Menu
حضارة

"كفاية" الأربعينيّة التي كافحت السرطان والتنمّر.. ونجَت

بيسان الشرافي

كفاية شحادة، الناجية من سرطان الثدي- تصوير (TRT Arabi)

غزة_ خاص بوابة الهدف

اكتشاف النساء في قطاع غزة إصابتهنّ بسرطان الثدي لا يعني لهنّ بدء كابوس العمليّات والكيماوي والفحوص التي لا تنتهي فحسب، في ظلّ واقعٍ صحيّ بائسٍ أصلًا، بل- وإلى جانب هذا كله- إنها نذيرٌ ببدء معركةٍ مع المحيط، وكفاحٍ داخليّ وخارجيّ، في مواجهة منظومةٍ كاملةٍ من أشخاصٍ ومؤسساتٍ ومفاهيمَ وثقافةٍ، تنظر إلى "مريضة السرطان" على أنّها جُثّة تنتظر قرارًا رسميًا بالدفن، و"صلعاء" مُنتظرة، وشخصٌ كلُ من يراه يكيلُ له "الدعاء" بالشفاء وسط نظرات شفقةٍ تُؤلم أحيانًا أكثرَ من وجعِ المرض.

تكشّفت تفاصيل هذه المعركة، فيما روته الناجية من مرض سرطان الثدي، كفاية شحادة "أم أحمد"، التي تبلغ اليوم من العمر 49 عامًا، وكانت أصيبت بالمرض قبل 7 سنوات.

قالت كفاية، للهدف، "علِمتُ بأنني مُصابة بسرطان الثدي في العام 2012، بعد شهورٍ من اكتشافي تكتّلاتٍ كانت تُسبب لي ألمًا حارقًا".

في البداية، عانت أم أحمد من تشخيصٍ خاطئ من طبيبٍة غير مختصّة، اعتقدت أنّ الورم السرطاني ذا الألم الحاد الحارق، مجرّدَ التهاباتٍ، ستنتهي بـ"كورس" مُضاد حيوي. تجرّعت السيّدة عشرات الأقراص من المُضادّات، بلا فائدة، بل على العكس، كانت الكتلة تزداد حجمًا مع مرور الوقت، ما دفعَها إلى التوجّه إلى أطباءٍ مُختصّين، الواحد تلو الآخر، حتى شكّ أحدهم بوجود ورمٍ سرطانيّ.

"لن أنسى اليومَ الذي توجّهت فيه إلى المستشفى لأخذ عينة من أجل فحصها، كان يومًا عصيبًا، أكره كلّ تفاصيله، وبقيت بعدَه 4 أيّامٍ في انتظار النتيجة". تروي كفاية وقد اشتدّت وتيرةُ حديثها "في اليوم الرابع لم أحتمل مزيدًا من الانتظار، وسارعتُ لمهاتفة الطبيب، ليردّ عليّ بنبرةٍ رصينة، طالبًا مني الحضور".

شخّص الطبيبُ حالة كفاية بوجود كتلة سرطانية خبيثة في الثدي، ب قطر 6سم، لا تزال محصورة ولم تمتدّ إلى الغدد اللمفاوية، لذا قرّر استئصالَها. ساعاتٌ وأيامٌ مرّت على أم أحمد كأنّها الدهرُ، كانت تتناول الطعام والشراب بصعوبة بالغة، حتى نقص وزنها بشكلٍ حاد. كانت طوال الوقت تتأمّل وجوهَ أبنائها؛ وأصغرهم حمزة ذو الثلاث سنوات، وأحفادها السبعة، وتُكثّف الصلوات، والدعاء بأم تُمنح القوة لمواجهة مُصابِها، كي تنعم بحياتها بينهم.

"أحاطني أبنائي وزوجي بكلّ الحب والاهتمام، لكنّ نظرات الناس وعباراتهم المليئة بالشفقة المُحبِطة، وفي بعض الأحيان التنمّر، سببت لي أوجاعًا نفسية لا تقلّ عن وجع المرض"، قالت كفاية.

توقفت أم أحمد قليلًا عن سرد القصة، قبل أن تتابع، وتستذكر حادثةً جرت معها خلال فترة المرض، قالت "ذات مرةٍ، مررتُ بجانب جمعٍ من النسوةِ في إحدى المناسبات، فبادرت إحداهنّ تمدح مظهري، وما أن ابتعدتُ بضعَ خطواتٍ عنهنّ حتى سمعتُ أخرى تقول: بس يا خسارة، مِش مطولة، في إشارة إلى أنّني أحتضر!".

لم تنسَ أم أحمد هذه الكلمات، التي مرّ عليها الآن نحو 6 سنوات، وبنبرةٍ مقهورة تساءلت "لماذا نتعامل مع مريض السرطان وكأنّه ميتٌ مع وقف التنفيذ، علمًا بأنّ أكثر من نصف العلاج يكمن في النفسيّة الجيّدة والمعنويات العالية، والاحتواء".

بل وأكثر من هذا، واجهَت كفاية تنمرًا من طبيبٍ، قال لها "العلاجُ في حالتكِ هذه سيكون (الطخّ)، ولا بدّ أن نقطع لكِ الثدي بأكمله، ونتخلّص منه"، وهو ما ترك السيّدة في حالة صدمةٍ وذهول، أدخلتها في اكتئابٍ طال أمدُه، ولم يُنههِ سوى طبيبٍ آخر، طمأنَها بأنّ حالتها "بسيطة" رغم خُبث المرضِ وخطورته، وأنّ احتمالية الشفاء عالية.

هذا التناقض بين أسلوبي التعامل مع المريضة، من قِبَل الطبيبين الأول والثاني، وافقهُ تناقضٌ كذلك في نبرة حديثِ وانفعالات وتعابير كفاية وهي تتحدث عن كلٍّ منهما، فبقدر ما خنقها الإحساسُ بالقهر والضيق من كلام الأول، كان الشعور بالراحة والطمأنينة، والثقة بالشفاء يملآنها بعد حديث الطبيب الثاني إليها.

أجرت أم أحمد عمليةً جراحيةً، استأصل الطبيب خلالها الكتلة السرطانية، وخضعت بعدها لعلاجٍ كيماويّ، بجرعاتٍ مُخفّفة، حتى تمّ شفاؤها، ولحسن حظها لم يتساقط شعرُها، كما لم تضطّر للخضوع لجلسات الإشعاع. والآن صار المرضُ وكلّ ما يتعلّق به مجرّد قصّة تُروى، تعلّمت منها كفاية ضرورة الفحص الدوري، إضافة لتوعية كلّ من حولها بالمرض وكيفية التغلّب عليه.

وتُسجل ١٢٠ حالة إصابة بالسرطان في قطاع غزة شهريًا، وبلغ عدد المُصابين بهذا المرض ١٦ ألفًا، ٣٥% منهم بسرطان الثدي.