Menu
حضارة

التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني (ج4)

غازي الصوراني

النظام التوتاليتاري (الشمولي)  أو الشر السياسي:

"في كتابها العمدة “أصول التوتاليتارية” الصادر سنة 1951عملت حنا أرندت على فهم أسباب تحول ألمانيا إلى نظام للهيمنة المطلقة". "فالتوليتارتية، كتجسيد للشر المحض، حدث غير مسبوق في التاريخ السياسي تأتي بذورها من الحداثة ومن عجزها عن تدبير مشكل العيش المشترك. فالشر قبل كل شيء فعل عنيف وسلوك عدواني يتم في المجال السياسي ويسعى إلى تدمير الغير وإخضاعه والتحكم فيه"[1].

يُفهم من التوليتارتية –كما تقول حنا أرندت- ذلك النظام السياسي الذي يجعل الأفراد خاضعين لسلطوية هيئات سياسية واجتماعية، وبمعنى آخر، فإنّه يتأسس على وجود نظام وحيد تنصهر فيه كلّ السلط؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية، لتكوين سلطة قاهرة تمارس سيطرة شاملة على الأشخاص وأنشطتهم، وتتدخل في كل تفاصيل حياتهم، تحولهم إلى “جثث حيّة”، ويصيرون غرباء عن ذواتهم ويفقدون الإيمان بأنفسهم.

قاربت حنا أرندت سؤال/مشكل الشر من منظور سياسي بعيداً عن كلّ التفسيرات اللاهوتية والقيمية، فهو بالنسبة إليها لا يرتبط بأيّ ميل ميتافيزيقي، ولا يستند إلى أيّ مبادئ مطلقة تحيل إلى ما هو مقدّس أو ديني، إنّما هو إنساني ولا يمكن أن يفهم إلا في علاقته بما هو إنساني، وعبر اقترافه فإنّ الناس يخرجون من إنسانيتهم.

 فالشر هو ما يجعل الكائن البشري يعيش تمزقاً بين إنسانيته وبين اللاإنساني، إنّه غياب تطابق الإنسان مع ذاته. ومن أجل رسم صورة عامة، جاز لنا القول إنّ الشر بالنسبة إلى حنا أرندت هو فعل إنساني، ولا يخرج عن العالم الإنساني. فهو يصدر عن الإنسان، ويقع على الإنسان. فليس فيه شيء من الشيطان، وليس له أيّ مظهر ميتافيزيقي، ولا يرتبط بأيٍّ من المبادئ الخالدة للعقل الإلهي. فالشرّ كله إنساني".[2]

تقول حنا أرندت : "لا يكون للحرية تحقق فعلي في العالم الذي لا يسمح بممارسة الفعل والكلام، مثل المجتمعات الاستبدادية التي تعتقل رعاياها داخل بيوتهم الضيقة، وتمنع بذلك ميلاد حياة عمومية. فبدون حياة عمومية مضمونة سياسيا، لا يمكن للحرية أن تتجلى، إذ ينقصها الشرط اللازم لظهورها في المجال العام. إن الحرية، بوصفها واقعا قابلا للبرهنة عليه، ترتبط بالسياسة ارتباطا تلازميا، وتشكلان معا وجهين لنفس الشيء"[3].

المدرسة الإجرائية الجديدة:

"ولهذا المدرسة اتجاهان أساسيان: نظرية العدالة التوزيعية لدى الفيلسوف الأمريكي جون راولز (1921 - 2002) ونظرية الفعل التواصلي لدى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929 - ).

أما جون راولز فينطلق من التصور الكانطي لأسبقية مبدأ العدل على مبدأ الحرية، رافضا بشدة بناء المنظومة القيمية الجماعية على مضمون عيني للخير المشترك، معتبرا أن جوهر الفكر الديمقراطي الليبيرالي هو صراع التصورات العقدية والمعيارية وتنظيم هذا الصراع اجرائيا.

وهكذا يميز راولز بين ” الخير المشترك السياسي” الذي يتماهي مع القواعد الليبرالية للتنظيم السياسي (الخير المشترك الأخلاقي) الذي هو حصيلة تأويلات قيمية لا يمكن فرضها بقوة القانون، بل يجب إخضاعها لإرادة الناس.

إن همه هو استكشاف العقد الاجتماعي الذي يضمن في أن واحد حرية الأفراد ومساواتهم، مجملا قواعد هذا العقد في مبدأين أساسين هما[4]:

أولا: يتعين أن يكون لكل الأفراد حقوقا متساوية في النظام العام، أي القدر الأوسع من الحريات المتساوية الأصلية.

ثانيا: لا يكون التفاوت الاجتماعي والاقتصادي مقبولا إلا بشرطين هما من جهة استفادة اكبر عدد ممكن من المحرومين من الفائض الجماعي والمساواة العادلة في الفرض بين جميع الأفراد".

"أما نظرية الفعل التواصلي لدى هابرماس فتبدو أكثر رصانة فلسفيا، وأعمق كثافة نظريا، وتشكل اليوم أهم نظرية غريبة في فلسفة القانون والأخلاق من حيث حجم الاهتمام وسعة النقاش والتداول.

"ينطلق هابرماس في تصوراته القانونية الأخلاقية من أطروحة ماكس فيبر حول مسار العقلنة ونزع القداسة المميز للمجتمعات الغربية الحديثة المعلمنة، فنتيجة لهذا المسار فقدت هذه المجتمعات المعايير والقيم التي كانت تضمن تعاضدها وانسجامها. ومن هنا الحاجة إلى استراتيجية نقاشية تواصلية للتوصل لإجماع حر حول القيم المشتركة"[5].

إلا أن هابرماس ينتقد بشدة التصورات الأداتية للعقل(أي اعتباره أداة للمعرفة وإخضاعه للمقايسس التجريبية) كما ينتقد الإيديولوجيات الوضعية والتاريخانية التي تسلحت بها النظريات الإجرائية الليبرالية الحديثة.

"النتيجة الأساسية التي نستخلصها من هابرماس هي تأسيسه للمنظور القانوني القيمي على استراتيجيات التواصل والنقاش الحر ضمن منظور الاعتراف والتداخل بين الذوات الذي يفضي إلى توافق ذي صلاحية شاملة"[6].

سارتر والفلسفة الوجودية:

جان بول سارتر ( 1905 - 1980 ): هو فيلسوف وروائي وكاتب مسرحي كاتب سيناريو وناقد أدبي وناشط سياسي فرنسي. درس الفلسفة في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. حين إحتلت ألمانيا النازية فرنسا، إنخرط سارتر في صفوف المقاومة الفرنسية السرية. عرف سارتر واشتهر لكونه كاتب غزير الإنتاج ولأعماله الأدبية وفلسفته الوجودية.

الوجودية: تيار فلسفي يميل إلى الحرية التامة في التفكير بدون قيود ويؤكد على تفرد الإنسان، وأنه صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار ولا يحتاج إلى مُوَجِّه. وهي جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة، وليست نظرية فلسفية واضحة المعالم، ونظراً لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار. وتكرس الوجودية في التركيز على مفهوم أن الإنسان كفرد يقوم بتكوين جوهر ومعنى لحياته. ولقد ظهرت كحركة أدبية وفلسفية في القرن العشرين، على الرغم من وجود من كتب عنها في حقب سابقة. فالوجودية توضح أن غياب التأثير المباشر لقوة خارجية (الإله) يعني بأن الفرد حر بالكامل ولهذا السبب هو مسؤول عن أفعالهِ الحرة . والإنسان هو من يختار ويقوم بتكوين معتقداته والمسؤولية الفردية خارجاً عن أي نظام مسبق. وهذه الطريقة الفردية للتعبير عن الوجود هي الطريقة الوحيدة للنهوض فوق الحالة المفتقرة للمعنى المقنع (المعاناة والموت وفناء الفرد).

"الفكرة الرئيسية في الفلسفة الوجودية تتجلى في أن "الوجود يسبق الماهية" بمعنى أن البشر أحرار في تقرير مصيرهم، إذ أنهم يخلقون هويتهم وليسوا متلقين لها. ونحن مسؤولون مسؤولية كاملة عما نؤول إليه.

"الإنسان ليس شيئاً سوى ما يصنعه هو من نفسه" وقدم سارتر الحجج تلو الحجج ضد الفكر الماهوي والجبري.

وعمد في سبيل ذلك إلى أن يصف الحرية في وضوح وبساطة – وبساطة شديدة كما رأى بعد ذلك – بانها شكل لا انفصام له عن الوجود البشري".[7]

الأفكار الأساسية للفلسفة الوجودية:

  • يؤمنون إيماناً مطلقاً بالوجود الإِنساني ويتخذونه منطلقاً لكل فكرة.
  • يعتقدون بأن الإِنسان أقدم شيء في الوجود وما قبله كان عدماً وأن وجود الإِنسان سابق لماهيته.
  • يعتقدون بأن الأديان والنظريات الفلسفية التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحل مشكلة الإِنسان.
  • يقولون إنهم يعملون لإِعادة الاعتبار الكلي للإِنسان ومراعاة تفكيره الشخصي وحريته وغرائزه ومشاعره.
  • يقولون بحرية الإِنسان المطلقة وأن له أن يثبت وجوده كما يشاء، وبأي وجه يريد دون أن يقيده شيء.
  • يقولون إن على الإِنسان أن يطرح الماضي وينكر كل القيود دينية كانت أم اجتماعية أم فلسفية أم منطقية.
  • لا يؤمنون بوجود قيم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه، إنما كل إنسان يفعل ما يريد وليس لأحد أن يفرض قيماً أو أخلاقاً معينة على الآخرين.

الفيلسوف الألماني بيتر سلوتيرجيك (1947 -  )، يرى أنّ السياسة والفلسفة، كما في فترة التأسيس الإغريقية، يمتلكان خاصية مشتركة قوية هي: أنّ كلتيهما بطريقتهما الخاصة عبارة عن فنٍ يهتم بالعالم ككل[8].

ويرى أيضاً أنّ حالتنا الراهنة تشبه إلى حد كبير حالة أوروبا عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، "عصر القلق". ونحن نعيش الحالة نفسها من القلق المرعب والآمال العراض. وبهذا الصدد ينبغي على الفلسفة أن تتحمل مسؤوليتها بخصوص المسألة الأساسية التالية: تشخيص مرض العالم.

ثم يستعرض هذا المفكر الألماني المعاصر ثلاث لحظات من تاريخ الفكر، فهناك أولاً اللحظة الكانطية في أواخر القرن الثامن عشر، في تلك اللحظة اعتقد كانط أنّه وجد التشخيص الملائم لعلاج مرض العصر، وعندئذ بلور قانونه الأخلاقي القطعي الملزم الذي عرف كيف يوفق بين الطابع الأناني للمصلحة الشخصية وبين مقتضيات الصالح العام أو المصلحة العامة. وهكذا جعل التعايش ممكناً بين مختلف الكائنات العقلانية داخل الإطار القانوني للمجتمع البورجوازي في عصره، ولهذا الغرض بلور مبدأه الأخلاقي القطعي الملزم لكل البشر. على النحو التالي: "تصرّف بطريقة أخلاقية معيّنة حيث يصبح فيها سلوكك وكأنه قانون كوني ينطبق على الجميع"[9].

ثم يردف الفيلسوف بيتر سلوتيرجيك قائلاً:  بعد كانط بخمسين سنة ظهر كارل ماركس واضطرّ إلى بلورة مبدأ فلسفي آخر لحلّ مشكلة العصر.

فالظروف تغيرت والمشاكل الملحة اختلفت ، من المعلوم أنّ البؤس المدقع للطبقة العاملة في أوروبا صدمه بعمق، وبناء على ذلك أسّس فكره ونظريته.

على أي حال فإنّ ابتكارية ماركس تكمن في أنّه قام بتحديث المبدأ الأخلاقي القطعي الليبرالي لكانط. لقد حدّثه وطوّره لكي يصبح عبارة عن أطروحة ثورية. تقول هذه الأطروحة الماركسية ما يلي: إنّ الواجب المطلق لكلّ إنسان يكمن في إزالة الأوضاع البائسة التي جعلت منه مخلوقاً فقيراً، بائساً.

بعد مائة سنة من لحظة ماركس ظهرت مشكلة جديدة تتطلب حلاً جديداً أو مبدأ أخلاقياً قطعياً جديداً. وعندئذ ظهر الفيلسوف الألماني هانز جوناس وبلور في السبعينات من القرن العشرين هذا المبدأ الأخلاقي الملزم للبشرية، إذا ما أرادت أن تخرج من الأزمة الجديدة التي تتهددها. وهي الأزمة التي تخصّ الطبيعة والبيئة والمناخ.

 وعندئذ أجرى تعديلاً على المبدأ الأخلاقي الكانطي فأصبح على النحو التالي: "تصرّف دائماً بطريقة تكون انعكاسات أعمالك متوافقة مع مقتضيات الحياة الإنسانية الحقيقية على وجه الأرض". بمعنى آخر: لا ترمي القاذورات في الشارع، لا تفعل شيئاً يؤدي إلى تخريب الطبيعة أو البيئة، حافظ على الطبيعة والبيئة والمناخ بقدر المستطاع[10].

أخيراً، نستنتج من هذا التلخيص للفلسفات الأخلاقية الغربية اهتمام معظم فلاسفتها بالمفاهيم الانسانية وقيم الاخلاق والعدل والمساواة والديمقراطية والمواطنة وفصل السلطات، إلى جانب عدد من الفلاسفة الذين انطلقوا من رؤى وافكار نقيضة للديمقراطية والمساواة.

وفي هذا الجانب، أود التأكيد على أنه بالقدر الذي نؤمن فيه بالديمقراطية والحرية والعدل والاخلاق، إلا أنني أود التوضيح إلى أنه بدون الاعتراف بـ"مجتمع المواطنين" في مجتمعنا الفلسطيني وبلداننا العربية، وبأهمية دورهم في فضاء ديمقراطي تتوفر فيه حرية الرأي والمعتقد والعدالة والمساواة...الخ، يكون الحديث عن التحرر الوطني ومقاومة العدو الصهيوني او تطبيق الديمقراطية نوعا من الأوهام أو الشعارات الانتهازية المضللة، لا يراد بها سوى تكريس استبداد السلطة الحاكمة وتفردها، وتحقيق مصالحها بالدرجة الأولى، لكي تستمر في حكمها الإكراهي التسلطي دون مُنازع.

وفي هذا الجانب فان الوحدة الوطنية لا تعني، في أي حال من الأحوال، طمس الفروق ونفي الاختلاف وإلغاء المصالح الخاصة المتعارضة، بل تعني إعادة بناء الوجود الاجتماعي على مشتركات لا تفاوت فيها بين الأفراد والجماعات ولا تنازع عليها.وبالتالي فان المواطنة وفق تفسيرها الحداثي ، هي الشيء المشترك بين جميع المواطنين، فبدون مبدأ المواطنة لا يمكن أن يقوم مجتمع ديموقراطي حديث تسوده التعددية والحريات والعدالة الاجتماعية في إطار وحدته الداخلية . ومن ثم، يجب إعادة التفكير في مفهوم الدولة الوطنية (والسلطة)، في ضوء الوقائع القائمة على الأرض، أي في ضوء الواقع العياني، إذ أن التفكير في السلطة أو الدولة وإعادة تعريفها في بلادنا، هو في الوقت ذاته تفكير في مستقبل الأمة العربية وإعادة تعريفها، بدلالة الدولة الديمقراطية الحديثة، لا بدلالة الرغبات والأوهام الذاتية أو البرامج والرؤى المستندة إلى منطق الإسلام السياسي، الذي يتجاوز الدولة الوطنية أو القومية أو المنطق السياسي اليميني الهابط الذي يراهن على أوهام التحالف الإمبريالي الصهيوني في صياغة السلطة أو الدولة.


[1]  ابراهيم مجيديلة – حنا أرندت الإنسان في مواجهة تفاهة الشر – موقع: مؤمنون بلا حدود – 31 ديسمبر 2016.

[2]  ابراهيم مجيديلة – المصدر السابق.

[3]  مجزوءة الأخلاق – الانترنت .

[4] سيد ولد أباه - نظريات معاصرة في الأخلاق  - -الأخلاق: بين المعيارية والإجرائية– الانترنت  - 15/4/2012.

[5] سيد ولد أباه – المصدر السابق.

[6] سيد ولد أباه – المصدر السابق.

[7] كامي وسارتر- رونالد أرونسون – ترجمة: شوقي جلال – عالم المعرفة – العدد 334 – ديسمبر 2006 – ص69

[8] هاشم صالح هل من سياسي بلا أخلاق-  موقع مؤمنون بلا حدود -   8 أغسطس 2015 .

[9] هاشم صالح – مصدر سبق ذكره.

[10] هاشم صالح – مصدر سبق ذكره.