Menu
حضارة

اللبناني والخروج من عباءة الطائفة

موسى جرادات

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف

دخل لبنان في السابع عشر من تشرين أول/أكتوبر مرحلة جديدة كليًا مع إقدام على النزول إلى الشوارع احتجاجًا على بعض القرارات الحكومية المتصلة بفرض ضرائب جديدة، ضمن موازنة 2020، لكن المتابعين لهذا الحراك يرون أن هناك الكثير من العوامل الداخلية ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والمتراكمة على مدار عقود، وجدت ضالتها في هذه اللحظة التاريخية والمفصلية من عمر الكيان السياسي اللبناني، وعبرت عن نفسها حتى هذه اللحظة في صورة احتجاجات سلمية، لم تتخذ بعد طابعًا عنفيًا، لاعتبارات عديدة أبرزها: أن هذا الحراك في أيامه الأولى ولم يبلغ ذروته بعد، فيما تحاول بعض القوى السياسية اللبنانية المنخرطة في بنية السلطة تجييره لصالحها وكل حسب مقدرته وتمنياته.

لكن السؤال المطروح في هذه اللحظة يتعلق بإمكانية هذا الحراك ومدى قدرته على تحقيق أهدافه القصوى والتي ترتبط بإنهاء النظام الطائفي اللبناني الممتد من لحظة التأسيس إلى اليوم. فهل يمتلك هذا الحراك فعلًا القدرة على إحداث هذا التغيير؟ وهل هو قادر على التعبير الحقيقي عن الهوية الوطنية الجامعة؟ خاصة إن هناك إجماعًا لبنانيًا على ضرورة التخلص من النظام الطائفي التحاصصي، والذي أوصل لبنان اليوم إلى حافة الكارثة والانهيار. كل تلك الأسئلة ستجد لها أجوبة عبر ما ترسيه وتنجزه قوى الحراك الشعبي في مُقبل الأيام، وإظهار إن كانت قادرة فعلًا على تحقيق هذا الإنجاز!

والسؤال الأخير، سؤال يستحق التأمل، ففي لحظة التأسيس لا بد من وجود قوى مضادة ستقاوم فعل التغيير حتى آخر لحظة وبكل ما أوتيت من قوة، وما بين الزمنين، يبقى لبنان على أهبة الاستعداد والتأهب الدائم، خاصة وأن الأمر لا يرتبط بالداخل اللبناني فقط، فالقوى الإقليمية والدولية والتي لعبت ولا تزال تلعب أدوارًا كبرى في صياغة المشهد السياسي اللبناني ستكون لها هي الأخرى كلمتها، وأمام هذا المشهد المعقد والمتداخل والمتشابك إلى حد بعيد، تبقى حقيقة واحدة يمكن الركون لها، وهي إن الشعب اللبناني اختار لحظته التاريخية بعناية فائقة ودقيقة، فالداخل مرتبط بالسلطة السياسية التي تعيش لحظة الأفول والانكسار بعد عقود من بيع الأوهام، وقد وصلت إلى قمة الضعف والانكفاء، مضافًا إليها المؤسسات المنبثقة عنها والمرتبطة بها؛ كالمؤسسات الاقتصادية والمؤسسات الدينية وغيرها من المؤسسات.

أما على الصعيد الإقليمي، فالوضع العام للمعادلات السياسية والتوازنات العربية يثبت أنها قد خرجت عن السكة بفعل الخيارات والمغامرات التي أحدثتها والتي وصلت إلى حافة الإفلاس الكامل، بحيث تمكنت قوى الحراك اليوم من الاستفادة من خروج النظام السياسي العربي من التأثير السلبي أو الايجابي على صناع القرار السياسي في لبنان، فلم تعد القوى الإقليمية العربية قادرة على امتلاك النفوذ السياسي لصالح النظام الطائفي والسلطة السياسية في لبنان.

اقرأ ايضا: صدور مجلة الهدف: العدد (1481) والسابع رقميًا

أما على الصعيد الدولي، فمن الواضح أن الصراعات الدولية قد اتخذت أبعادًا جديدة متصلة بالحروب التجارية الكبرى والتي أرساها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يرى بعين المال في حراكه السياسي، وبالتالي فان لبنان غائب عن تلك العين لافتقاده لتلك المحفزات والمقومات.

وأمام هذه المعطيات صدحت الحناجر اللبنانية بالشعارات الكبرى والتي تطالب بإسقاط النظام باعتباره العقبة الكأداء أمام تطورهم وسبل عيشهم وخياراتهم في الحياة، ففي الأيام الأولى استطاعت قوى الحراك أن تمتلك دينامياتها الداخلية ومحفزاتها القصوى من خلال عين خبير يرى من الضرورة إحداث هذا التغيير اليوم؛ لأن اللحظة التاريخية مناسبة، وبذلك ابتعدت عن كل الخطوط التي حاولت منذ البداية ترسيم مساحات اللعب أو الأحكام القيمية المسبقة، والتي حاولت إطفاء طابع المؤامرة على الحراك.

وأمام هذا المشهد لا بد من الإشارة إلى أن فعل الحراك بحد ذاته قد حقق إنجازات كبرى لا تتعلق فقط بإجبار الحكومة على الانصياع لمطالب الناس على الصعيد الاقتصادي، بل تجاوز ذلك بوضع الملامح العامة للبنان الذي يرغب ويريد، فمطالب هذا الحراك العادلة تجاوزت البعد الإيديولوجي والسياسي لتطال عمق الأزمة، فالبعض الذي حاول رؤيته بأنه حراك مطلبي محق أو غير محق وقع في فخ التشخيص، وبالتالي في خطأ التحليل وابتعد عن بناء تصور حقيقي عنه.

إن هذه الملامح التي صنعها الحراك استطاع عبرها تجاوز كل الحدود الوهمية التي صنعها النظام السياسي الطائفي طوال عقود، وأرسى دعائمها في جملة من القوانين والأعراف والسلوك السياسي، والذي وضع الناس فيها أمام مواجهات عقيمة، توظف لصالح الطبقة السياسية التي تتربع على قمة السلطة، فكسر الخطوط الوهمية التي ظن الناس طوال عقود أنها تمثل هوياتهم الفعلية إنجاز مهم يحسب لقوى الحراك، ولا يمكن للقوى الطائفية أن تعود وتمسك به طالما أن التجربة أثبتت بطلانه، لهذا نرى أن قوى الحراك مستلهمة من تجربتها الذاتية ماضية في سعيها الحثيث لتثبت منجزاتها والمراكمة عليها، وصولًا لتحقيق الأهداف الكبرى للحراك، فيما الوقت ما يزال يلعب لصالحها حتى هذه اللحظة، فالقوى الطائفية وإن حاولت أن تبدي تماسكها إلا إنها غير قادرة حتى هذه اللحظة على تصدير خطاب سياسي ثابت وقادر على الوقوف في مواجهة هذا المد غير المتوقع، فأدواتها القديمة لا تصلح للراهن المتجدد والمتجاوز لها.. إنه صراع ومغالبة بين الناس وقوى اختبأت في عباءة الدولة لعقود طويلة، واستمدت قوتها من قوة الدولة العاجزة اليوم عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات، فإما أن تخرج من تحت العباءة وإما أن تخرجها الحشود.