Menu
حضارة

عن حب تونس: أو من هو الرئيس التونسي الجديد؟

تونس – خاص بوابة الهدف

"كيف نشفى من حب تونس؟"، مقولة أيقونة الشعر محمود درويش كان من الممكن أن تتحنط بجانب غيرها من المقولات في كتب الأدب، لولا صلابة المجتمع التونسي وقواه السياسية والشعبية، التي راهنت نسبة معتبرة منها، واشتغلت على موقف رافض للاستعمار ونفوذه، ومعادي للكيان الصهيوني، ومنحاز لحقوق الشعوب، في تونس وفلسطين وكل قطر عربي، ولم ترى انفصام أو انفصال بين هذه الأقطار، فأعطت لهذه المقولة معاني سياسية عميقة على مستوى الممارسة، والشعارات السياسية المرفوعة، وجدول النقاش والجدل السياسي في المشهد التونسي، تكرس بوصول الرئيس قيس بن سعيد لقصر قرطاج.

 

نموذج جديد أم استعادة للأصول؟

قد يبدو بن سعيد لوهلة بمثابة النموذج الجديد من صعود الزعامات الشعبوية، التي تتبنى خطاب مرضي للجمهور بغية الفوز بتصويتها، ولكن إمعان النظر في مسيرة الرجل، والأهم في ممارسته السياسية قد يقود لقراءة مختلفة للرجل ولتونس التي اختارته رئيسًا، وقد يكون المفتاح لذلك من تذييلنا للفقرة الأولى، "قصر قرطاج"، فالرئيس بن سعيد رغم فوزه بالرئاسة التونسية يبدو أنه ليس ذاهبًا للإقامة في قصر قرطاج، فقد تعهد في حملته الانتخابية باعتبار قصر الرئاسة مكان عمل يملكه الشعب التونسي ويؤدي الرئيس فيه وظيفته ثم يعود لبيته آخر اليوم، وفي مقاربة جديدة للموقف من السلطة والدولة وعلاقتها بالمجتمع والشعب، أعاد أستاذ القانون الدستوري، تعريف هذه المفاهيم مذكرًا بثوابت تناستها المنظومة الحاكمة، بعد سنوات طوال عجاف من حكم المتسلطين، مفهوم الوظيفة العامة من أعلى هرمها الذي يجسده موقع الرئاسة حتى أدنى أدوار موظفيها، وطريقة ممارسة السياسة كتعبير عن هذا المفهوم.

حرص بن سعيد على تكريس مفاهيمه من خلال الممارسة في حملته الانتخابية، معطيًا نموذجًا عن بوصلة حكمه وبرنامج عمله في موقع الرئاسة، رفض الرجل الحصول على التمويل الرسمي من الدولة لحملته الانتخابية، مؤكدًا أن هذا مال الشعب التونسي، واكتفى بحملة متقشفة دانت للمتطوعين الشباب المناصرين المتحمسين لهذه الرؤية ولهذا النموذج، هؤلاء ممن زحفوا لأجل الأمل في التغيير منذ اليوم الأول لانتفاضة تونس ضد استبداد بن علي، ورأوا في البرنامج الرئاسي لبن سعيد استكمالًا لأهداف الثورة التي أرادوها منذ يومها الأول.

رفض الرجل، ممارسة الدعاية الانتخابية في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، بسبب حرمان خصمه -الفاسد- نبيل القروي من هذه الدعاية في ظل وجوده في السجن الذي خرج منه خلال الحملة الانتخابية، ليعيد بن سعيد بذلك طرح شعار العدالة، حتى تجاه الخصوم في الحلبة السياسية، خصوم يراهم جزء من منظومة الفساد والتبعية للاستعمار.

المدهش هنا أننا لا نحاول أسطرة الرجل، أو خلق ديكتاتور جديد يعبده الناس ويخضعون له، بل تحاول "بوابة الهدف" تقديم قراءة لشخصية الرجل وبرنامجه، ولكن الوقائع تشير باستمرار لانحيازه لأفكار يدرك كل إنسان عربي صحتها وضرورة سيادتها، ولكن غيابها الطويل عن سلوك الساسة حولها لأحلام بعيدة لا يصدق الجمهور قابليتها للتحقق في العالم السياسي القائم حاليًا.

 

مرة أخرى: من هو قيس بن سعيد؟

هل تجيب السيرة الذاتية للرجل عن هذا السؤال؟ أم أن ممارسته السياسية سابقة الذكر أقدر على تقديمه لنا كجمهور عربي يتطلع لتغير في كل المنظومة القائمة والمسيطرة في العالم العربي؟

 

ولد قيس بن سعيد في ٢٢ فبراير ١٩٥٨.

 متزوج وأب لثلاثة أبناء

 حصل على شهادة الدراسات في القانون الدولي العام من كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس.

 حاصل على دبلوم الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري، ودبلوم المعهد الدولي للقانون الإنساني في "سان ريمو" الإيطالية.

عين في 1986، مدرسا بكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية بمدينة سوسة شرق تونس.

انتقل في 1999 للتدريس بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس العاصمة.

تولى بين عامي 1989 و1990 مهام مقرر اللجنتين الخاصتين لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية من أجل الإعداد لتعديل مشروع ميثاق الجامعة، ومشروع النظام الأساسي لمحكمة العدل العربية.

عمل خبيرا متعاونا مع المعهد العربي لحقوق الإنسان من 1993 إلى 199

حاز في 1997 على عضوية المجلس العلمي.

عضو مجلس إدارة الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري.

 هو رئيس مركز تونس للقانون الدستوري من أجل الديمقراطية.

 

السياسة الخارجية..

ليس إتقان قيس بن سعيد للغة العربية، وفصاحته فيها هي منتهى علاقته بالعروبة، بل بالأساس مقاربته للسياسة الخارجية المطلوبة لتونس، فالرجل يتبنى موقف يناهض الاستعمار ودوره في الوطن العربي، مدينا تدخلاته في تونس، وارتهان الساسة التوانسة للمصالح الغربية، وداعيًا لمواجهة هذا التدخل، وصيانة السيادة الوطنية، هذا الموقف من الاستعمار يتخذ بعدًا خاصًا حين يتعلق الأمر برأس حربة المشروع الاستعماري في المنطقة العربية أي الكيان الصهيوني.

في المناظرة الرئاسية مع منافسه وخصمه السياسي نبيل القروي، قال بن سعيد إن تونس في حالة حرب مع كيان غاصب ومحتل شرد الشعب الفلسطيني، واصفًا التطبيع مع هذا الكيان بـ "الجريمة والخيانة العظمى"، مضيفًا أنه سيمنع أي شخص يحمل جواز سفر الكيان الصهيوني من الدخول لتونس.

وفي احتفالات أنصاره بالفوز في الانتخابات الرئاسية حضر علم فلسطين بجوار العلم التونسي، في رسالة مفادها أن هناك انتصار لفلسطين ولقضيتها، ولعروبة تونس وهويتها الأصيلة، وإرادة شعبها في مواجهة الهيمنة الاستعمارية وأدواتها.

 قيس بن سعيد خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب لحظة إعلان فوزه أعاد التأكيد أنه سيعمل على دعم القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وعبر عن أمنيته في أن يكون العلم الفلسطيني حاضرًا جنبًا إلى جنب مع العلم التونسي، موجها شكره لجميع الأحرار في العالم، مستحضرًا الدوائر الثلاثة للتحالف السياسي، الانحياز للقضايا العادلة، الانحياز لفلسطين، الشراكة مع أحرار العالم ضد قوى الاستعمار والهيمنة.

 

هل هناك رجل بلا عيوب؟

ربما تكون مآخذ خصوم بن سعيد عليه قد لعبت دور أساسي في فوزه الانتخابي، فقد اتهمه هؤلاء بالافتقاد للخبرة السياسية، وطرح مواقف منفرة للقوى العالمية الكبرى، ولوحوا بغياب حضوره في أي موقع سابق ضمن مؤسسات السلطة في تونس، ومطالبته بتوزيع السلطة، وتعزيز اللامركزية كمدخل للتنمية السياسية والاقتصادية، خصوصًا أن هؤلاء الخصوم كانوا دومًا من أنصار هيمنة مركزية تحمي مصالح رجال رأس المال المتحالفين مع المصالح الغربية.

قوى أخرى في تونس لها انتقاداتها ومخاوفها من بن سعيد، إذ تعتبره بعض هذه القوى محافظ اجتماعيًا، مستدلين بموقفه من قانون الميراث في تونس، فيما تدافع عنه نسبة ليست بالهينة في معسكر اليسار، معتبرين أن مواقفه محل الانتقاد لا تنطلق من خلفيات دينية بل بالأساس من خلفية فهمه للملابسات القانونية.

 

خاتمة:

لم تبدأ مسيرة حكم رئيس الجمهورية الخامس لتونس، و تنتظره تحديات كبرى ستشكل اختبار حقيقي لوعوده الانتخابية، فنظام الحكم التونسي يوزع الصلاحيات بين الحكومة والرئاسة، فيما الرئيس لا يستند لحزب أغلبية أو حتى أقلية في البرلمان التونسي، كما أن أمامه صدام محتوم مع التركيبة العميقة لمؤسسات الدولة، وشبكات المصالح الاقتصادية القائمة، وفي كل هذا يحتاج الرجل الذي راهن عليه التونسيون بنسبة قاربت ٧٧% الى مرتكزات حقيقية، تفوق بكثير تلك التي توافرت لحملته الانتخابية المتقشفة، وينتظر الجمهور اختبار الشعارات في موضع الممارسة، شعارات ومواقف طالما آمن بها الجمهور العربي، تتخذ اليوم شكل اصطدام الحلم بالواقع، والرهان على الأمل في وجه حواجز الاستعمار واليأس.