Menu
حضارة

سدّ النهضة كأزمة وجوديّة: وقفة عند طريق مسدود

عبد الله السّناوي

نقلاً عن الاخبار اللبنانية

كأيّ أزمة بمثل هذا الحجم، فإن وطأتها ومخاطرها تنال من البلد كله، حاضره ومستقبله، أمنه وسلامته، دوره ووجوده إلى آماد طويلة. إذا ما تهدّدت حصة مصر في مياه النيل على نحو يُفضي إلى الإضرار الجسيم بأمنها المائي، فإن التبعات لا تُحتمل على أمنها الغذائي وأمنها القومي وكل شيء يتحرّك فيها. حسب بيان رسمي فإن مفاوضات سدّ النهضة الأثيوبي وصلت إلى طريق مسدود.

التعبير صادم بصياغته وتبعاته رغم إشارات عديدة سبقته عن تعثّر المفاوضات الثلاثية بين إثيوبيا ودولتي المصبّ، السودان ومصر في التوصّل إلى توافقات مُرضية تحفظ لكل الأطراف حقوقها في التنمية والحياة. وجه الصدمة ليس في إعلان تعثّر المفاوضات، فقد حدث ذلك على مدى أكثر من أربع سنوات، ولا في الحديث عن مدى التعنّت الإثيوبي، فطوال الوقت هناك كلام كثير حول تشدّد أديس أبابا وتنصّلها من أي التزامات يجري التوصل إليها من دون اعتبار لحجم ما قد تتعرّض له مصر من أضرار إذا ما ضُربت مصالحها المائية على نحو جسيم، خاصة أنها تعاني، مع ارتفاع عدد سكانها إلى أكثر من مائة مليون نسمة، من عجز مائي في تلبية احتياجاتها المتزايدة.

الصدمة الحقيقية في التوقيت، فقد استُهلك وقت طويل في مفاوضات تراوح مكانها. كلّما بدا أن هناك توافقاً ما سرعان ما يتبدّد حتى وصلنا إلى الاعتراف بأننا أمام طريق مسدود قبل شهور قليلة من البداية الفعلية لملء خزّان سد النهضة من دون أي اتفاق على فترات الملء وقواعد التشغيل.

الأكثر فداحة هو التأويل الإثيوبي لاتفاق المبادئ الموقّع عام 2015 بين قادة الدول الثلاث، باعتبار أن المطالب المصرية – وفق وزير المالية والري الإثيوبي – «تنتهك الاتفاق حول الاستخدام العادل لمياه نهر النيل». الاستخدام العادل لمياه الأنهار تعبير دولي معتمد في كل الوثائق والمعاهدات والقوانين الدولية ذات الصلة، ولا يعني بأي نحو فرض إرادة طرف أياً كانت الأضرار التي تلحق بالطرف الآخر.

التنمية من حق إثيوبيا، التي يُحرم 65 مليوناً من مواطنيها من الكهرباء، هذه حقيقة لا تصحّ المجادلة فيها، كما أن من حقّ مصر الحياة والحفاظ على حقوقها من مياه النيل. لا يفهم على أي نحو الكلام الذي صرّح به مسؤول إثيوبي أنه «إذا ما قبلت أديس أبابا بما تطالب به مصر من مدّ فترة الملء إلى 7 سنوات والحفاظ على مستوى خزّان السد العالي عند ارتفاع 165 متراً فوق سطح الأرض فهناك احتمال ألا يُملأ خزان سدّ النهضة أبداً». في هذا الكلام تعسّف ينطوي من الناحيتين الفنية والسياسية على رغبة جامحة في فرض الأمر الواقع، وهذا ما لا يمكن قبوله.

وقد كان من نتائج الضجر المصري المعلن عودة المسؤولين الإثيوبيين مرة أخرى إلى أحاديث التفاوض ونفي أن نكون قد وصلنا إلى طريق مسدود، غير أنه لا يوجد وقت لكي يستهلك مجدداً في وعود لا تجد أرضاً تقف عليها. لا توجد أية مؤشرات في المعطيات الحالية لها صفة الجدّية على أي تغيير محتمل في الموقف الإثيوبي، الذي يستهلك الوقت ويرفع سقف تشدّده كلما اقترب الانتهاء من بناء سدّ النهضة.

الأزمة تتجاوز طابعها الفنّي إلى أسئلة لا مفرّ من مواجهتها عند الطريق المسدود. إلى أين؟ وماذا قد يحدث في مصر وللمصريين؟ ما الخيارات المتاحة؟ وهل يجدي في الوقت بدل الضائع التدويل أم أن الخيار العسكري بكل محظوراته لا مفرّ منه خشية مجاعات محتملة تذكّر بما تعرّضت له مصر من مشاهد مُفزعة عُرفت في التاريخ بـ«الشدة المستنصرية»، حيث ضربت المجاعات مصر وأهلها وسادت أحوال فوضى وتفشّت جرائم أقرب إلى أفلام الرعب؟

إن أية إجابة على أسئلة المصير تستدعي – أولاً - المكاشفة بالحقائق، وقد تأخّرت كثيراً حتى كانت صدمة الاعتراف بأننا وصلنا إلى طريق مسدود وأن الأزمة المائية الوجودية قد تُداهمنا بعد شهور قليلة. وتستدعي – ثانياً – استنفار ما لدى البلد من كفاءات فنية وقانونية وسياسية للدفاع عن حقوقه المائية، عن وجوده نفسه، بغضّ النظر عن أية حسابات أو مناكفات سياسية، أو غير سياسية. البدائل المتاحة محدودة بين التدويل والتدخل العسكري.

في التدويل يصعب عرض النزاع على التحكيم الدولي ومحكمة العدل الدولية، حيث يتطلب نظر الأزمة موافقة طرفي النزاع، كما أن الذهاب إلى مجلس الأمن باعتبار ما تتعرض له مصر خرقاً للقانون الدولي والمواثيق والمعاهدات الدولية قد يصطدم بإرادات دولية متضاربة، فضلاً عن أننا لم نعرض قضيتنا العادلة بطريقة صحيحة على مدى سنوات الأزمة.

بذات القدر فإن طلب تدخل طرف رابع للتوسّط وفق نص في اتفاق إعلان المبادئ، والمقصود الولايات المتحدة الأميركية، فإنها مسألة قد تساعد لكنها ليست حاسمة إذا لم يتحرك صاحب الحق مستخدماً كل ما لديه من أوراق. أرجو أن نتذكر أن مصر ليست دولة صغيرة حتى يتعرض شعبها لما يشبه الإبادة من دون أن تُبدي غضباً ويُسمع صوتها قوياً في أرجاء العالم. وقد كان البيان الأميركي الذي صدر بشأن الأزمة مائعاً، يدعو للتوصل إلى اتفاق يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث من دون أن يردفه بأي موقف واضح يُعوّل عليه.

إذا أخفقت كل البدائل الدبلوماسية والقانونية والسياسية، فإن التدخل العسكري ربما يكون اضطرارياً ولا يوجد عاقل واحد يدعو إليه فعواقبه وخيمة، لكن إذا ما وصلت السكين إلى حد الرقبة فلا أحد بوسعه أن يوقف مثل هذا الخيار، لا أحد على الإطلاق حيث الجوع قابع على نواصي الشوارع والبيوت وأشباح الفوضى تعمّ المكان. هذا خيار شبه انتحاري لكنه قد يكون اضطرارياً إذا لم تتعقّل إثيوبيا أن الأزمة إذا أفلتت من عقالها فإن البلدين الأفريقيين الكبيرين سوف يتضرران بوجودهما، وإذا لم يعقل السودان أهمية أن يتقدم خطوة إيجابية تجاه مصر بغضّ النظر عن أية حساسيات سياسية متوارثة أو مستجدة، وأن تفهم الأطراف العربية كلها أن سقوط مصر يعني سقوطاً كاملاً ونهائياً للعالم العربي كله.

نقطة المركز في الموقف كله هو ما يحدث هنا في مصر التي يجب أن تعرف مواضع أقدامها وتصالح نفسها حتى يمكنها تصحيح صورتها في قارتها وعالمها عند الطريق المسدود.

ذلك يستدعي – ثالثاً – صنع أكبر تماسك وطني ممكن، وهذه مسألة تستدعي مكاشفة أخرى، فصنع التوافقات الكبرى لها شروط ومتطلبات، أهمها فتح المجال العام للتنفّس السياسي والإعلامي وتبادل الآراء بحرية من دون خشية أو خوف وتقبل نقد الأداء العام لإدارة أزمة سد النهضة بقدر ما يفيد في التصحيح والتصويب وتدارك الأخطاء التي وقعت.

إذا أردنا أن نرتب الأولويات الضاغطة على الأعصاب العامة في مصر، فإن أزمة سد النهضة تحتل مكانة متقدمة، فهي تتعلق بالحياة أو الموت، تنازعها الأزمة الاقتصادية بأنينها الاجتماعي وتداعياتها على مستويات الثقة في المستقبل، ثم تأتي بعدهما الأزمة السياسية بكل تجلياتها في مستويات الأداء الإعلامي والبرلماني والحزبي في بيئة جفّ فيها بحر السياسة على نحو منذر. رغم ذلك الترتيب فإن حلحلة الأزمة السياسية تمثّل مفتاحاً لصناعة التوافق الوطني الضروري لمواجهة أخطار الأزمتين الأخريين. بقدر خطورة أزمة سد النهضة فإن مصر بحاجة إلى أن تكاشف نفسها بالحقائق، وأن تتنبه إلى مستويات التهديد الوجودي حتى تتجاوزه بسلام.
* كاتب مصري