Menu
حضارة

شاء أردوغان أم أبى

علي جرادات

أحلام تقسيم سوريا إلى دويلات متناحرة وتحويلها إلى دولة فاشلة قد خابت، فميزان القوى الميداني لهذه الحرب الكونية على سوريا، شاء أردوغان أم أبى، قد حُسم عملياً.
وأخيراً، أوقع أردوغان المتغطرس تركيا وشعبها في ورطة سياسية معقدة متعددة الأوجه والأبعاد، فما أن لاحت له، كرئيس مأزوم داخلياً بفعل خسارته لانتخابات بلدية إسطنبول، والانقسامات الحاصلة في حزبه الحاكم، بوادر تنفيذ ترامب لوعوده بسحب قواته، وبالتالي، قوات حلفائه «الغربيين»، من شمال شرق الفرات، حتى أمر جيشه بالتحرك لشن عدوان جديد، سماه، زورا، «نبع السلام»، لاقتطاع، وللدقة احتلال جزء آخر من الأرض السورية بعمق 30- 35 كلم على طول حدود تركيا مع سوريا.
هذا هو الهدف الحقيقي لغزوات أردوغان المتعاقبة في الشمال السوري، حتى وإن تسربل، (الهدف)، باسم «منطقة أمنية عازلة»، وتغطّى بذرائع: حماية الأمن القومي التركي من خطر ما يسميها «الجماعات الكردية الإرهابية» ومنع الأخيرة من إقامة كيان معادٍ لتركيا بمحاذاة حدودها الجنوبية وإعادة نحو ثلاثة ملايين، هم عدد اللاجئين السوريين في تركيا إلى هذه المنطقة، أي إحلالهم محل المواطنين السوريين من الأكراد والعرب، علماً أنهم من مناطق سورية شتى، وليسوا «أهل المنطقة الحقيقيين»، كما يسميهم أردوغان، الأمر الذي يعني إعادة هيكلة شمال سوريا ديموغرافياً، وهو ما يعادل تنفيذ عملية تطهير عرقي مُخطط.
إزاء هذه الذرائع يجدر التذكير بثلاث حقائق، أولاها أن «حماية الأمن القومي التركي»، هنا، لا تحتاج أكثر من عودة جيش الدولة السورية إلى الحدود مع تركيا، وتفعيل «اتفاق أضنة» الذي أبرِم بين الدولتين عام 1998، وثانيتها أن سبل الحيلولة دون إقامة كيان كردي في شمال سوريا، هي شأن سيادي سوري، عدا أنه كان بوسع نظام أردوغان حل صراع الدولة التركية الطويل والدامي مع مواطنيها الأكراد، حلاً ديمقراطياً، عبر تنفيذ الاتفاق الذي أبرمه، قبل سنوات، مع زعيمهم الأسير عبد الله أوجلان.
أما الحقيقة الثالثة فهي أن تدخلات نظام أردوغان لم تقتصر على سوريا والعراق كدولتين عربيتين جارتين ربما تطال تداعيات الصراع فيهما الأمن القومي التركي، بل شملت، (التدخلات)، دولاً عربية أخرى لا حدود لها مع تركيا. فمنذ بدأ ما يسمى «الربيع العربي»، بات نظام أوردوغان لاعباً محورياً في حراكات كل من تونس و مصر وليبيا وسوريا والعراق. أما الهدف فمساعدة جماعة «الإخوان المسلمين» التي ركبت موجة هذه الحراكات، في الوصول إلى السلطة، وصولاً إلى الهدف المتمثل في تتويج أردوغان سلطاناً، أو حاكماً بأمره لتركيا والمنطقة، إنما في ظروف معاصرة ولّى فيها زمن الإمبراطوريات والأباطرة.
أما أردوغان هذا فله، في الأمر نظرية أخرى. ولا غرابة طالما أنه صاحب العقل «الانتصاروي» الفاقد للحس السليم بوقائع التاريخ المعاصر والقديم، والأيديولوجي لدرجة إحلال أفكاره محل الواقع، كأنها هو، والبراغماتي حد القناعة بأن «الغاية تبرر الوسيلة»، حتى لو كانت الأخيرة مجموعات إسلاموية تكفيرية إرهابية ديدنها إبادة كل ما عداها.
هكذا يفكر ويتصرف أردوغان، لكن كل ذي بصيرة بات يعرف أن أحلام تقسيم سوريا إلى دويلات متناحرة وتحويلها إلى دولة فاشلة قد خابت، فميزان القوى الميداني لهذه الحرب الكونية على سوريا، شاء أردوغان أم أبى، قد حُسم عملياً، لمصلحة الشعب السوري والدولة السورية، بعدما حرر الجيش السوري مدينة حلب ودير الزور والبوكمال والغوطة الشرقية والغربية وصولاً إلى مشارف هضبة الجولان والحدود مع كل من الأردن ولبنان، فيما بات تحرير محافظة إدلب كملاذ أخير للجماعات الإرهابية، والمدن التي تحتلها تركيا مسألة وقت، سيان: بالخيار السياسي حيث أمكن، وبالخيار العسكري حيث تعذر. أما ما تبقى بقبضة المجموعات الإرهابية من الجغرافية السورية فجيوب هامشية بات القضاء عليها تحصيل حاصل. وحسناً فعلت قيادة «قسد» حين اتفقت مع الحكومة السورية، بوساطة روسية، على دخول الجيش العربي السوري إلى الحدود مع تركيا لمواجهة الغزو التركي.