Menu
حضارة

الجسر الذي يربط الشارع اللبناني بالأردني

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

العوامل المشتركة للأزمة الاقتصادية الأردنية واللبنانية تتمحور حول عنوان المديونية، التي تراكمت عبر الثلاثين سنة الماضية، وبعد المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في الأردن وحضره شمعون بيريز، وخرج علينا بعض الزعماء وبشروا بأن شمس الرخاء لن تغيب عن المنطقة نتيجة لاستحقاق عملية السلام (كامب وادي أوسلو)، ولكن بعد 30 عامًا خرجت أكثرية شعوب المنطقة إلى الشوارع لتعبر عن رفضها للسياسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ووصفاتها المغلّفة بالفساد، وبدل شمس الرخاء الاقتصادي، سيطرت الغيوم والعواصف الشعبية نتيجة السياسات الاقتصادية المجحفة التي عممت الفساد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا.

من الواضح أن هناك سياسة واعية تم تنفيذها لإغراق دول المنطقة بالديون ودفعها على بيع ممتلكات الدولة، وتحويلها إلى جابي ضرائب يلاحق المواطن في لقمة عيشه، ويتعاطى مع المواطن بسياسة الباب الدوّار، حيث يرضخ عندما تشتد المطالبة، ويتراجع في مكانٍ ويُحصّلها من مكان آخر. المشترك بين الحالتين أن المديونية وصلت في لبنان إلى 170% من الناتج المحلي، في حين في الأردن وصلت إلى 94.9%، أي أنها في حدود الخط الأحمر عندما تتجاوز نسبتها نسبة الناتج المحلي. يجمعهما أيضًا الأزمة البنيوية التي بدأت منذ سايكس بيكو، حيث تم تأسيس النظام في لبنان على أساس غلبة أقلية طائفية في الحكم على الأكثرية العامة للشعب، هذه الأقلية التي عملت على ربط لبنان بالخارج على حساب المصالح الوطنية، ودخلت في صراع مع المكونات الأخرى على مدى عقود من الزمن حتى وصلت إلى سدة الحكم على الدبابة الإسرائيلية، التي سرعان ما سقطت بفعل المقاومة الوطنية والإسلامية، وبدأت مرحلة جديدة أعادت الاصطفاف السياسي الطائفي إلى شيءٍ من التوازن، بتأثيرات عوامل خارجية لعب فيها الاتفاق السعودي- السوري عاملًا للاستقرار الداخلي، وعندما اختلّت المعادلة التي كان يطلق عليها نبيه بري ال س-س، دخل لبنان في مرحلة جديدة رهنت خياراته الداخلية إلى الحسابات الخارجية، وبدأ العامل الخارجي يتحكم بالاستقرار الاقتصادي نتيجةً لرهن لبنان بسياسة الاقتراض والهبات، التي كانت تذهب أكثريتها إلى جيوب قادة الطوائف وحواضنها، وأهملت مؤسسات الاقتصاد الوطني ودمرت الزراعة وصناعتها.

وبعد الدخول في المحور المعادي ل سوريا والتحريض على إسقاط النظام، رهنت الحكومة اللبنانية موقفها بموقف القوى المناهضة للدولة السورية، وأغلقت رئة لبنان الشرقية التي كانت عبرها تنقل نتاجها الزراعي والصناعي على أمل أن تسقط دمشق، ويدخل فرقاء 14 آذار دمشق مع المنتصرين من خليجيين وأمريكيين وفرنسيين وحواضنهم الإخوانية.

الحالة الأردنية لم تكن بعيدة عن الحالة اللبنانية، بل كانت لاعتبارات جيوسياسية لا تخوض معركتها مع سوريا بشكل معلن، بل كانت محطة لوجستية للتحالف المعادي لسوريا وشاركت بكل المؤتمرات المناهضة للدولة السورية، ولكن الخصوصية الشعبية الأردنية عملت على إحداث توازن في العلاقة السورية الأردنية. أما بالمعنى التاريخي فإن الأردن تأسس على أساس استيعاب النتائج الملموسة للنكبة الفلسطينية، وما زالت هذه النتائج تلعب دورًا في الاستقرار الداخلي ويعمل على أساس أن يبقى متوازنًا لاعتبارات إقليمية، لكون الأردن أصبح الناظم لاستقرار بلاد الشام، وأي انفجار للوضع فيه، فإن آثاره المباشرة ستلقى صدى غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا، ولكل جهة خصائصها واعتباراتها والمتحكم بزر التفجير وتوقيته هو البنك الدولي وسياساته، حيث يشجع الحكومات على الاقتراض من أجل سداد فوائد الديون المتراكمة ليبقيها رهنًا لسياساته.

الحكومات الأردنية المتتالية حكمتها علاقة نفعية بين جهازها البيروقراطي الذي توسع على حساب الميزانية والقوى الكمبرادورية، التي استخدمت الجهاز البيروقراطي في تمرير صفقاتها التي شكلت عبئًا على الاقتصاد الذي هو أصلًا يعاني خللًا في إدارته، مما دفع بالدولة إلى بيع قسم هام من مؤسساتها بتشجيع من رواد الكمبرادور السياسي وليبرالييه.

الشارع اللبناني في حراكه فرض واقعًا جديدًا خارج النظام الطائفي وزعمائه، فيما الحراك الأردني لم يستطع الخروج من تركيبته الاجتماعية التي حكمت أداءه العلاقة غير المتوازنة بين فئاته الاجتماعية، حيث هنالك قطاعًا واسعًا من قواها الاجتماعية ينظر إليها على أنها خارج منظومة الحكم والدولة ومؤسساتها.

خروج اللبنانيين كان نتيجة تجاوز المديونية جميع الخطوط، بالإضافة إلى أن القوى الخارجية وظفت المديونية وشروطها من أجل تحميل المقاومة اللبنانية أسبابها، هادفة إلى دفع لبنان إلى الرضوخ للشروط السياسية لتمرير صفقة القرن في الشق اللبناني. الضغوط على لبنان تشتد أكثر، كون العهد العوني جاء نتيجة مساومة مع المقاومة، وحكومة الحريري جاءت بذات الشروط والمتغيرات الإقليمية، وصمود سورية أعطى دفعة قوة لمحورها، بالإضافة للخروج الأمريكي وتخليه عن أقرب حلفائه في سورية، حيث أعطى مؤشرًا لأدواته في لبنان بأنهم لن يكونوا أكثر قيمة من الحليف الكردي، وسيترك مصيرهم للشعب ومقاومته الوطنية، ولذلك فإن ركوبهم موجة الشارع ورفع السقوف في محاولة لاستثمار الشارع للذهاب لخيارات سياسية تُحملّ المقاومة أسباب الأزمة لتوظيفها للخارج على أمل الاستمرار في دعمه، ولفت انتباهه أنهم ما زالوا يملكون أوراق للضغط الداخلي.

أما في الأردن فما زال للنظام هامشًا محدودًا للحركة، يحكمه الموقف من القضية الفلسطينية واستحقاقاتها، فبقدر بعده عن استحقاقات صفقة القرن تزداد الضغوط الخارجية، وبقدر اقترابه تزداد الضغوط الداخلية. وعليه، مهما تغيرت الحكومات في لبنان والأردن لن تكون هي مفاتيح الحل. الحل يكون بتغيير نمط التفكير والخروج من سياسة شروط البنك الدولي واتباع سياسة اقتصادية جديدة، تعتمد على العمل الاقتصادي التكاملي المشترك، مفتاحها رفع الحصار عن سورية كمدخل للتعاون الرباعي بين العراق وسورية ولبنان وفلسطين، هذا التعاون التكاملي هو المدخل الصحيح لحل مشاكل شعوب هذه الدول ووقف الهدر في السياسات العبثية.