Menu
حضارة

التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني (ج7)

غازي الصوراني

2-2 : الأخلاق العربية الإسلامية :

أشير في هذا السياق إلى الحقبه العثمانية واستبدادها طوال أربعة قرون امتدت منذ القرن السادس عشر حتى أوائل القرن العشرين، وما أدى إليه الاستبداد العثماني من بروز عدد من المفكرين الإسلاميين في مقاومة ذلك الاستبداد، من بين أهمهم عبد الرحمن الكواكبي (1846 – 1902) الذي اشتهر عبر مواقفه وكتبه، خاصة كتابه "طبائع الاستبداد" الذي يقول فيه "أنّ الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، التي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقَّقَين"[1].

ثم يعطينا صفات المستبد:

  1. "المستبدّ: يتحكَّم في شؤون النّاس بإرادته لا بإرادتهم ، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنَّه الغاصب المتعدِّي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من النَّاس يسدُّها عن النّطق بالحقّ والتّداعي لمطالبته".
  2. "المستبدّ: عدوّ الحقّ، عدوّ الحّريّة وقاتلهما، والحق أبو البشر، والحرّيّة أمّهم، والعوام صبية أيتام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم إخوتهم الرّاشدون، إنْ أيقظوهم هبّوا، وإنْ دعوهم لبّوا، وإلا فيتَّصل نومهم بالموت"[2].

"فإذا ما أرادت الرّعيّةُ النهوض من حالة التّخلّف والاستبداد والفقر والانحطاط، ووضع قدمها على الطّريق الصّحيح والسّير في طريق التقدّم والازدهار ومباراة الأمم المتقدّمة في العالم، فإنّه يتعيّن عليها التخلّص من الاستبداد السّياسيّ بكافّة أشكاله، وإشاعة العلم والحريّة والدّيمقراطيّة، والقضاء على الجهل والتّخلّف، والسّبيل لبلوغ ذلك تنوير العقول ونشر المعرفة بين الشّعوب المحكومة بالاستبداد"[3].

"يعيد الكواكبي صياغة تعريف الاستبداد بقوله: "هو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم".

يؤكد الكواكبي على فصل السلطات حيث يقول: ~لا إتقان إلا بالاختصاص أي أن تختص كل سلطة بفرعها دون التعدي على سلطة أخرى أو الجمع بين أكثر من سلطة"[4].

وعن الاستبداد والأخلاق، يقول الكواكبي:

"يسلب الاستبداد الراحة الفكرية، فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرض العقول ويختل الشعور على درجات متفاوتة في الناس، ولهذا فإن الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة للعامة فضلا عن الأجسام فيفسدها كما يريد ويتغلب على تلك الأذهان الضئيلة فيشوش فيها الحقائق بل البديهيات كما يهوى، فترى أنه قد قبل الناس من الاستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقّه مطيع، والمشتكي المتظلّم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين، وقد اتبع الناس الاستبداد في تسمية النصح فضولا، والغيرة عداوة، والشهامة عتوّا، والحمية حماقة، والرحمة مرضا، كما جاروه على اعتبار أن النفاق سياسة والتبجيل كياسة والدناءة لطفا والنذالة دماثة[5].

تسويغ الفقر:

وفي هذا الجانب، أشير إلى أهمية الاطلاع على ما كتبه عدد من فقهاء المسلمين الذين دافعوا عن مصالح الاغنياء، وقاموا بدعوة الفقراء إلى مزيد من الصبر والزهد لكي يسبقوا الاغنياء في دخول الجنة.

يقول د. حليم بركات- "أن التراث الديني دعا للزهد وقلل من أهمية هذا العالم فأسماه "الدنيا" و "البسيطة " وردت في كتابه احياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي (المتوفي عام 55هـ /1111م) أحاديث عن "فضيلة الفقر على الغنى" ومن هذه الأحاديث ما يلي: " يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام، "إن لكل شيء مفتاحاً ومفتاح الجنة حب المسلمين والفقراء لصبرهم، هم جلساء الله تعالى يوم القيامة"[6]. "أحب العباد إلى الله تعالى الفقير القانع برزقه"، "الجوع عند الله في خزانة، لا يعطيه إلا لمن أحبه"، "اذا رأيت الفقير مقبلاً، فقل مرحباً بشعار الصالحين". "إن الصبر هو أهم القيم السائدة في التراث المصري المملواء بالدعوة إلى الصبر"[7].

استخدام الدين كأداة مصالحة مع الواقع المرير[8]:

كما يستخدم الدين أداة سيطرة أو أداة تحريض، قد يستخدم من قبل الطبقات الشعبية المسحوقة العاجزة في تكيفها مع واقعها الأليم المحبط، يحدث ذلك حين تحول الأوضاع السائدة الطبقات الشعبية إلى كائنات عاجزة منشغلة بمهمات تدبير شؤون معيشتها، فلا يكون لديها في مثل هذه الأوضاع سوى خيارين: إما أن تلجأ إلى العنف العبثي أو إلى الاستسلام، عندما لا تتوفر لها إمكانيات تأسيس حركات ثورية تعمل من ضمنها على تغيير واقعها تغييراً جذرياً .

ويقول لنا عبدالله العروي في كتابه مفهوم الدولة، ان العبارة – الإسلام دين ودوله – وصف للواقع القائم منذ قرون، أي لحكم سلطاني مطلق يحافظ، لأسباب سياسية محضة، على قواعد الشرع.

إن المجتمع العربي اليوم يعاني من حالة فوضى مستفحلة في بناه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وتركيبته الشخصية وأنماط سلوكياته، نتج عنها كما يقول حليم بركات (المجتمع العربي المعاصر) حالة اغتراب مستعصية تتجلى في تبعيته الاقتصادية والسياسية والثقافية، وهو مجتمع عاجز يترنح بين الخضوع والعزلة والمواجهة، وذي إمكانيات متعطلة… قاسى ويقاسي من حرمان وهضم حقوق، وهو متداعي تسيطر عليه الجماعات الوسيطة ويمر بمرحلة انتقالية للتغلب على الفقر والتخلف وهو متحرك وممزق ودائم الصيرورة… بمعنى انه دائم الفوران، لم يستقر ويثبت بعد ليرى نفسه وذاته، بعد سنين طويلة ظاهرها الفوضى وباطنها التخلف، والذي يقول عنه هشام شرابي (النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي)… إنه مجتمع يعاني من تخّلف من نوع أخر فهو ليس تخلفا اقتصاديا أو إنمائيا أو تربويا بل  يكمن في أعماق الحضارة الأبوية والصراعات الطائفية التي تسري في كل أطراف المجتمع والفرد وتنتقل من جيل إلى جيل كالمرض العضال… حتى أن شرابي يحسم الأمر ويسدّها في وجوهنا فيقول " إن هذا المرض (التخلف) لا تكشف عنه الفحوص وتعجز عن تفسيره الأرقام والإحصائيات والنسب، وهو ذي حضور دائم لا يغيب عنا لحظة في حياتنا، نتقبّله –في معظمنا- من غير وعي ونتعايش معه حتى الموت بعجز وبلاعقلانية.. حتى تجسّد ذلك في إصابة المجتمع بالشلل والتراجع والانكسارات المتكررة مما سبب …و(أدى)…إلى انهيارات داخلية، اذ نواجه مرضا عضالا حسب طرح هشام شرابي فلا شفاء منه خلال وقت قصير إلا بالموت والتحلل، أو بالتفكك وإعادة التركيب والبناء من جديد[9].

تصورات مستقبلية:

اعتبر د. هشام شرابي أنه من الصعب بلورة سيناريو مشرق لمستقبل النظام الأبوي الحديث، وإنه من الأصعب أيضا الحديث عن متطلبات العمل الثوري الذي يجب أن يتم كنتاج عملية تغيير واسعة المدى، في ثلاثة مجالات أساسية: في البنى التحتية الاقتصادية، والمؤسسات الاجتماعية والمؤسسات السياسية. وبالتالي، إن التحرر أو التحرير لن يحدث "كانفجار فوري"، حيث إن التحرر ليس متعلقا بالأسلوب الكلاسيكي للسطو على السلطة، لأن السلطة لا تتمثل فقط في ظواهرها التقليدية الخارجية، لكنها تشمل، أيضاً، الشبكات والممارسات الاجتماعية. وبالتالي، لا تشكل عملية "إسقاط نظام طاغية أو رجعي" ضماناً كافياً للتوصل إلى الحرية والعدالة، لأن أحد شروط التحرر هو القضاء على التصور القديم الأبوي المستحدث للثورة[10].

وفي مواجهة النظام الأبوي العربي المتخلف ، يرى د.علي الكنز بضرورة إعادة قراءة فلسفة ابن رشد، لتجاوز الشرخ الحاصل بين ''السلطة الدينية'' و''السطة المدنية'' الرسمية، لا من أجل العودة إلى ''اللحظة الرشدية'' التي جاءت في سياق القرن الحادي عشر الميلادي، وإنما للإستفادة من تلك الرؤية التي استطاعت إيجاد صيغة تتجاوز ثنائية ''السلطة المدنية'' و''السلطة الدينية''، والتناقض الحاصل بين الانتماء إليهما في أذهان الكثير من المسلمين المعاصرين·

وجاءت دعوة د.الكنز هذه، في ضوء اتساع الهوة بين ''السلطة الدينية'' و''السلطة المدنية'' والتي اتخذت المسجد وبعض الرموز الدينية مسرحا لها، وأن الناس في عموم البلدان العربية الإسلامية كثيرا ما يبدون ولاءهم إلى السلطة الدينية على حساب الولاء السلطة الرسمية التي تصور في ''لاشعورهم الجمعي'' أنها غريبة عنهم وفرضتها الظروف عليهم"[11].

وفي هذا الجانب أشير إلى رموز النهضة العربية الحديثة سلامة موسى وشبلي شميل وعلي عبد الرازق وأحمد أمين وطه حسين وغيرهم... وضرورة إعادة نشر أفكارهم وتطورها بما يخدم متطلبات النهوض في المرحلة الراهنة.

أخيراً لا بد من طرح هذا السؤال: "ما هي أهم إشكاليات الفكر الفلسفي العربي في الأعوام المائة الأخيرة؟  هناك خمس إشكاليات رئيسية[12]:

الأولى التقليد والحداثة بصياغاتها المتعددة مثل القديم والجديد، التراث والتجديد، الأصالة والمعاصرة، التي تعبر عن وجود العرب في التاريخ بين زمنين، زمن القدماء وزمن المحدثين.

والإشكالية الثانية العقل والعقلانية استئنافاً للإشكالية القديمة الصلة بين العقل والنقل عند المتكلمين أو الفلسفة والدين عند الفلاسفة.

والإشكالية الثالثة هي الحرية في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، والحرية والعقل كلاهما مظهر لأصل العدل في التفكير الاعتزالي القديم.

والإشكالية الرابعة الأخلاق، وهي ما يعادل الحكمة العلمية عند القدماء .

والإشكالية الخامسة هي الإشكال السياسي، فالأخلاق والسياسة هما المكونان الرئيسيان للحكمة العلمية عند القدماء، سواء كان الفكر السياسي من الموروث أو من الوافد مثل سبينوزا أو فوتيكو أو فولتير أو هيجل أو سان سيمون أو ماركس و لينين وماو ، في الفكر العربي المعاصر[13].

"كما ظهرت التيارات الثلاثة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر منذ القرن التاسع عشر:

التيار الإصلاحي الذي أسسه الأفغاني ، والتيار الليبرالي الذي أسسه الطهطاوي، والتيار العلمي العلماني الذي أسسه شبلي الشميل وسلامة موسى في الأقطار العربية كافة"[14].

وظهرت امتدادات الفلسفة الغربية في القرن العشرين في الفكر العربي المعاصر مثل الوجودية. كما ظهرت الدعوات لإقامة فكر نظري خالص مرتبط بفلسفة العلم من اجل التخفف من ثقل الفكر الميتافيزيقي الخالص، وذلك في "الفكر المصري والعربي المعاصر كما هو لدى زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا"[15].

ويظل الموضوع مفتوحاً من أجل تجاوز الوصف والتاريخ إلى الاجتهاد والتطوير، ونقل الفكر العربي المعاصر نقلة نوعية قادرة على إحداث تغيير ديمقراطي جذري في الواقع العربي المعاصر.

 

 

 

 


[1]  محمد الحداد – ما هو الاستبداد؟! – الحوار المتمدن – العدد 3046 – 27/6/2010.

[2]  محمد الحداد – المصدر السابق.

[3]  سامي الشّيخ محمّد – فلسفة الاستبداد والاستعباد عند عبد الرحمن الكواكبي – الانترنت- 23/12/2005

[4]  غانم الجمالي – طبائع الاستبداد للكواكبي – الانترنت – 30 مارس 2012

[5]  غانم الجمالي – المصدر السابق

[6]  حليم بركات – المجتمع العربي في القرن العشرين .. الدين في المجتمع العربي – مركز دراسات الوحدة العربية- ط1 – بيروت – تموز/ يوليو 2000 - ص481

[7]  حليم بركات – المصدر السابق - ص 481

[8]  حليم بركات – المصدر السابق - ص 496

[9]  علي نجم الدين – التفسيرات النظرية للفوضى – الانترنت.

[10] نهى خلف – كيف نستعيد هشام شرابي.. التراكم المعرفي ونقد المجتمع والذات – 27 ابريل 2015.

[11] الخير شوار – علي الكنز يدعو إلى "رشدية جديدة – الانترنت – 23/8/2010.

[12]  حسن حنفي-الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام- مركز دراسات الوحدة العربية–مجموعة باحثين–بيروت– ط1- ديسمبر 2002 – ص9

[13]  حسن حنفي - المصدر السابق -  ص9

[14]  حسن حنفي - المصدر السابق -  ص9

[15] حسن حنفي - المصدر السابق -  ص11