العالم.
وفي محاولة منها لذر الرماد في العيون، وإخفاء التطابق في المواقف الأمريكية والتركية المعرقلة للحل في سوريا، كانت مصادر تركية زعمت أن أنقرة نفد صبرها، مع الولايات المتحدة بشأن المنطقة الآمنة، وأن واشنطن تعرقل التقدم مثلما فعلت مع خارطة طريق متفق عليها لتطهير مدينة منبج من وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية، رغم التنسيق التركي- الأمريكي الواضح على الأرض، بل وتسيير دوريات تركية- أمريكية مشتركة في مناطق شمال شرق سوريا بالقرب من الحدود السورية- التركية، وهو ما أدانته دمشق مؤكدة أنه يمثل انتهاكاً سافراً للقانون الدولي ولسيادة ووحدة الأراضي السورية، مؤكدة رفضها المطلق لما يسمى بالمنطقة الآمنة، وأنها تؤكد التصميم والعزم على إسقاط كافة المشاريع التي تستهدف وحدة وسلامة الأراضي السورية. وإزاء هذه المواقف و التهديدات التركية المتلاحقة، التي من شأنها زيادة حدة الصراع واتساعه، دعت الإدارة الذاتية الكردية في بيان «المجتمع الدولي بكل مؤسساته إلى الضغط على تركيا لمنعها من القيام بأي عدوان». كما حثت «الاتحاد الأوروبي والقوى الفاعلة في سوريا بمَنْ فيهم التحالف الدولي الداعم لها» باتخاذ مواقف تحد من التهديد والخطر التركي، مؤكدة خطورة تهديدات أردوغان المستمرة على أمن المنطقة واستقرارها.
وكان الرئيس التركي قد حاول في وقت سابق استخدام ورقة اللاجئين السوريين للضغط على أوروبا، عندما هدد بفتح حدود بلاده لتدفق المهاجرين إلى دول أوروبا، ما لم تتلقَّ أنقرة دعماً مالياً كافياً للتعامل مع اللاجئين السوريين، وهو ما وصفه الكثير من المراقبين والسياسيين بالابتزاز الصريح، في حين أكدت دراسة ألمانية تضخيم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لأعداد اللاجئين السوريين في بلاده، معتبرة أن تقديرات أردوغان لأعداد اللاجئين في بلاده بحوالي 3.6 مليون لاجئ، هدفه ابتزاز أوروبا لزيادة المخصصات المالية لبلاده مقابل استمرار استضافة السوريين على الأراضى التركية.
وقالت هذه الدراسة الألمانية، إن أعداد اللاجئين الحقيقية في تركيا، وفقاً للأمم المتحدة لا تتجاوز 2.7 مليون لاجئ فقط.
وإزاء كل ما تقدم نلاحظ أن أنقرة التي تورطت في الأزمة السورية، وغرقت في وحلها، تحاول تصدير أزماتها الداخلية، التي زادت هذه الأزمة من حدتها إلى الخارج.
وإزاء هذه المواقف التركية، والأمريكية في سوريا، يبدو السؤال الأهم هو إلى أين تتجه الأزمة في سوريا ولا سيما في منطقة شرق الفرات، التي يهدد الرئيس التركي باجتياحها؟، علماً بأن هذه التهديدات تركت أثرها الفوري في تركيا نفسها؛ حيث هبطت الليرة التركية 1.25 في المئة، بعدما قال الرئيس التركي: إنه «لا خيار لدى تركيا سوى العمل بمفردها دون تعاون من الولايات المتحدة لإقامة منطقة آمنة» في شمال شرق سوريا.
فهل سينفذ الرئيس التركي تهديداته التي ستشعل فتيل صراع كبير، قد يقود إلى حرب شاملة كما هدد المقاتلون الأكراد؟ أم أنها ستبقى مجرد رسائل وأوراق ضغط تسعى أنقرة إلى استخدامها، لتحقيق مكاسب خاصة، في إطار لعبة المقايضات التي تمارسها في المنطقة، ولا سيما في سوريا.
اللافت أن القوات الأمريكية المتواجدة شرق الفرات انسحبت من مواقعها على الحدود التركية، وكأنها تقول لأنقرة إن الطريق باتت مفتوحة أمامكم، والأكراد ورقة انتهى مفعول استخدامها.