Menu
حضارة

أوروبا.. البديل المفقود في الشرق الأوسط !

هاني حبيب

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

تزامن وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل قرابة ثلاثة أعوام مع تراجع وتآكل الدور الأوروبي على الصعيد الدولي، وعلى الأخصّ في الشرق الأوسط، فأوروبا لم تعد كما كانت إثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وبعد الاهتزازات التي أصابت البنية السياسية في معظم دول الاتحاد إثر فوز أحزاب شعبوية يمينية في الانتخابات في هذه الدول، إضافة إلى تقدم هذه الأحزاب في البرلمان الأوروبي، يُضاف إلى ذلك تأثيرات الهجرة إلى هذه البلدان، مما أدى إلى انزياحات وتأثيرات على القرارات السياسية لدول الاتحاد منفردة أو مجتمعةً. وباختصار فإنّ الاتحاد الأوروبي بات أكثر ضعفًا وهشاشةً من أي وقتٍ مضى، خاصة بعد انقسام عروة قيادته التي كانت تتمثل في كلٍ من ألمانيا وفرنسا، الأولى باتت مهددة بتقدم اليمين الشعبوي مما أدى إلى تراجع دور السيدة ميركل، والثانية إثر تراجعات اقتصادية أدت إلى مظاهرات واعتصامات شعبية واسعة تحت قيادة السترات الصفراء التي أيدتها وشجعتها إدارة ترامب. سارعت إدارة ترامب إلى تأكيد هيمنتها وإصرارها على إجراء تغييرات جوهرية على نطاق السياسة الدولية، بالتوجه نحو الحليف التقليدي أوروبا، من خلال التحلل من العديد من الالتزامات الدولية التي رعتها أوروبا بالتعاون مع الحليف الأمريكي التقليدي ما قبل إدارة ترامب، فانسحبت إدارة ترامب من اتفاقية باريس للمناخ، كما انسحبت من منظمة اليونسكو بعد اتهامها بإدانة اسرائيل، كما قامت بوقف تمويل الأونروا، ثم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بعد الاعتراف بها عاصمة للدولة العبرية، ثم الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني من جانبٍ واحد، دون تجاهل الدور الأمريكي في الإخلال بنظم حلف شمالي الأطلسي الذي كان دعامة التحالف الأمريكي الأوروبي. وقد انعكست هذه المتغيرات على الدور الأوروبي في الشرق الأوسط عمومًا، والمنطقة العربية خصوصًا، هذا الدور اكتفى بإدانة الخطوات والقرارات الأمريكية من دون أن ترتقي هذه المواقف إلى "مواجهة"، حيث ظلت دول الاتحاد الأوروبي على موقفها التقليدي إزاء قضايا المنطقة، متمسكة بقرارات الشرعية الدولية حول الملف الفلسطيني الإسرائيلي، فأدانت القرارات الأمريكية كافة حول القدس والأونروا والانسحاب من المؤسسات القانونية والحقوقية واليونسكو، إلاّ أن سطوة المواقف الأمريكية في ظل إدارة ترامب، منعتها من تحول مواقفها من إدانة إلى مواجهة، إذ كان بإمكان هذه الدول في ظل مواجهة محتملة مع القرارات الأمريكية أن ترد بالاعتراف بدولة فلسطين، على سبيل المثال واتخاذ خطوات جدية بالضغط على إسرائيل لوقف العملية الاستيطانية وتهويد العاصمة الفلسطينية وإدانة ممارسات الاحتلال في المنظمة الدولية، غير أن شيئًا من هذا لم يحدث. وإزاء انسحاب أميركا من الاتفاق النووي الإيراني تمسكت الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق به، ورفضت الخضوع لضغوط أمريكية للانسحاب منه.

لكن هذه الدول تماهت مع الموقف الأمريكي جزئيًا عندما أشارت إلى ضرورة الحديث من إيران حول قدراتها الصاروخية ووقف دعم "الإرهاب"، كما أنها عمدت إلى تحميل طهران مسؤولية التراجع عن بعض بنود الاتفاق بعد أن قررت إيران اتخاذ خطواتٍ جدية لمراجعة هذا الاتفاق إثر عجز أوروبا عن القيام بدورها في منع العقوبات الأمريكية عنها، وعلى العكس من ذلك أدانت أوروبا بشكلٍ عام الاجراءات التي اتخذتها طهران في هذا الصدد، من دون أن تحمّل أميركا المسؤولية عن ردود الفعل الإيرانية.

ومع تراجع الدور الأمريكي في المنطقة كان يمكن لأوروبا أن تشكّل بديلًا عن هذا الدور، إلاّ أن واقع الحال الأوروبي لا يسمح لمثل هذا الأمر، ومن المفارقات التي حدثت في الأيام الأخيرة أنّ ترامب قرر مجددًا سحب قواته من سوريا من دون أية مشاورات مع دول أوروبية، من بينها فرنسا التي لديها قوات تشارك فيما يسمى بالتحالف الدولي، وقال الرئيس الفرنسي ماكرون: إنه تلقى نبأ انسحاب القوات الأمريكية من قبل وسائل الإعلام.