Menu
حضارة

الغزو التركي... "الإنفصاليون الأكراد".. و"رِجلين الدِّيك"..!

نصّار إبراهيم

"لا يحدث مثل هذا حتى في جهنم"! هذا ما قاله مدير مجموعة الأزمات الدولية روبرت مالي تعليقات على سياسات ترامب.
أما دونالد ترامب فيروي سبب عدم وقوفه إلى جانب الكرد و"قوات سورية الديمقراطية "قسد" قائلا: "الكرد في سوريا لم يساعدونا في النورماندي خلال الحرب العالمية الثانية!" (وكالات أنباء).

الغزو التركي الذي يجري منذ أيام في شمال سورية.. ترافق مع حالة من الارتباك والالتباس مثيرة للحيرة تجاه ردود فعل الأطراف المختلفة من هنا وهناك... لاشك أن ما يجري هو بالتأكيد خطير.. لكنه ليس بالضرورة أن يكون كما يصفه كل طرف على حدة..

نعم، إن ما يجري وبكل المقاييس هو غزو وعدوان تركي على سيادة وأراضي الدولة الوطنية السورية... هذا مؤكد.. ولكن.. بعد الشجب والإدانة كيف نفهم ونفسر مايجري؟.

لنتفق أولا أن ما يجري في سورية منذ عام 2011، وحتى الآن هو مواجهة وحروب ضارية ضد سورية والشعب السوري.. اشتباك مفتوح وحرب عالمية تم شنها على الدولة الوطنية السورية، لهذا كانت مواجهتها وإدارتها تحتاج لعقل وفعل استراتيجي في غاية الدقة.. بكل ما يستدعيه ذلك من رباطة جأش وصبر استراتيجي لكي يتم فكفكة مفاصل هذه الحورب وإفشالها ومن ثم تحقيق النصر بعد توفير شروطه التكتيكية والاستراتيجية على كل المستويات.

وعليه فإن ما يجري الآن يأتي في هذا السياق.. لهذا من الخطأ الفادح التسرع... والسذاجة.. فكل طرف في هذا المشهد المشتعل يتحرك ويحسب... بمعنى إن ما يجري ما هو إلا حلقة في السلسلة وليس السلسلة كلها...

إذن لنتابع.. وندقق.. وفي ذات الوقت لنتذكر أن ما يجري بعيدا عن الأنظار قد يكون ربما أكثر أهمية من الصخب والضجيج الظاهر حتى لو اتخذ شكل غزو... فالحروب لا تتحدد نتائجها بمعركة واحدة.. وخاصة في ساحة اشتباك ممتدة ومعقدة كما هو عليه حال الساحة السورية التي يخوض فيها الشعب السوري الباسل وجيشه وقيادته الصمود والمقاومة بكل شجاعة وصبر...
في ضوء هذا التنويه لنعيد تأمل ما يجري في شمال سورية بما يشبه التعامل مع "الليغو":

- قبل بدء الغزو التركي يعلن دونالد ترامب فجأة سحب القوات الأمريكية من المواقع التي كانت تتمركز فيها في المنطقة، وتقوم القوات الأمريكية أثناء الإنسحاب بتدمير معظم التحصينات التي بنتها حليفتها "قسد"!!!.
- يدعم ترامب موقفه هذا بالإعلان أن حروب الشرق الأوسط سخيفة وأن أكبر خطأ في تاريخ الولايات المتحدة هو انخراطها في هذه الحروب العبثية التي لا نهاية لها.

- يهدد ترامب بأنه سيدمر الاقتصاد التركي في حال تجاوزت تركيا "الخطوط الحمر"!!!.
- يبدأ الجيش التركي وحلفاؤه من فلول المجموعات المهزومة على مساحة الجغرافيا السورية ما سماه أردوغان عملية "نبع السلام" في شمال شرق سورية، ويعلن أن الهدف من هذه العملية هو: إنهاء تهديد "المجموعات الإرهابية الكردية" وفي السياق إنشاء منطقة آمنة لعودة ملايين اللاجئين السوريين..

- كل هذا جرى ويجري مترافقا مع اتصالات ولقاءات وحوارات مع أمريكا وروسيا و إيران وفي الخلفية اتفاقيات أستانة التي ترعاها روسيا وإيران وتركيا، تلك الأتفاقيات التي كانت تؤكد دائما على ثوابت: محاربة الإرهاب والحفاظ على سيادة سورية ووحدة أراضيها.

- أردوغان يهاتف الرئيس الروسي بوتين... فيما الغزو متواصل

- إيران وروسيا تشيران إلى تفهم القلق التركي من وجود المجموعات الكردية وما تشكله من تهديد على حدودها.
- يعيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التشديد على وجوب مغادرة جميع القوات الأجنبية غير الشرعية الموجودة على الأراضي السورية. ومع ذلك قامت روسيا باستخدام حق النقض لمنع إدانة الغزو التركي.

- إيران من جانبها أكدت على لسان وزير خارجيتها محمد جواد ظریف، أن أمن تركيا لن يتحقق بغزو سورية، وعرضت التوسط بين الحكومة السورية والمليشيات الكردية والنظام التركي وإجراء محادثات حتى يتسنى للجيش العربي السوري حراسة الحدود مع تركيا، مشيرة إلى أن اتفاق «أضنة» لا يزال سارياً.

- سورية ومنذ اللحظات الأولى أصدرت بيانات واضحة تؤكد رفضها للغزو التركي وتعتبره عدوانا على سيادة وأراضي سورية، وأنها ستجابه هذا العدوان بكل الوسائل، وفي ذات الوقت تحمل جزء أساسيا من المسؤولية لسياسات المجموعات الانفصالية الكردية وارتمائها في أحضان الولايات المتحدة ضد شعبها ووطنها سورية.

- معظم الدول العربية التي تبدو وكأنها تستيقظ من غفلتها المهينة تصدر مواقف تدين الغزو باستثناء قطر والصومال. هذه المواقف هي في العمق والجوهر نوع من الاحتجاج والمناكفة مع تركيا بسبب دعمها للإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا والسودان.. وليس دفاعا عن سورية وأراضيها التي عاثت تلك الدول فيها قتلا وتدميرا منذ سنوات.
- في هذا السياق تتم الدعوة بصورة عاجلة لأنعقاد جامعة الدول العربية التي أسقطت عضوية سورية والتي لم تدخر جهدا منذ عام 2011 للتغطية سياسيا وعسكريا وماليا وإعلاميا على المجاميع الإرهابية التي عاثت دمارا وقتلا ونهبا وتمزيقا في سورية، وتصدر بيانا تدين فيه الغزو التركي وتدعو لمجابهته.. حيث أكد وزراء الخارجية العرب: "أن على تركيا الانسحاب الفوري وغير المشروط من كافة الأراضي السورية". أردوغان يهاج الدول العربية ويذكرها بحربها على اليمن.

- الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الغربية تصدر بيانات استنكار وتطالب تركيا بوقف عمليتها العسكرية وتهددها بعقوبات اقتصادية. يرد أردغوان بأنه سيغرق أوروبا باللاجئين (يعني موضوع اللاجئين هو مجرد ورقة ابتزاز سياسي لا أكثر).
- انهيار شبه كامل في قوات "قسد" وانسحابها من كثير من المواقع بدون قتال، بحيث لم يبق في يدها من ورقة سوى التهديد بإطلاق آلاف الدواعش... إلى جانب العويل واستجداء التدخل لدواعي إنسانية.
- الأخوان المسلمون يباركون الغزو التركي ويعتبرون أردوغان كهارون الرشيد يغزو عاما ويحج عاما...
- وفقا لوكالة "سبوتنيك" يقال بأنه قد " تم التوصل إلى اتفاق بين روسيا وسوريا من جهة وبين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية و"قوات سوريا الديمقراطية" من جهة ثانية ويتضمن هذا الاتفاق "انتشار وحدات الجيش السوري مع أسلحتها الثقيلة والمتوسطة في مدينة منبج ورفع العلم السوري فوق المراكز الحكومية داخل المدينة وعلى مداخلها ومخارجها".
إذن المشهد يبدو في غاية التعقيد... ولكن يبدو أيضا أن هناك شيئا ما يجري في الكواليس وعبر الخطوط الساخنة...
يجري كل هذا فيما الجيش السوري وحلفاؤه يتابعون ما يجري بدقة... وصبر... فهم لم يقولوا كلمتهم بعد...
إن الهدف من وراء هذا العرض هو محاولة لمقاربة التطورات والأحداث في سورية ووضعها في سياقاتها، وذلك بهدف وعي الأحداث ومتابعة صيروراتها التي لم تنته بعد... وبالتأكيد ليس الهدف الشماتة بالأكراد فهم أهل وأخوة في الوطن والتاريخ... وبالتالي فإن التعميم هنا مرفوض ومدان جملة وتفصيلا.. فنحن نعرف أن هناك قوى وقطاعات واسعة من الأكراد السوريين يرفضون سياسات بعض المجموعات التي لم تتعلم من دروس الواقع والتاريخ وآخرها كانت في العراق... ومع ذلك لا تزال بعض القوى والقيادات الكردية قصيرة النظر تتخذ مواقفها وتحدد خياراتها بما يتناقض مع بديهيات الوطن والأخوة والحرية والكرامة... وتخطئ في البديهيات... كأن تنتظر الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير من أعتى قوة امبريالية غاشمة في التاريخ... فبئس الخيارات وبئس التحالف.
مجموعات مثل"قسد" وغيرها من المجموعات الانفصالية التي رهنت رأسها لأمريكا ضد شعبها ووطنها، ورفضت كل العروض التي قدمتها سورية الأم لهم... راحت تخطط للانفصال بدعم وتشجيع من أمريكا... ثم استيقظوا فجأة ليجدوا أنفسهم "زيّ مصيّفة ريحا.. لا نالها عرض ولا صيفة..." كما يقول المأثور الشعبي الفلسطيني.
حال تلك المجموعات البائسة يذكرني بحكاية "رِجلين الدِّيك" التي رواها لي أحد الأصدقاء الأعزاء ونحن نتجاذب أطراف النقاش عما يجري هنا وهناك...حدثنا الصديق قال:
"في إحدى القرى اكتشف أحد الفلاحين صباحا أن "رجلي ديك الدجاجات" قد تم قطعها واختفت... فنادى على أبنائه وسألهم: يا ولاد... وين رجلين الديك؟ روحوا دوّروا ع رجلين الديك!؟
ضحك الأولاد وقالوا: يابا... بيجوز مرّ ثعلب .. أو كلب ضال وأكل رِجلين الدِّيك!.
أصرّ الأب على موقفه: أنا بحكيلكوا.. روحوا دوّرا ع رِجلين الدِّيك...
ضحك الأولاد.. ولم يفعلوا شيئا... في صباح اليوم التالي، جاء الأولاد راكضين صائحين:
- يابا.. يايا! في خروف وجدي ضايعين!
نظر الأب إليهم وقال: أنا بقولكو روحوا دَوّروا عَ رِجلين الدّيك!
استغرب الأولاد... وقالوا: بنقلك راح الخروف والجدي وإنت لسة مشغول برِجلين الدِّيك!
صمت الأب.
في اليوم التالي خرجت اخت الأولاد لقضاء حاجة ما فهاجمها أحد الزعران واعتدى عليها... فجاءت تصرخ إلى إخوتها... فذهبوا غاضبين إلى والدهم وقالوا: يابا.. أختنا تم الاعتداء عليها...!
قال الأب بدون أن ينظر: روحوا دَوّروا عّ رِجلين الدِّيك...!
غضب الأولا وقالوا: شو بتقول يابا..!!! الخروف والجدي واختنا وإنت بتقول روحوا دَوّروا ع رجلين الديك..!؟.
حينها رفع الأب رأسه وقال بغضب: يا جحاش اللِّي إجا أول مرة وقطع رِجلين الدِّيك.. كان بدو يشوف في رجال في البيت ولا ما فيه...! ولما اكتشف حقيقتكم.. فعل ما فعل...
في النهاية: ثقتنا بسورية شعبا وجيشا وقيادة لا تتزعزع.. وستنتصر... وستكون الحاضنة لشعبها بكل أطيافه... واحدة موحدة حرة كريمة. .. وستبقى دمشق موقد نارنا العربي الذي لا ينطفئ، شامخة راسخة على صدر قاسيون... أما العَلم السوري العزيز فسيعبر من فوق أشلاء كل الأعلام الانفصالية والإرهابية والتابعة والغازية، وهو ينشد:
رفيفُ الأمــاني وخَفـقُ الفــؤادْ ... عـلى عَــلَمٍ ضَمَّ شَـــمْلَ البــلادْ
أما فيهِ منْ كُلِّ عــينٍ سَـــوادْ ... ومِـن دمِ كـلِّ شَـــهيدٍ مِــــدادْ؟