Menu
حضارة

الاحتلال التركي إلى زوال

عبد الإله بلقزيز

صورة تركيا تهاوت في كلّ الوطن العربيّ، بعد أن جرَّبت تحسينها لزمنٍ طويل، كما أنّ سمعتَها في العالم ستهبط إلى الحضيض، خاصةً أنّ قادتها يتصرّفون مع العالم كلِّه بصلفٍ وغطرسة.

لم نكن نتزيّد حين كنّا نكتب عن الأحلام الإمبراطوريّة العثمانيّة التي تراود نظام «العدالة والتنميّة» في تركيا، فهي سريعاً ما تبيّنت حين اندلعت حوادث ما سُمِّي ب«الربيع العربي»، ورَكِبها النظام ذاك ممتطياً حصانه الإخوانيّ مراهناً عليه، لتغيير الأنظمة السياسيّة القائمة وإنتاج أخرى موالية له تفتح أمامه طريق توسعة نفوذ «العثمانيين الجدد» في الجوار العربيّ. وحتّى حينما كَبَا الحصان الإخوانيّ في مصر وسوريا وليبيا واليمن وخرج من السباق، لم تتوقف عن الاعتقاد في إمكان تحقُّق تلك الأوهام الإمبراطوريّة من طريق تجريب أحصنةٍ أخرى أفعل؛ هكذا استقدمت عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب، ودرّبتهم وسلّحتهم وفتحت أمامهم طريق العبور إلى الأراضي السوريّة ل«الجهاد» في سبيل عودة الإمبراطوريّة.

ومع أنّ الميليشيات الإرهابيّة تلقّت ضربات موجعة أجبرتها على الانكفاء العسكريّ في سوريا إلى جيوب في الشمال محاصرة، إلاّ أنّ نظام أردوغان سعى في بسط الحماية عليها مستثمراً تفاهمات سوتشي، وموفّراً إيّاها لأداء أدوار أخرى أقلّ من إسقاط النظام - الذي فشل فيه فشلاً ذريعاً - لكنّها الأدوار التي تعود على مصالحه وعلى الوهم الإمبراطوريّ بأجزل العوائد. وهكذا بدلاً من إسقاط كلّ سوريا، يمكن إسقاط بعضِ سوريا بذريعة محاربة «الإرهاب الكرديّ» وإسقاط جيبه في الشمال السوريّ، تارةً، وأخرى بذريعة إعادة توطين اللاّجئين في المناطق التي «تحرِّرها» تركيا من أبنائها. أما إذا لم يكن في الوُسع تحقيق الحلم الإمبراطوريّ كاملاً، فلا أقلّ من تحقيقه جزئيًّا في الشمال؛ عملاً بقاعدة «ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترك جُلُّه».

ويقتضي التحقيق الجزئيّ لذلك المشروع، في ما يقتضيه، استثمار لحظة ما قبل التسوية السياسيّة في سوريّا، وقد بدأت تباشيرُها بالتوافق على تأليف لجنة لكتابة الدستور لئلا تصطدم السياسة التركيّة بواقعٍ سياسيّ جديد يمنعها من تنفيذ أوهامها. ويقتضي، ثانياً، إحداث تغيير ديمغرافي في الشمال السوري لتأمين امتدادٍ سكّانيّ لنفوذها، وفي جملته توطين عشرات الآلاف من إرهابيِّيها المحاصرين في مناطق الشمال. ويقتضي، ثالثاً، استغلال حاجة دونالد ترامب إلى سحب قواته من سوريا تمهيداً لانتخابات الرئاسة، وبَرًّا منه بوعده الانتخابيّ عدم إرساله جنوداً أمريكيين إلى الحرب في الخارج. ويقتضي، رابعاً كسب صمت روسيا التي تحتاج إلى تركيا للمساعدة في حلّ أزمة إدلب وعدم تخريب التسوية السياسيّة. ثم يقتضي، خامساً، استغلال الخلاف العميق بين دمشق و«قوات سوريّا الديمقراطيّة»، الناجم من جنوح الأخيرة للتعويل على «حلفائها» الأمريكيّين بدلاً من التفاهم مع الدولة. ولقد استثمر أردوغان كلّ هذه الأوراق في إطلاق عدوانه العسكريّ وغزو الشمال السوريّ.

وإذْ أمَّن هذا كلّه، لم يكن ليَحْفِل بأيّ اعتراض على مغامرته العسكريّة؛ فهو يتخيّل أن أحداً في الوطن العربيّ لن يهبّ للدفاع عن وحدة سوريا وسيادتها لأسباب عدّة منها الخلافات العربيّة - العربيّة؛ وهو أمَّن جانب الولايات المتحدة وروسيا بحيث لا يخشى تحذير هذه وتأنيب تلك لعلمِه بالخِدمات التي يسديها لكلٍّ منهما. أمّا أوروبا واحتجاجاتها فيكفيه أن يردّ عليها بالتهديد والتلويح بفتح حدود بلاده أمام موجات المهاجرين السوريّين نحو بلدانها، وأن يدفع دولها بالتالي إلى بلْع اعتراضاتها. ولكن فات النظام التركيّ، الممسوس بالعنجهية، أن أحداً من هؤلاء جميعاً لا يثق به ولا يتحمّل حماقاته؛ فالنظام العربيّ اصطفّ برمّته مع سوريا وسيادتها ووحدة أراضيها، في وجه الغزو العسكريّ التركيّ؛ والأمريكيّون يهدّدونه بفرض العقوبات؛ وروسيا تراقب المَدَيات التي ستأخذُها عمليَّتُه. أمّا الأوروبيون فيمنعهم رأيُهم العامّ المتعاطف مع الكُرد من أيّ تراجعٍ أو صمت عن تجاوزاته المجنونة.

لا يخامر أحداً الشكّ في أنّ الغزوة التركيّة ستَلْقَى العقاب العسكريّ الذي تستحقّه؛ من «قوات سوريا الديمقراطيّة» ومن الجيش السوريّ، وربّما من مقاومةٍ شعبيّة سوريّة تلتئم في الشمال في وجه العدوان، ولا من شكّ في أنّ احتلال مناطق من الشمال سينتهي سريعًا بالانكفاء التركيّ المدحور، وقد يفتح ذلك الباب أمام مطالبات بحقوق سورية في أراضٍ لها سبَقَ واحتلتها تركيا في أزمنة ماضية (لواء الأسكندرون مثالاً)، لكن الذي لا مِرْيةَ فيه أنّ صورة تركيا تهاوت في كلّ الوطن العربيّ، بعد أن جرَّبت تحسينها لزمنٍ طويل، وأنّ سمعتَها في العالم ستهبط إلى الحضيض، خاصةً أنّ قادتها يتصرّفون مع العالم كلِّه بصلفٍ وغطرسة تشبه صلف وغطرسة أصدقائهم «الإسرائيليّين». غير أنّ الذي يبدو أنّ نظام «العدالة والتنمية» لا يدركه، على التحقيق، هو أنّ تفجيره الحرب على كُرْد سوريّا لن يلبث أن يشعل فتيل حرب بين النظام وحزب العمّال الكردستانيّ في الداخل التركيّ.