Menu
حضارة

يسقطُ حكم المصرف

خاص بوابة الهدف

منذ ما يزيد على القرن من الزمان، اختارت أغلبية النخب السياسية في لبنان، مسار شبه مكرر للصعود السياسي والتمكن المالي والاجتماعي والاقتصادي؛ يمر عبر تقديم الخدمات للمصالح الدولية والاستعمارية في لبنان، والحصول في المقابل على سلة من المغانم.

كل هذا يتم على أرضية طائفية مُصطنعة، يجثمُ فيها زعيم الطائفة على صدر مجموعة من الناس، ويؤسس مجتمعه وإماراته الصغيرة في شقوقٍ من ذلك البلد المتصدع، ساعيًا لعزل هؤلاء الناس والتحكم في مصائرهم وتمثيلهم وحتى تشكيل صورتهم أمام غيرهم، كل هذا بالتخويف من الآخَر، ومزيج من سياسات الاستزلام والنهب، والفساد والإفساد وتوزيع الرشى والمصالح كما يحلو لأصحابها.

حسنًا، لا تتسع سطور هذا المقال، وربما لا تتسع حتى آلاف الصفحات، لتسطير ما فعلته النخبة اللبنانية الفاسدة والمرتهنة في هذا البلد، وما أنتجته من تحريض عنصري وطائفي مقيت، تارة باسم الطائفة وتارة باسم الوطن المتخيل على هوى هؤلاء الناس، لكن ما يمكن تناوله هنا هو ما فعله الشعب في لبنان خلال الأيام والساعات الماضية، طوفان الغضب الذي اندلع في شوارع لبنان كان ملهمًا بحقّ، ضد كل هذه الخلطة العجيبة من اللصوص والقتلة الجاثمين على صدور الناس.

مصارفُ لبنان التي قررت المشاركة في عقاب شعبه الذي دعم المقاومة، وسياسيّوه الفاسدون، الذين تواطؤوا مع استراتيجية التجويع الأمريكية للشعب اللبناني، تلقوا واحدة من أقسى الصفعات في تاريخ هذا البلد وربما المنطقة، ومشاريع معادية عدة وقفت وتعلمت من قدرة هذا الشعب على الغضب بهذا الذكاء والعنفوان معًا.

ارتجف القتلة اللصوص فأطلقوا عصا الأمن، وحينما لم تسعفهم قوى الأمن ومؤسسات الدولة التي تحكموا بها طويلًا، أعادوا إطلاق عصاباتهم إلى الشوارع، في مشاهدٍ تُذكّر بجرائمهم المتعددة فيما سُمِّيَ يومًا كذبًا "الحرب الأهلية اللبنانية" وما بعدها، هذه الحرب التي افتعلها هؤلاء القتلة اللصوص وذبحوا الناس باسمها في كل شارع وزقاق، ذبحوا الناس باسم الناس وباسم الدين والوطن وكل شعار كبير داسوه وامتهنوه بألسنتهم الكاذبة.

ما فعله هؤلاء أمس كان أسوأ من إطلاق النار والمسلحين، ومؤسسات القمع بالشوارع، إذ أطلقوا تضامنهم الكاذب مع الحِراك، وجاء بعضهم ليشارك في تظاهرات الناس عنوةً، وحين رفضهم الجمهور هددوه بالسلاح، فأصابوا بعضًا وقتلوا آخر، فيما اعتلى آخرون فضائياته ليطلق منها المزيد من الأكاذيب عن تضامنهم مع الناس ومطالبهم، وما هو إلا لصٌ قاتلٌ مُحرضّ طائفي عنصري، تحتار كيف اجتمعت فيه كل هذه الموبقات، مع جبنِه الشديد وارتعاده الدائم أمام سادته في الرياض قبل واشنطن.

النصرُ لشعب لبنان، هذا ما نستطيع تمنّيه الآن، والعمل لتحقيقه، وكما كان هذا البلد العربي الصغير قلعةً في مواجهة الاحتلال الصهيوني ودحره وهزيمته، قد يكون اليوم نقطة بدايةٍ لانتصار جديد للشعوب، نهزّ فيه عرش المصارف وحكامها وساستها، ونستعيد شيئًا من حق الإنسان في العيش الحر والكريم.