Menu
حضارة

توحَّد اللبنانيون بالغضب

موسى عزب

توحد اللبنانيون بالغضب.. فمتى سيتوحدون بالمطالب؟! وهل يوجد مقاربة موضوعية للحالة اللبنانية؟!

المواجهة بين الشارع والحكومة تعد بالاستمرار والتصعيد، على شكل احتجاجات قوية، تبدو الهوية الوطنية العابرة للطوائف، ومسألة الكرامة، ولقمة العيش .. حاضرة بقوة.

منتفضين من مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية، يغلب عليهم جيل الشباب والنساء، من الطبقة الوسطى ومثقفين، يختلفون بأشياء كثيرة، ويتوافقون على رفضهم للطبقة السياسية، ويأكدون بأنه لم يعد لديهم ثقة بكل النظام.

يحتشدون بعشرات الآلاف، في ساحات بيروت وعدة مدن كبرى منذ حوالي ستة أيام، وقد رفضوا بأغلبية كبيرة خطة الإصلاحات التي اقترحها رئيس الوزراء سعد الحريري يوم أول أمس الاثنين 21 أكتوبر.. وقد كشف الحريري عن برنامج حكومي، يركز على العودة إلى ميزانية بدون عجز ودون زيادة الضرائب على الفقراء، يمزج فيها بين تخفيضات في الإنفاق العام، والإتكاء على مصرف لبنان والقطاع المصرفي، مع حزمة مساعدات للفقراء، ومكافحة الفساد. مع قرار رمزي يعد فيه بتحقيق خفض تبلغ نسبتة 50٪ في مرتبات الوزراء والنواب والرؤساء (مجلس الوزراء والبرلمان والدولة)، يضاف إلى هذا إنهاء وزارة الإعلام والعديد من وكالات الدولة،

مع وعود (بخصخصة بعض مقدرات الدولة(!!.

ولكن، واصل المعتصمون احتجاجاتهم ورفعوا من سقف مطالبهم، دون أن تتبلور حتى الآن قيادة محددة للمحتجين في الشارع، أو ناطق رسمي لهم، لذلك توزعت مطالبهم بين:

* إقالة الحكومة وتشكيل حكومة انتقالية، أو حكومة وطنية!

* استقالة رئيس الجمهورية!

* حل مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكرة!

* استرجاع المال المنهوب ومحاكمة الفاسدين!

* مناشدة الجيش للتدخل وإرسال الفاسدين للسجن واستلام السلطة!

* تشكيل إدارة من القانونيين مع بعض الشخصيات الوطنية النظيفة!

* مطالبات ملحوظة بتحرير الاقتصاد!! هل الاقتصاد اللبناني مقيدًا؟!

جزء من الحراك وجد أن قرارات الحكومة الإصلاحية ايجابية والمطلوب وضع آليات عملية لتحقيقها، حيث يتخوف بشدة من حدوث فراغ سياسي خطير وغير محسوب الخواتيم، سيما وأن الحكومة اللبنانية الحالية، لم تتشكل إلاّ بعد مرور ثمانية أشهر على تكليف رئيسها.

في الأثناء؛ أقال جعجع وزرائه من الحكومة، بينما وقف وزراء جنبلاط في منطقة مشاغلة رمادية بانتظار المستجدات وأين تتوجه الأمور.

من خارج لبنان، و(ليس من خارج مضامين الصراع)، أرى أن الوضع متفجر، وقابل لكثير من الاحتمالات، وأعجب لكون معظم المحتجين، والطبقة السياسية الفاسدة، لم تأخذ بما يكفي من الاهتمام، تطورات الوضع في الإقليم، خاصة وضع الشقيقة الكبرى؛ سورية الذي لم يستقر بعد بشكل كاف، ولا (الجارة) الجنوبية التي تتربص بلبنان وتتوق إلى إعادة هيمنتها السياسية والأمنية على الوطن اللبناني.

ملاحظتي الأولى، بأنني لم أرَ حتى الآن، اهتمامًا كافيًا في الحالة اللبنانية الآنية، من قبل الصحافة والإعلام العالمي شبه المحايد! هل يعكس ذلك تدني أهمية ما يجري حقيقة في لبنان، أم أنتظار انجلاء الأمور؟!

وهنا أؤكد، بأن النظام السياسي اللبناني برمته، مأزوم، ومهترئ، منذ فترة طويلة، ولم يعد قادرًا بعد الآن على إعادة تجديد نفسه وتدوير شخوصه، ووصل إلى طريق مسدود.

صحيح هذا شأن لبناني، وأهل مكة أدرى بشعابها، ولكن من موقع المشاركة بالهم القومي، والقلق على لبنان، ونحن خبرنا حجم تأثير ما يحصل من حولنا وفي بلادنا العربية، على حياتنا ومستوى معيشتنا وميزان قوتنا مع عدونا الإمبريالي الصهيوني.. أتساءل؛ إلى أين تسير الأمور؟ وما هي الحلول الممكنة؟

في حال استقالة الحكومة مثلًا..  كيف سيتم ملء الفراغ السياسي؟ ألا يفرض الدستور اللبناني آلية محددة لتشكيل حكومة جديدة من تكليف رئيس جديد من قبل رئيس الجمهورية، يلعب فيها التشاور ثم منح القة من قبل مجلس النواب الدور الحاسم، وإعطاء الثقة؟ ألن يعيد نفس المجلس، إخراج نفس الحكومة؟! ألا يعني مطلب تدخل الجيش، تجاوزًا للدستور والقيام بما يشبه الانقلاب العسكري؟! هل تختلف تركيبة الجيش اللبناني عن تركيبة القوى المشكلة للحكومة، أو التنميط الطائفي للمجتمع؟! أو هل يقع الجيش خارج نطاق تأثيرات الدولة العميقة؟! وهل تجارب العسكر "السياسية"  في كل مكان، أفضت إلى حلول ايجابية؟! هل يفيد حل البرلمان قبل التوافق على قانون انتخاب وطني جديد، يلغي الكوتات الطائفية، ويتجاوز اتفاق الطائف؟! هل ستقبل أطراف اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، إلى التنازل طوعًا عن "مكتسابتها" السياسية والفئوية ونفوذها الاقتصادي، أم أنها ستلجأ إلى فتح متاريسها الحربية الأهلية من جديد، جارة خلفها الكثيرين ممن يعتصمون الآن معا في الميادين؟! ألا تلجأ البرجوازية في حالة أزماتها المستعصية، إلى الخيار الفاشي، خاصة وأن هناك قوى لبنانية متعددة تتهيأ لهذا الخيار؟! لماذا يتم الإطاحة بسمعة ومصداقية كل القوى والنخب السياسية اللبنانية؟! من هو البديل إذن؟! هل حقيقة أن الجميع لص وفاسد؟! أم أن المقصود هو خلط الأوراق وإحداث الفراغ الملائم للصراع الشامل؟!

وسط مطالبات البعض بتحرير الاقتصاد اللبناني، أليست الأزمة بمجملها ناتجة عن طبيعة هذه الأنظمة التي "حررت" السوق والاقتصاد، وأثقلت كاهل شعوبها بالقروض؟! أنظمة النهب المعلومة، التابعة للمركز الرأسمالي العالمي (سواء كانت طائفية أو عشائرية أو دينية، أو حتى أسمت نفسها مدنية)، هي فاسدة بنيويًا، وتبديل حكومة نيوليبرالية بأخرى مثلها، لن ينتج عنه إلا مزيدًا من التأزم والفساد والتبعية.. هنا، أين الرؤية الاجتماعية الطبقية بين قوى الشارع؟!

الوضع شائك ومتداخل ومعقد... وإن بدا صوت القوى التقدمية والوطنية الواعية والمخلصة خافتًا الآن.. إلا أن ثقتنا كبيرة بأن الشعب اللبناني بوحدته ووعيه.. بنخبه وقواه الحية، وذكرى تجربته المريرة مع الحرب الأهلية، قادر على تجاوز هذه المرحلة، والذهاب إلى مستقبل أفضل.