Menu
حضارة

ملاحظات حول «فيديو مبارك»

عبد الله السّناوي

باليقين يتحمل «مبارك» قسطاً كبيراً من المسؤولية السياسية لما جرى بعد الحرب من إهدار لمعانيها الكبرى وتضحياتها الهائلة بقدر الأدوار التي لعبها في تكريس سياسات سلفه.
هناك فارق جوهري في توصيف الأدوار التي حكمت قصة صعود ونهاية حسني مبارك، بين ما هو عسكري، وما هو سياسي.
الخلط بين الأدوار لا يساعد على أية قراءة موضوعية تلم بحقيقة القصة، وخلفياتها، التي لم تبح بكامل أسرارها حتى الآن.
كان انضباطه العسكري، وكفاءته المشهود بها من مسوغات صعوده إلى موقع قائد سلاح الطيران قبل حرب أكتوبر.
وبلغ دور الفريق حسني مبارك، ذروته يوم (14) أكتوبر/‏ تشرين الأول (1973) في معركة المنصورة الجوية، التي تعد واحدة من ملاحم أكتوبر.
واختار هذا التاريخ - بالذات - ليطل بعد (46) سنة على جمهور التواصل الاجتماعي عبر منصة «يوتيوب» بفيديو سجل فيه شهادة عن حرب أكتوبر.
ومن حقه أن يسجل روايته للأحداث والوقائع التي عاينها من موقعه في الحرب من دون جور على أدوار القيادات العسكرية الأخرى الأكثر تأثيراً في مجريات الحرب تخطيطاً، وتنفيذاً.
وعلى مدى سنوات طويلة اختزلت حرب أكتوبر في رجلين: أنور السادات، بطل الحرب والسلام، ثم حسني مبارك، بطل الضربة الجوية الأولى.
وكان ذلك إجحافاً بالقادة العسكريين الذين خططوا، ودربوا، وقاتلوا، وبعضهم سيرته لامست الأساطير، كما كان إجحافاً ببطولات الجنود الذين قدموا من قلب الحياة المصرية، وضحّوا بحياتهم حتى يرفع البلد رأسه.
في ظهيرة السادس من أكتوبر/‏ تشرين الأول، عبرت القوات المسلحة المصرية، باقتدار، قناة السويس، ودمرت خط بارليف، وكسرت في ساعات قليلة نظرية الأمن «الإسرائيلي»، وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر.
في تلك اللحظات الحاسمة كان البطل الحقيقي للحرب هو المواطن المصري العادي، قاتل بضراوة عن اقتناع، وإيمان بأنه يحارب في معركة المصير، وأن النصر فيها يفتح صفحة جديدة تعطي أملاً في المستقبل، ربض في خنادق القتال الأمامية ست سنوات كاملة، وأجّل حياته الإنسانية، وتلخصت أحلامه في القتال، والثأر، خاض خلالها حرب استنزاف طويلة، وعندما عاد من ساحات القتال وجد مصر أخرى غير تلك التي حارب من أجلها.
كانت تلك المفارقة الكبرى في تراجيديا أكتوبر، وما بعدها. ولخصت السياسات الجديدة نفسها في اتفاقيتي «كامب ديفيد»، التي أفضت إلى عزلة مصر عن محيطها العربي، وتهميش دورها إلى حدود غير مسبوقة، بخروجها من ميادين الصراع العربي - «الإسرائيلي»، وانفراد «إسرائيل» بالدول العربية واحدة إثر أخرى.
وجرى العصف بمستقبل وحياة الذين قاتلوا، وضحوا، وتلبست أهازيج النصر العسكري روح الهزيمة التي أخذت تشكك في انتماء مصر العربي، وجدوى الصراع مع «إسرائيل»، وتحدي الهيمنة الغربية على مقادير المنطقة، محاولة نفي شرعية ثورة (٢٣) يوليو، والبحث عن شرعية جديدة.
افتقد النصر روحه، ومعناه، وتبددت بطولات المواطن المصري العادي في الإدارة السياسية لنتائج الحرب العسكرية.
وباليقين يتحمل «مبارك» قسطاً كبيراً من المسؤولية السياسية لما جرى بعد الحرب من إهدار لمعانيها الكبرى، وتضحياتها الهائلة بقدر الأدوار التي لعبها في تكريس سياسات سلفه.
في الفيديو أشار «مبارك» بأكثر من موضع إلى اسم الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان القوات المسلحة في حرب أكتوبر، وهو ما لم يفعله أبداً طوال سنوات حكمه، نكّل به، وأنكر دوره، وحذف صورته من «بانوراما أكتوبر»، كأنه لم يكن موجوداً في غرفة عمليات القوات المسلحة، وفي ذكر اسمه ظلال من حزازات قديمة.
وفيما سجل «الشاذلي»/‏ و«عبدالغني الجمسي» رئيس غرفة العمليات/‏ وقادة كبار آخرون مثل اللواء «عبدالمنعم واصل»/‏ واللواء «عبدالمنعم خليل» شهاداتهم على التاريخ، فإنه لم يتسن للقائد العام المشير «أحمد إسماعيل علي» أن يكتب روايته للأحداث.
«إسماعيل» غاب اسمه تماماً، و«الشاذلي» جرى تشويهه بادعاء لم يثبت أبداً أنه انهار عندما حدثت ثغرة الدفرسوار في الأيام الأخيرة للحرب.
نفى «الجمسي»، الذي لم يؤيد وجهة نظر «الشاذلي» في الثغرة وطريقة مواجهتها، أن يكون انهار، كما ادعى «السادات».
«مبارك» تبنى مجدداً وجهة نظر «السادات» في الثغرة من دون أن يأتي على ذكر فرية انهيار «الشاذلي».
أسوأ ما جرى بعد ثورة «يناير» التي أطاحته أنه لم تجر مساءلة سياسية لعصره، ولا فتحت أية ملفات غامضة في قصة صعوده، حتى نهاية حكمه.