Menu
حضارة

لبنان ينتفض ضد الفقر والفساد

يوسف مكي

ما يحدث في لبنان الآن هو ثورة من نوع آخر.. فهي ليست ثورة ببرنامج سياسي، ومنطلقات أيديولوجية، بل هي ثورة ضد التركيبة السياسية الطائفية

لعل ما يحدث في عموم المدن اللبنانية، منذ 17 أكتوبر 2019م، حتى يومنا هذا، هو الترجمة العملية لمقولة رئيس وزراء لبنان السابق، سليم الحص، بأن في بلاده كثيراً من الحرية والقليل من الديمقراطية. فقد أتيح لشعب لبنان، في التعبير عن آماله وتطلعاته، ومواقفه السياسية، ما لم يتح لغيره من بقية أبناء الشعب العربي. لكن ذلك للأسف لم يترجم ذاته، في شراكة حقيقية للشعب اللبناني في صنع القرار، وتقرير مستقبله، ومصائره وأقداره.

كان لبنان، عبر حقب طويلة، امتداداً تاريخياً لبلاد الشام. وحين انتهت الحرب العالمية الأولى، غدا لبنان، كما سوريا، من حصة الاستعمار الفرنسي، وفقاً للقسمة بين البريطانيين والفرنسيين، فيما بات معروفاً باتفاقية سايكس- بيكو. وحين خرج الفرنسيون من لبنان، بعد نضال خاضه شعبه ضد الاحتلال الفرنسي، سلموا السلطة للنخب التقليدية، ولبقايا الإقطاع السياسي. وطرحوا في حينه، اتفاقا غير مكتوب، عرف بالميثاق الوطني، قسمت السلطة فيه بين تلك النخب، على أسس الانتماء الديني والمذهبي.

وللأسف فإن من نتائج هذا الميثاق، قيام نظام طائفي وعشائري، عطل تأسيس دولة المواطنة العصرية. وغيب ذلك المشاركة الشعبية الحقيقية، في صنع القرار، وأدى إلى خلق واقع سياسي هش، حيث الاصطفافات السياسية، والتحالفات بين الكتل والنخب الفاعلة، على أساس هذه المحاصصات، بما غيب مفهوم الانتماء للوطن، لصالح الانتماء للطائفة.

في وضع كهذا، لم يكن متوقعاً، أن تلعب المؤسسات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والدستورية التي تشكلت بعد الاستقلال، أي دور حقيقي، يسهم في نماء وتقدم لبنان. وقد حجب ذلك روح التجانس والتكافل بين أبناء الشعب الواحد.

ولأن القرار السياسي، في لبنان، كما أشرنا، هو بين النخب التقليدية، وبقايا الإقطاع، فمن الطبيعي، أن تغيب حقوق الناس، وأن يكون هدف هذه النخب، هو مضاعفة مكاسبها ومغانمها على حساب حقوق الأغلبية من اللبنانيين، وأن يكون الهدف الرئيسي من الحروب الأهلية، التي يكون الفقراء والغالبية من الناس هم وقودها، هو التنافس حول اكتساب المزيد من الغنائم.

شهد لبنان، منذ نهاية الخمسينات من القرن المنصرم، حربين أهليتين، رئيسيتين، وانقساماً سياسياً حاداً، استمر طيلة تاريخه المعاصر. وكانت التحالفات التي تقوم، تؤسس وفقاً لمفهوم الغنيمة.

وكل تحالف في الداخل، له وجه آخر، مخفي أحياناً، وظاهر للعيان في معظم الأحيان. فكل فريق لا يستمد قوته فقط من الطائفة التي ينتمي إليها، بل من حليف إقليمي أو دولي، تلعب نخب لبنان، في صراعاتها، دور الوكلاء والمنفذين للسياسات الإقليمية والدولية داخل لبنان.

شهد لبنان، حرباً أهلية، في نهاية الخمسينات، حين كان الصعود القوي للتيار القومي العربي. فكانت الحرب الأهلية، بين اليمينيين المسيحيين، والعروبيين. وفي تلك الفتنة الأهلية، اتهم الرئيس جمال عبدالناصر، بدعم التيار العروبي اللبناني، كما اتهمت بريطانيا وأمريكا وفرنسا، بدعم التيار اليميني.

وفي منتصف السبعينات من القرن المنصرم، نشبت الحرب الأهلية الثانية. والسبب الرئيسي المعلن لها، هو وجود حركة المقاومة الفلسطينية، التي اعتبرت، وفقاً للمنطق الطائفي، خللاً في المعادلة الديموغرافية، لصالح المسلمين، وعلى حساب المسيحيين,

بمعنى آخر، وبشكل واضح، كانت الحربان الأهليتان في لبنان، من نتائج الهيكلة الطائفية، للنظام السياسي اللبناني.

أسهم هذا الواقع، في غياب المحاسبة، وتغول الفساد، وتعطل التنمية والخدمات الأساسية، وبتضخم غير مبرر في الاقتصاد، وازدياد مديونية الدولة، وسيادة نوع مقيت من الحركة الاحتجاجية، التي كانت في الغالب تعبير عن مواقف ومصالح طائفية، ولا تعكس موقفاً وطنياً جماعياً.

ما يحدث في لبنان الآن، هو ثورة من نوع آخر.. فهي ليست ثورة ببرنامج سياسي، ومنطلقات أيديولوجية، بل هي ثورة ضد التركيبة السياسية الطائفية، التي تسببت في العجز عن معالجة مشكلة النفايات، وتوفير الكهرباء، والعلاج والسكن اللائق للمواطنين، وإيقاف الحرائق. ولم يكن لها سوى إرهاق المواطنين، بموجات متتالية من التضخم ورفع الأسعار، وزيادة الضرائب.

ليس موضوع زيادة الضرائب الذي طرح أخيراً، سوى القشة التي قصمت ظهر الجمل. فقد ضاق اللبنانيون بالنظام الطائفي، وبالنخب السياسية وأحزابها. ورفضوا أن يجري تصنيفهم على أساس انتماءاتهم لهذه الطائفة أو تلك. إنها عملية تطهير للنفس من أدران الماضي البغيض وتطلع إلى قيام لبنان، يتغلب فيه مفهوم المواطنة على ما عداه. لبنان يرفض الاصطفاف الطائفي والاقصاء، والسرقة والنهب، وكل أشكال الفساد، لبنان يتطلع إلى أن يكون مستقبله أفضل من ماضيه.. وكما يبدو في المشهد الملحمي الدائر الآن في ساحات البلاد، فإن الجموع التي تحتشد بالميادين، لن تتراجع عن مطالبها. فهي تدرك جيداً، أنها لن تخسر في هذا الحراك، سوى أصفادها.