Menu
حضارة

التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني (ج5)

غازي الصوراني

المذاهب والفلسفة الإسلامية:

أ. المذاهب الإسلامية:

مارس المفكرون الإسلاميون نوعاً من الاجتهاد على نطاق واسع خلال القرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية، وكان من نتيجة هذا الاجتهاد بروز المذاهب التي يتوزع المسلمون بينها إلى يومنا هذا، ومن المعروف أن الاجتهاد قد توقف منذ القرن الثاني عشر الميلادي تقريباً، أو ما يمكن أن نطلق عليه حالة الانقطاع الفكري، حيث تجمد الفكر كما يقول د. سمير أمين في مدارس المذاهب المذكورة وضاق هامش التفسير الحر للشريعة، فلم يعد من الممكن الخروج عن حدود المذاهب المعترف بها ، وفي هذا السياق ، يقول د.الجابري في كتابه الهام " تكوين العقل العربي "، إن " الثقافة العربية الاسلامية تنقسم إلى ثلاث مجموعات:

1. علوم البيان من فقه ونحو وبلاغة.

2. علوم العرفان من تصوف وفكر شيعي وفلسفة وطبابه وفلك وسحر وتنجيم.

3. علوم البرهان من منطق ورياضيات وميتافيزيقيا.

ويتوصل إلى أن الحضارة الاسلامية هي حضارة فقه، في مقابل الحضارة اليونانية التي كانت حضارة فلسفة، لقد تجمدت الحضارة العربية عند الفلسفة اليونانية، وغاب عنها العنصر المحرك: التجربة، بعد أن غلب عليها اللاهوت أو علوم العرفان أو اللامعقول ". ثم يستطرد د.الجابري بالقول " إن العقل البياني العربي لا يقبل بطبيعته التجربة لأنه يحتقر المعرفة الحسية ويترفع عن التجربة ويتعامل مع النصوص أكثر من تعامله مع الطبيعة وظواهرها، ويعود السبب في ذلك كما يقول إلى "أن الفلسفة اليونانية التي أخذها العرب عن الإغريق كانت فلسفة تؤكد على مجتمع السادة والعبيد، ولا تؤمن بالتجربة لأنها من أعمال العبيد ( وكذلك جميع الحرف )، أما السادة فهم من نوع " أعلى " ومهامهم تنحصر في التفكير والنظر وانتاج الخطاب " وكانت المحصلة أن "إنجازات العرب في اللغة والفقه والتشريع شكلت قيوداً للعقل الذي أصبح سجين هذا البناء من الركود والتخلف ".

ورغم ذلك فإن الجابري لا ينكر دور العلماء والعلم العربي عموماً في تأسيس طريق النهضة الاوروبية وبالذات أبن رشد، والحسن بن الهيثم ( توفى عام 430 هـ) الذي عرف بنظرياته في علم الضوء والبصريات التي كانت أساساً أو قواعد علمية بني عليها غاليليو وغيره فيما بعد، ولكن ابن الهيثم كان غريباً في الثقافة العربية في حين أن الغزالي كان حاضراً بقوه وإصرار إلى يومنا هذا، ابن الهيثم رأى الحقيقة في العلم، أما الغزالي فرأى طريق الحقيقة في التصوف.

لقد نشأت المذاهب الفكرية الإسلامية الأولى في عصر الخلفاء الراشدين، وكانت بداية الاختلاف في عهد عثمان بن عفان، الذي تطور فيما بعد إلى نزاع بين علي ومعاوية على الخلافة بعد عثمان، ذلك النزاع الذي تحول إلى حرب بينهماَ فرَّقت بين المسلمين وجعلتهم شيعاً وأحزاباً منذ ذلك الوقت إلى أيامنا هذه.

أولاً/ كانت البداية في بروز "جماعة الخوارج" التي نشأت عام 37 هجري ( 657 م) :

وعرف عنها العداء الشديد لعثمان بن عفان في أواخر سنوات حكمه؛ إن البدايات الأولى للخوارج تعود إلى جماعة " القُراَّء " ( حفظة القرآن الكريم ) الذين تميزوا بالزهد والتنسك، وكانوا "علماء" الأمة قبل أن تعرف الحياة الفكرية " الفقه " والفقها ، رفضوا التحكيم بين علي ومعاوية وطالبوا علي بقتال معاوية.

لخَص الخوارج موقفهم من نظام الحكم بأن "السلطة العليا للدولة هي الإمامة والخلافة" وقرروا أن المسلم الذي تتوفر فيه شروط الإمامة له الحق أن يتولاها بصرف النظر عن نسبه وجنسه ولونه ( ليس شرطاً عندهم النسب القرشي أو العربي لمن يتولى منصب الإمام ).

أجمعوا على أن الثورة تكون واجبة على أئمة الفسق والجور إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلاً فأكثر.

ثانياً/ جماعة المرجئة:

وهي من الإرجاء، بمعنى التأجيل، وهذا المصطلح قد عنى في الفكر الإسلامي، الفصل بين الإيمان باعتباره تصديقاً قلبياً ويقينياً داخلياً غير منظور، وبين العمل باعتباره نشاطاً وممارسة ظاهرية قد تترجم أو لا تترجم عما بالقلب من إيمان، وخلاصة قولهم أن الإيمان هو المعرفة بالله ورسله وما جاء من عنده، وما عدا ذلك ليس من الإيمان، ولا يضر هذا الإيمان ما يعلن صاحبه حتى لو أعلن الكفر وعبد الأوثان؛ فما دام العمل لا يترجم بالضرورة عن مكنون العقيدة فلا سبيل إذاً للحكم على المعتقدات، وما علينا إلا أن نرجئ الحكم على الإيمان إلى يوم الحساب، وتلك هي مهمة الخالق وحده وليست مهمة أحد المخلوقين في الحياة الدنيا.

ثالثاً/ المعتزلة:

جذورهم تعود إلى تيار أهل العدل والتوحيد الذي كان من أبرز قادته الحسن البصري المعروف بعدائه للنظام الأموي، تصدى هذا التيار لعقيدة " الجبر التي أظهرها الأمويون " وعارضها بإظهار موقف الإسلام المنحاز إلى حرية الإنسان واختياره وقدرته، ومن ثم مسئوليته عن أفعاله، ثم جاء " واصل بن عطاء " الذي حدد الأصول الفكرية الخمسة للمعتزلة وهي: العدل _ التوحيد_ الوعد والوعيد_ المنزلة بين المنزلتين_ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لقد كانت المعتزلة من أصدق الفرق في الإسلام الذين جمعوا بين النص والممارسة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكانوا ضد الأشعري الذي قال: " إن السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية، وأن الإمام قد يكون عادلاً أو غير عادل وليس لنا إزالته حتى وإن كان فاسقاً، كما كانوا نقيضاً أيضاً لأحمد بن حنبل الذي يقول: " إن من غلب بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت ولا يراه إماماً عليه ، براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين (وهناك قول لأحد أئمة ذلك العصر يسندوه لأبي حنيفه ينص على أن " ستون عاماً في ظل حاكم ظالم لهي أفضل من ليلة واحدة دون حاكم ".

لقد كان موقف المعتزلة نقيضاً _ كما يقول المفكر الاسلامي المستنير الدكتور محمد عمارة _ لكل هذه المذاهب فقد أوجبوا النهي عن المنكر باليد واللسان والقلب، لقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندهم عملاً سياسياً واجتماعياً في آن واحد لأن الأمر بالمعروف عندهم هو من فروض الكفاية وواجباتها، ومعلوم أن فروض الكفاية أكثر أهمية من فروض الأعيان، (المقصود بالأعيان الصلاة والصوم والزكاةالخ ) لأن تخلف قيام فرض العين يأثم به من أهمل فيه ، أما تخلف قيام فرض الكفاية فالذي يأثم به الأمة جمعاء, إن روعة المعتزلة تكمن في أن أمرهم بالمعروف كان يستند إلى الأمر به فقط وليس مطلوباً حمل الغير على الامتثال بهذا الأمر ( فالواجب هو الأمر بإقامة الصلاة، لا حَمل تاركها على القيام بها ) أما بالنسبة لفرض الكفاية فقد دعوا إلى سل السيف وتجريده ضد الحاكم أو الإمام الجائر. 

لقد كان د. محمد عمارة محقاً إلى أبعد الحدود حينما وصف المعتزله بأنهم فرسان العقلانية في الحضارة الإسلامية، فقد مثلوا تياراً عقلياً في الفكر العربي الإسلامي تميز بالنظرة الفلسفية لأمور الدين والدنيا حتى قبل حركة الترجمة عن اليونان، فالعقل عندهم هو " وكيل الله " عند الإنسان جعل إليه قيادة نشاطاته وهم يطلبون أن يدعم الإنسان عقله الغريزي بعقله المكتسب فذلك هو السبيل لبلوغ غاية الكمال كما يقول " الجاحظ ".

ويضيف الدكتور حسين مروه إلى كل ما تقدم _ دون أن يتناقض معه _ بعداً فلسفياً للمعتزلة أورده في كتابه الموسوعي القيمِّ " النزعات المادية في الإسلام " بقوله: "أن المعتزلة استشرفوا إدراك وجود قوانين موضوعية في الطبيعة تجري وفقها الظاهرات الطبيعية كلها، وأن (القدر ) عندهم بخيره وشره من الإنسان، وأن الإنسان متفرد بين مختلف الكائنات تميزه الحرية في الاختيار لأفعاله، وأن امتلاكه خاصة العقل هو المصدر والأصل في تفرده بتلك الميزة.

 

رابعاً/ الشيعة:

وهي تعني لغوياً الأنصار أو الأعوان ، أما في إطار الفكر الإسلامي فقد غلب هذا المصطلح " الشيعة " على الذين شايعواً وناصروا علي بن أبي طالب (600م _ 661 م) والأئمة من بنيه. والشيعة تنقسم إلى عدة تيارات، لكن التيارات الرئيسة ظلت هي:

     أ. الإمامية الإثني عشرية      ب. الزيدية       ج. الإسماعيلية

وفي هذا السياق نورد هنا الموقف الديني السياسي الحالي للنظرية الشيعية في إيران بعد الثورة الإسلامية والذي يستند على "أن الفكر الشيعي يجعل للرسول كل ما لله في سياسة المجتمع وعقيدة أهله، وبعد الرسول أصبح كل ما له للإمام، وبعد غيبة الإمام فإن كل ما للإمام _ الذي هو كل ما لله وللرسول _ هو للفقيه أو آية الله الذي يقع عليه الإجماع، وهذا ما يسمى في الفكر الشيعي السياسي " ولاية الفقيه".

خامساً/ ظاهرة الزهد والتصوف:

في كتابه " النزعات المادية في الإسلام " يقول د. مروه بأن: حركة التصوف بدأت وجودها الجنيني ببدء حركة الزهد[1] خلال القرن الأول الهجري، ويؤكد على ضرورة التفريق بين زهد بعض كبار الصحابة وبين زهد بعض علماء المسلمين بعد الانتفاضة ضد عثمان.

ويفسر ذلك بقوله " إن زهد كبار الصحابة اتسم بطابع أخلاقي، تأثر بالنشأة الأولى للإسلام والمسلمين واقتصر على التزام أسلوب العيش اليومي البسيط دون أن يشكل ظاهرة عامة.

إن الخلاصة التي يتوصل إليها د. مروه أن التصوف بدأ تطوره التاريخي عبر حالة جنينية أولى كان الزهد فيها مسلكاً عدمياً ثم تطور إلى موقف فكري يتضمن معارضة ذات وجهين: الأول ديني ويرتكز إلى التأويل أي استخراج المعنى من الباطن، والثاني سياسي يدعو ألى استنكار الظلم الاجتماعي والاستبداد، ثم انحدر إلى شكل من أشكال الوعي الفلسفي بالذات في القرون الوسطى[2] ليصبح تعبيراً عن موقف إيديولوجي لا يختلف عن موقف الأفلاطونية المحدثة أو الفلسفة المدرسية الرجعية.

سادساً/ القرامطة [3]:

"يرى القرامطة أن والسلاطين أنزلوا الجماهير إلى مستوى العبودية الاجتماعية والشقاء المادي فأعلنوا أنهم يريدون ارجاع العدل الاجتماعي وإنشاء الرفاه المادي! وقد حاول حمدان قرمط إنجاز ذلك بتأسيس مجتمع اشتراكي لأتباعه في السواد".

بعد أن نشر حمدان قرمط مبادئه على مريديه فرض عليهم بالتدريج سلسلة من الضرائب انتهت بنظام الألفة وهو: "أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد يكونوا فيها أسوة واحدة ولا يفصل أحد منهم صاحبه أو أخاه".

ويعد ذلك الاجراء الأول من نوعه في تاريخ الإسلام فقبل حمدان كانت الأموال تجمع من الاتباع لترسل إلى الإمام أما في الوضع الجديد فإنها تصرف على أولئك الأتباع!

ب. الفلسفة الإسلامية:

تميزت الفلسفة الإسلامية عبر رموزها من الفلاسفة المسلمين بغض النظر عن أصولهم عرباً أو فرساً بآليات ذهنية أو عقلية مشتركة في الجوهر بالرغم من اختلافها في الاجتهاد، هذه الآليات يجملها لنا د. نصر حامد أبو زيد[4] فيما يلي:

تفسير الظواهر كلها برَدِّها جميعاً إلى مبدأ أول أو علة أولى، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية. والاعتماد على سلطة " السلف أو التراث " وذلك بعد تحويل النصوص التراثية _ وهي نصوص ثانوية_ إلى نصوص أولية، تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل _ في كثير من الأحوال _ عن النصوص الأصلية. واليقين الذهني والحسم الفكري " القطعي " ورفض أي خلاف فكري _ من ثم _ إلاَ إذا كان في الفروع والتفاصيل دون الأسس والأصول. وإهدار البعد التاريخي _ ( في شكله الحاضر ) _ وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي يستوي في ذلك العصر الذهبي للخلافة الرشيدية وعصر الخلافة التركية العثماني .

وفي هذا الصدد فإنه لمن المفيد الإشارة إلى أن الفلاسفة المسلمين توزعوا إلى اتجاهين[5] ( لا يختلفان في الجوهر كما قلنا ) الأول: جماعة أطلق عليهم اسم الفلاسفة المنطقيين أو الآلهيين (ميتافيزيقيين)، وقد كان لهم دور كبير في التفكير الإسلامي سواء في المشرق، مثل الكندي، الفارابي، وابن سينا وإخوان الصفا أو في المغرب مثل ابن رشد[6] (1126 - 1198)، أما الاتجاه الثاني فقد عرفوا بالفلاسفة الطبيعيين أو العلماء وأشهرهم أبو بكر الرازي.

إخوان الصفا: يرى " إخوان الصفا " أن تحصيل المعرفة الإنسانية يتم بثلاث طرق هي:

 1. أعضاء الحواس                  2. العقل                  3.  الحدس

كانوا من أنصار توحيد جميع الأديان والمذاهب الفلسفية على أساس من المعارف العلمية والفلسفية التي تُخلِّص الدين من الأوهام والخرافات، ومن أجل بلوغ الكمال يجب الجمع بين الفلسفة اليونانية والشريعة الإسلامية.

عملوا على أن " تتفوق العلاقة بينهم لتكون أقوى من علاقة الأب بابنه والأخ بأخيه، مزجوا الآيات القرآنية بمذهبهم ترغيباً للشباب في الإقبال على هذه التعاليم، لاقت تعاليمهم اهتماماً لدى المعتزلة الذين تداولوها سراً، ترجمت رسائل إخوان الصفا إلى اللاتينية والألمانية وكان لها قيمة هامة في أوربا حسب ما يؤكد عدد من الكتاب والمفكرين.

أخيراً.. لقد استهدفنا عبر كل ما قدمناه، تقديم صورة موضوعية مبسطة للمذاهب والفلسفة الإسلامية، ليس فقط للفهم والتأمل بقدر ما هي دعوة لإعمال العقل ونقد كل مظاهر ومكامن التخلف لحفز إرادة العمل وإرادة النهضة والتحرر والتقدم، خاصة وأن الكثير من ممارساتنا وأنماط تفكيرنا اليوم كما يرى د. فوزي منصور في كتابه " خروج العرب من التاريخ " لا يختلف كثيراً في الجوهر عن ردود الفعل التي قابل بها الهنود الحمر أو الأستراليون الأصليين غزاتهم، وأن المصير ذاته ينتظرنا ما لم نسارع إلى تغيير أوضاعنا وهذه العملية لن تتم في رأيه بدون " ثورة حقيقية في الفكر الديني تخرجه من أطر العصور الوسطى وتحوله من قيد على التطور الاجتماعي إلى واحد من أهم منابعه".

 

[1] أهم شعارات حركة الزهد قولهم "أن حب الدنيا رأس كل خطيئة"والزهد راس كل خير وطاعة".

[2] من أبرز دعاة التصوف،الغزالى ومحى الدين بن عربى والسهرورى.

 [3]مي محمد خليفة – من سواد الكوفية إلى البحرين (القرامطة من فكرة إلى دولة) - المؤسسة العربية للدراسات والنشر – 1999 .

[4] قضايا فكرية-دراسة بعنوان الخطاب الدينى المعاصر-عدد خاص عن التيارات الدينية –ص45.

[5] محمد السيد نعيم و د.عوض حجاذى-الفلسفة الاسلامية وصلاتها بالفلسفة اليونانية-دار الطباعة المحمدية بالاذهر-القاهرة الطبعة الثانية-1959-ص171.

[6]  الذي دعا إلى أن يعمل الانسان من أجل إسعاد المجموع، اما المصلحجة العامة في نظره فهي مقياس قيم الافعال من حيث الخير والشر، والعمل الخلقي عنده، هو ما يصدر عن عقل وروية.