Menu
حضارة

التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني (ج3)

غازي الصوراني

غازي الصوراني

عصر التنوير والمساواة:

جون لــوك ( 1632م. 1704م ):

رفض وجود أية أفكار نظرية مسبقة في الذهن.. فالتجربة بالنسبة له هي المصدر الوحيد لكافة الأفكار..! وحول فلسفته يقــول ماركس :"لقد أقام لوك فلسفة العقل الإنساني السليم.. أي أنه أشار بطريقة غير مباشرة إلى أنه لا وجود لفلسفة إلاَ فلسفة البصيرة المستندة إلى الحواس السليمة".

ومن آرائه الاجتماعية والسياسية قوله: "بأن مهمة الدولة هي صيانة الحرية والملكية الفردية، وعلى الدولة أن تسن القوانين لحماية المواطن ومعاقبة الخارجين عن القانون" وقال أيضاً " إن الحالة الطبيعية للبشر تتأكد عند سيطرة الحرية والمساواة كمفاهيم أساسية تحكم المجتمع "؛ وتتوزع السلطة عنده إلى سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة اتحادية.. كما طالب بالفصل التام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وقد دعمت آراؤه التوجهات الليبرالية في بريطانيا آنذاك[1].

مونتسكيو (1689 - 1755) : في كتابه روح القوانين رفض الاستبداد، ودافع عن الحرية، وأكد على ضرورة فصل السلطات[2]، رافضاً للحكم المطلق ونظام الاستبداد، لأنه حكم يسوده شخص واحد بلا قوانين ولا أحكام ويسير كل شيء بإرادته ومخاتلاته.

ومونتسكيو يعد الاستبداد نظاما طبيعيا بالنسبة للشرق لكنه غريب وخطر على الغرب، وهي نفس الفكرة الأرسطية التي يقسم فيها العالم إلى شرق وغرب, للشرق أنظمة سياسية خاصة لا تصلح إلا له وهي بطبيعتها استبدادية يعامل فيها الحاكم رعاياه كالحيوانات أو كالعبيد، وللغرب أنظمة سياسية خاصة تجعل تطبيق الاستبداد يهدد شريعة النظام الملكي[3].

ثم جاء جان جاك روسو ( 1712 -1778 ) ليعلن أن الوجدان غريزة الهية معصومة ودعا إلى المساواة بين البشر وأن يظل الناس أحرارا كما ولدوا.

كما اعتبر روسو "أن الاستبداد في الأصل ليس نظاماً سياسياً، إنه عملية اغتصاب للسلطة، يترتب عنها أن المغتصب يضع نفسه فوق القانون"[4].

"ومعلوم عن روسو انه نهض في عزّ عصر التنوير لكي يطلق صرخته المدوية: لا لعلم بدون أخلاق، لا لحضارة بدون ضمير! والتنوير إذا لم يكن مبنياً على قيم العدالة والمساواة واحترام الحقيقة فإنه بلا أسس حقيقية"[5].

أما فولتير (1694-1778) عاش كل حياته مناضلاً من أجل الديمقراطية وحرية الرأي ضد التعصب الديني.

لقد خلد تاريخ الثقافة اسم فولتير.. فهو الكاتب الكبير والعالم السيكولوجي وفيلسوف الحضارة والتاريخ؛ عاش كل حياته مناضلاً ضد الكنيسة والتعصب الديني وضد الأنظمة الملكية وطغيانها؛ وقد تعرض بسبب آراؤه للملاحقة والأضطهاد حتى أنه قضى معظم سنوات عمره بعيداً عن فرنسا في ألمانيا وسويسرا (جنيف) وكتب فيها أجمل مؤلفاته "كانديد".

حتى جاء كانط ( 1724 -1804 ) صاحب المذهب الانتقادي، وأخلاق العقل، وهو القائل بوحدة العقل النظري والعملي، وأن العقل العملي المحض يصدر أوامر مطلقة هي قوام الوجدان الأخلاقي، وتتميز بانها قطعية ترفض المحاباة ، وتوجب القيام بالواجب فعل الجندي الذي ينفذ ما به يؤمر أولاً.

يعرف كانط الأخلاق، عامةً بأنها مجال الحرية للبشرية، المتميز عن ميدان الضرورة الخارجية والسببية الطبيعية، الأخلاق عند كانط ، مجال اللازم (ما يجب أن يكون) هذا التعريف صحيح من حيث المبدأ ولكنه لا يرتكز، في فلسفة كانط ، إلى فهم الطبيعة الاجتماعية للأخلاق وقولة بأن المثال الأخلاقي لا يتحقق إلا في العالم الآخر .

ذهب كانط إلى أن الواجب هو المفهوم المركزي في الأخـلاق وهو الذي يحدد مفهوم الخير (والخير هو فعل الواجب) وعلى هذا النحو يترتب على الإنسان عند كانط، أن يؤدي واجبة من أجل الواجب نفسة.

ذهب كانط الى أن الواجب هو المفهوم المركزي في الأخـلاق وهو الذي يحدد مفهوم الخير (والخير هو فعل الواجب ) وعلى هذا النحو يترتب على الإنسان عند كانط، أن يؤدي واجبه من أجل الواجب نفسه.

يُعَرفّ كانط الأخلاق، عامةً بأنها مجال الحرية للبشرية.

والى جانب كانط، فقد حفلت الثقافة الألمانية بآراء فيخته وشلنغ وهيغل ومحاولاتهم بناء الأخلاق على نحو من الجدل الثلاثي (ديالكتيك) وقد أوصل الأول إلى المثالية الذاتية والثاني إلى المثالية الموضوعية والثالث (هيجل 1770 – 1831 ) إلى المثالية المطلقة، حيث تقوم خصوصية مذهبه الأخلاقي في أنه طرح جانباً الجدل الدائر حول المبادئ الأخلاقية المجردة، ليركز الاهتمام على الأشكال الاجتماعية (عبر الالتزام الاخلاقي تجاه الاسرة والمجتمع والدولة)، التي فيها يتم نشاط الشخصية الأخلاقي مكان الفضيلة الخلقية.

هيجل ( 1770_ 1831): تقوم خصوصية مذهبه أخلاقي في أنه طرح جانباً الجدل الدائر حول المبادئ الأخلاقية المجردة، ليركز الاهتمام على الأشكال الاجتماعية، التي فيها يتم نشاط الشخصية الأخلاقي التي فيها يتم نشاط الشخصية الأخلاقي مكان الفضيلة الخلقية.

يُنَصِّبْ هيجل "الشرف" المعتمد من قبل المجتمع والدولة القائمين، وهكذا قان أخلاق هيجل هي أخلاق التزامات تجاه الأسرة والمجتمع والدولة.

أما أوغست كونت ( 1798 _1857 )، فالأخلاق لديه علم يهدف أول ما يهدف إلى البحث عن قوانين الحوادث الأخلاقية ، وهو صاحب نظرية" الحالات الثلاث "، التـي تــقول أن المفكر البشري مـر خلال مسيرته "بثلاث حالات" أو مراحل من التطور[6]:

  1. الحالة اللاهوتية أو التفسير الديني.
  2. الحالة الميتافيزيقية وتتميز باعتماد العقل المجرد بواسطة التكامل والاستنباط.
  3. الحالة الوضعية التي تتميز باعتماد العلم في فهم وتفسير الظواهر الطبيعية والبشرية وهي الحالة "المعاصرة" التي دعا الى الأخذ بها.

وبعد أن استبعد كونت أساليب كل من التفكير الميتافيزيقي واللاهوتي، استبدل بهما مناهج التفكير العلمي أسوة بالعلماء الطبيعيين، فاتجه إلى "وضع قوانين تفسير الظواهر اللا أخلاقية توطئة للسيطرة عليها والإفادة منها في دنيانا الحاضرة".

والخصائص الرئيسية للأخلاق الوضعية كما نظر إليها كونت تتحدد وفقا لما يلي[7]:

أولًا: أنها تقوم على أساس العلم الوضعي وتحقق صفاته، ولهذا فهي حقيقية، أي تقوم على الملاحظة لا على الخيال وتنظر إلى الإنسان كما هو كائن بالفعل لا على النحو الذي يتخيل أن يوجد عليه.

ثانيًا: أن الأخلاق نسبية، وتستمد نسبيتها من نسبية المعرفة وليس لها طابع مطلق كما كان يرى كانط.

نيتشه (1844 – 1900): وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت أفكار نيتشة، التي تدعو الى تدمير الأخلاق القديمة وتمهيد الطريق لأخلاق " الإنسان الأعلى "، انطلاقاً من قناعته بأن هناك تقديران متناقضان للسلوك الإنساني ، هما أخلاق السادة، وأخلاق الطبقات العامة.

فالخضوع عنده يولد الذل والضعة، والعجز ينتج طلب المساعدة من الغير، حيث تسود أخلاق الضعف والسلام والأمن وتصبح أحد أهم السمات الأخلاقية للشعوب المستعبدة والمغلوبة على أمرها، فالحياة التي تقوم على مبادئ التسامح الضعيف هي حياة تسير في طريق الانحلال، فالأخلاق الحقة هي إرادة القوة.

فالضعيف فاتر الهمة الذي يقول " إن الحياة لا تساوي شيئاً " خير له أن يقول " إنني لا أساوي شيئاً " هكذا كان نيتشة واضحاً وصريحاً في احتقاره للضعفاء، وكان بالمقابل مغالياً في تمجيد القوة، فالإنسان الأعلى عنده هو فرد متفوق يرتفع بشجاعته من وسط الشعب بفضل تربيته القوية لا بفضل الانتخاب الطبيعي أو أي عامل آخر.

كان نيتشة يحتقر أخلاق العبيد أو الضعفاء لأنها أخلاق صادرة عن الضعف والعجز بينما أخلاق الأقوياء أو " السادة " كما يقول: تقوم على البطولة والمقدرة.. إنها أخلاق الأقوياء "الخير" فيها يكون خيراً بمقدار ما يعبر عن شعور الفرد بالقوة، فإذا صدر منه فعل الخير فذلك يكون عن بطولة وامتلاء وبذل، لا عن خوف أو إكراه.

أما العبيد فانهم يلجأون الى تسمية الأشياء بعكس أسمائها الحقيقية، وهكذا فالشعور بالعجز يسميه العبد " طيبويه "، وعدم القدرة على رد الفعل يسميه " صبراً " كما يسمي الخضوع " طاعة " و الوضاعة " تواضعاً " والعجز عن الانتقام " عفواً " وهكذا.

وسؤالي الى أي مدى تنطبق أخلاق العبيد على العرب اليوم؟ وما هو البديل..؟ هل هي إرادة الحياة؟ هل هو الإنسان الذي يثور ضد العدو الوطني، وضد العدو الطبقي، إلى جانب ثورته على الأخلاق السائدة وأضاليلها؟ هل هو الإنسان الذي يثور على الشفقة وعلى الرحمة وعلى الصبر والتواضع والتواكل؟ الجواب أتركه لكم.

فرويد (1856 – 1939): بعد نيتشه، ظهرت الفرويدية (أو مذهب التحليل النفسي)، انتشر بشكل واسع في البلدان الرأسمالية الغربية، على يدي الطبيب النفسي النمساوي سيغموند فرويد الذي قال بأن دوافع الانسان وأخلاقياته هي انعكاس لميوله اللاشعورية، ولا سيما الجنسية، انه العنصر الأولي لعالم الإنساني الداخلي – "الهو" ( اللاشعور) الذي يفعل كقوة بدون وجهة، كنزوع يتخذ اتجاهه في " مبدأ اللذة " ويتجلى عند الرجل في عقدة متناقضة من الميول الجنسية نحو الأم وفي بواعث عدوانية تجاه الأب.

هربرت سبنسر (1820 – 1903)[8]: مصدر الأفكار والآراء حول الأخلاق التي نادى بها "سبنسر" قد تشكلت على أساس بيولوجي أو التفسير التطوري، بفضل نظرية داروين ولا مارك عن أصل الأنواع " وعن " الانتقاء الطبيعي "، حيث يربط "سبنسر" فكرة الضمير الأخلاقي بالفكرة العامة أو فكرة الأخلاق المكتسبة، وهي فكرة "بقاء الأصلح" في تطبيقها على الواقع الاقتصادي والبقاء للأقوى فيه.

وليم جيمس (1842 – 1910): تأثر وليم جيمس بالمفكر الأمريكي تشارلز بيرس مؤسس فلسفة البرجماتزم صاحب مقولة " لكي نجد معنى للفكرة ينبغي أن نفحص النتائج العملية الناجمة عن هذه الفكرة ".

لم يقتنع وليم جيمس بالفلسفة التي تقوم على التفكير والتأمل ورأى أن لا قيمة للأمور في نظره إلا إذا أرشدتنا الى تحسين أوضاع حياتنا، فالناس يقبلون الفلسفات أو ينبذونها وفقاً لحاجاتهم لا وفقاً للحقيقة الموضوعية، وهم لا يتساءلون : هل هذا منطقي؟ بل يتساءلون عن مدى ما تتناسب الفلسفة مع مصالحهم[9].

لا قيمة إلا للفرد، وكل ما عدا ذلك فهو وسيلة، وهكذا يرى دور الدولة وواجبها في خدمة الأفراد رجالاً ونساءً، والأخلاق هنا مبنية على هذا الأسس.

جون ديوي (1859 – 1952)[10]: وبعد وليم جيمس، جاء تلميذه جون ديوي الذي قال أن النمو و التطور، هما أعظم الأشياء وأفضلها وأجدرها بالاحترام، لقد جعل ديوي من النمو والتطور مقياسه الأخلاقي، فالنمو في نظره هو المقياس الأخلاقي وليس الخير المطلق.

كما يقول " لكي تكون فاضلاً (أو أخلاقياً) لا يعني ذلك أن تكون طيعاً وأنيساً، إذ أن الفضل بغير مقدره، فضل أعرج، ولن تنفعنا فضائل العالم كلها إذا كان ينقصها الذكاء والعقل... لأن الجهل هو حالة استبعاد وفقدان للوعي وليس نعمة أو سعادة.

أما عالِم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864 ـ 1920)، فقد رأى أن الحداثة المعاصرة، وانتقال العالم من العصر القديم إلى العصر الحديث، يمكن إرجاعه إلى سببين رئيسيين، هما: «روح» الرأسمالية، و«الأخلاق» البروتستانتية.

من خلال دراساته استنتج فيبر أن الرأسمالية، وهي التي خلقت العالم الحديث، لم تنشأ إلا في تلك البلاد التي تحولت إلى البروتستانتية، مثل بريطانيا وألمانيا وهولندا، وذلك لأن الأخلاق التي تبشر بها البروتستانتية، على خلاف الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، تدعو إلى العمل والإنتاج وتكوين الثروة ، والنجاح في مثل هذا المسعى هو علامة رضا من الرب.

فالكاثوليكية التقليدية مثلا كانت ترى أن الثراء هو امتحان من الرب، وأن الغني الذي لا يتخلى عن ثروته من أجل الرب لن يدخل الجنة. أما البروتستانتية، أو ما بشرت به تعاليم لوثر وكالفن وغيرهما، في تفسير مختلف للأناجيل، فهو أن الثراء دلالة على النجاح، والنجاح في الحياة الدنيا هو علامة رضا من الرب، وعلى ذلك فإن المؤمن الحق هو من يسعى وينجح، وبذلك كانت الأخلاق البروتستانتية –عند فيبر - هي الحاضن لروح رأسمالية تكمن وراء كل إنتاج أو إبداع.

إن الأخلاق الجديدة – في المجتمعات الرأسمالية، عبرت بوضوح عن المصالح الفردية للبورجوازية وشكلت أداتها الفكرية في تدعيم سيطرتها، وهي تنطلق من أن الملكية الخاصة هي ماهية الإنسان الاجتماعي، كما تنظر إلى نشاط رجال الأعمال على أنه مغزى الحياة البشرية وهدفها، وترى فيه معيار كرامة الفرد وحب الرفعة والعدالة التي تعني هنا المنفعة المتبادلة ، أما الحرية فهي تعني حرية المنافسة الرأسمالية شرط لحرية الفرد.

والحقيقة أن جوهر الأخلاق البورجوازية يقوم على الفردية والأنانية، أنها أخلاق لا تعترف، في العلاقات بين الناس، إلا برابطة واحدة هي المصلحة العارية، والمنفعة الخاصة والكسب الشخصي، أنها الأخلاق التي تبرر الحروب وكراهية البشر، وان الحق دائماً إلى جانب القوة، كما يتبدى نفاق الأخلاق البورجوازية بالدعوة إلى "حقوق" الشخصية " وحريتها " التي يروجون لها اليوم في إطار حقوق الإنسان والديمقراطية وهي كلها تركز على الحقوق بالمعنى الفردي الرأسمالي وليس بالمعنى المجتمعي.

إن الوعي الأخلاقي البورجوازي، بتبريره الرأسمالية مضطر لتبرير العيوب والرذائل الناجمة عنها، وهو يعتبر أن الإجراءات اللاأخلاقية شيئاً مقبولاً، وضرورياً أحياناً، أنه يتدنى إلى مستوى الكلبية cynicism التي تحتقر آداب وثقافة المجتمع وقيمه الروحية والأخلاقية.

فالمعروف إن البرجوازية بعد استيلائها على السلطة، تسعى إلى ممارسة الحلول الوسط ليس فقط في السياسة بل و أيضاً في الأخلاق سواء عبر تحالفها مع بقايا الأرستقراطية أو إقامة أية تحالفات غير أخلاقية لكبح الحماس الثوري للجماهير، هذه الصورة تتجلى بوضوح في بلدان وطننا العربي في التحالف الراهن لقوى البرجوازية الكومبرادورية والبيروقراطية مع حركات الإسلام السياسي الذي يعبر عن حالة الانكفاء نحو الأساليب الاستبدادية القديمة أو التوتاليتارية في إطار التخلف والتبعية و التطور المشوه.

من كل ما تقدم، نلاحظ انتقال المسألة الأخلاقية في عصر النهضة أو في حضارة الغرب الرأسمالي عموما، من مستوى الدين الآمر، والفكر اللاهوتي إلى مستوى الفكر الانتقادي، وأصبحت قواعد الأخلاق الرأسمالية موضوعاً من مواضيع الثقافة الإنسانية "دون القطيعة الكاملة مع جوهر الدين" ، فقد تضاءلت –كما رأينا- فكرة المذاهب الأخلاقية القديمة على أثر انتشار النزعات الأخلاقية الذرائعية الى جانب الفلسفة الوجودية، كيركغارد، سارتر، كامو، دي بوفوار، علاوة على سان سيمون وشارل فورييه وروبرت أوين وغيرهم من الاشتراكين الطوباويين والفلاسفة والمفكرين العقلانيين في عصر النهضة الذين قدموا اسهامهم في علم الأخلاق، حيث حاولوا أن يتنبئوا وأن يصوروا علاقات أخلاقية جديدة بين الناس، وأسهموا في توليد مفاهيم وأفكار ومدارس فلسفية جديدة معلنة موت النظام الاقطاعي القديم وميلاد عصر جديد للبشرية، عصر الثورات البرجوازية الأوربية التي كانت بمثابة الإعلان الحقيقي لعصر النهضة أو عصر الحداثة، ووضعت قواعد الأخلاق الجديدة .. أخلاق الديمقراطية البورجوازية الليبراليه .

كارل ماركس:( 1818 1883 ): مؤسس فلسفة المادية الجدلية والمادية التاريخية والاقتصاد السياسي، كان ماركس فيلسوفاً مادياً جدلياً " رفض فهم الفلسفة على إنها علم مطلق، غريب عن الحياة العملية والنضال، مؤكداً إن مهمة الفلسفة والفكر الاجتماعي ليست بناء أو إنشاء Construction المستقبل، ولا وضع نظريات تصلح لجميع العصوروالدهور، بل إن مهمتها " النقد الذي لايرحم لكل ماهو قائم ، نقد لايرحم بمعنيين، لايهاب استنتاجاته الذاتية، ولا يتراجع أمام الاصطدام بالسلطات القائمة[11]، إن مأثرة فلسفة ماركس تكمن في كونها البرهان الفلسفي والعملي في آن واحد على حتمية التحويل الجذري للمجتمع نحو الانعتاق والتحرر والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية رغم كل ما يتبدى اليوم من عوامل القهر والتخلف.

وبإزاء هذه الحركة قامت الفلسفة المادية الجدلية عبر إعلان ماركس عن "فلسفة علمية تقوم على مبدأ المادية التاريخية المتطورة تبعا لحتمية جدلية صارمة هي حتمية الصيرورة والغائية، فقد بين كل من ماركس وانجلز أن الأخلاقيات يحددها النظام الاقتصادي والاجتماعي للأمة، وأنها نتاج تاريخي. ورسم ماركس وانجلز – في تعاليمهما - الدرب الصحيح إلى السعادة والعدالة والحرية، إن ماركس، باكتشافه القوانين الخاصة، المميزه لتطور الرأسمالية، اكتشف في السياق نفسه " المفهوم العام عن القانون، بما في ذلك الفهم العملي للقوانين الأكثر شمولاً لتطور الطبيعة والمجتمع والمعرفة، ويأتي وصف ماركس للقانون العام للتراكم الرأسمالي مثالاً رائعاً على هذا البحث الملموس للقوانين الشاملة لكل تطور. إن هذا القانون يعكس العلاقة المتبادلة بين إثراء طبقة الرأسماليين وبين تفاقم بؤس الطبقة العاملة والكادحين، فكلما ازداد تراكم في أحد قطبي المجتمع يزداد بالمقابل تراكم البؤس في القطب المعاكس، ولذا فإن التراكم الرأسمالي لا يؤدي إلى القضاء على الفقر: كما يروج أصحاب الأفكار الليبرالية والديمقراطية الكاذبة، بل إنه على العكس ينتج الفقر باستمرار، ذلك إن هذا الفقر هو الشرط الرئيسي للغنى في صيغته الرأسمالية (ولذلك قيل: إن رأس المال ينزف دماً من جميع مساماته..)، كما أن تفاقم التناقضات بين الرأسماليين والكادحين وجموع الفقراء، سيقود بالضرورة إلى أذكاء نضال الفقراء الطبقي، والتعجيل بعملية التغيير والثورة. كذلك أقامت الماركسية البرهان العلمي على أن الحل المادي لكافة مشكلات الحياة الاجتماعية بما في ذلك الأخلاق- إنما ينبع من الحل المادي لمسألة علاقة الوجود الاجتماعي، بالوعي الاجتماعي الذي بدوره يمارس تأثيراً عكسياً على الوجود الاجتماعي.

الأخلاق الاشتراكية:

يتمثل جوهر الأخلاق الاشتراكية في الدفاع عن مصالح الفقراء والكادحين بما يتطابق مع القيم الأخلاقية التي تخدم التقدم الاجتماعي على المستوى الإنساني كله، وهي تقوم علـى :

  1. أخلاق جماعية ديمقراطية، ومبدؤها الأساسي أن الفرد من أجل الجميع، والجميع من أجل الفرد، وهو مبدأ يتنافى مع الأنانية وحب الذات والنفعية الذاتية، ويجمع بصورة منسجمة بين المصالح الشعبية العامة والجماعية والشخصية.
  2. أخلاق إنسانية، وهي تسمو بالإنسان وترسخ العلاقات الإنسانية حقا بين الناس، ونقصد بذلك علاقات التعاون الرفاقي والتعاضد وحسن النية والنزاهة، والبساطة، والتواضع في الحياة الشخصية والاجتماعية.
  3. أخلاق نشيطة وفاعلة، وهي تشجع المواطنين على تحقيق المآثر الإيجابية الجديدة في العمل والإبداع على المستوى الوطني والإنساني العام.

 

 

 

[1] فى نفس المرحلة جاء "بيركلى" وفلسفتة المثالية الذاتية المغرقة فى الرجعية….وكذلك"ديفيد هيوم".

[2] غنار سكيربك – تاريخ الفكر الغربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – 2012 – ص52

[3] أ.د. عبد الجليل كاظم الوالي – الاستبداد في الفكر الكلامي والفلسفي – الانترنت – تغطيات 2004.

[4] كمال عبد اللطيف – الاستبدا: حدود ودلالات – الانترنت - يونيو 2014.

[5] صبحي درويش – الأخلاقي جان جاك روسو والتنوير – الانترنت - 14كانون الثاني 2006 .

[6] ول ديورانت – قصة الفلسفة – مصدر سبق ذكره – ص452.

[7] أ.د. مصطفى حلمي – الأخلاق عند أوجست كونت (1857 م) – الانترنت.

[8] ول ديورانت – قصة الفلسفة – مصدر سبق ذكره – ص465.

[9] ول ديورانت – قصة الفلسفة – مصدر سبق ذكره – ص618

[10] ول ديورانت – قصة الفلسفة – مصدر سبق ذكره – ص624

[11] المصدر: كتاب: موجز تاريخ الفلسفة- ص618