Menu
حضارة

المقاومة دون استعادة الشارع تبقى تضحية بريئة

د. عادل سمارة

تقود الولايات المتحدة معسكر الثورة المضادة بما هي رأس المركز الرأسمالي المعولم، والذي يتضمن حلفاء، أي الاتحاد الأوروبي، وأدوات، أي الكيان الصهيوني، وعملاء، أي معظم الأنظمة العربية التابعة وخاصة أنظمة الدين السياسي وعلى رأسها (الريعية النفطية)، ويضيء لجميع هاتيك القوى مثقفوا الطابور السادس الثقافي الذين يتخندقون لصالح الثورة المضادة وضد المشروع العروبي، ويتقارب معهم، عن وعي أو عدم وعي، فريق المثقف المُنشبك الذي يدافع عن الأنظمة العربية التقدمية أو ما تسمى مجددًا (وبلا أسانيد) أنظمة الدولة الوطنية بدل ال قطر ية، دفاعًا من طراز المبايعة، مما يقتل قدرتهم أنفسهم على التطور، وبالتالي يعجزون عن إفادة الآخرين.

أمام هذا الحلف بواقعه ومقاصده واتساعه، يتضح لكل ذي نظر أن التناقض مع هذا الحلف هو تناحري، وبالتالي فهو أمر يجترح وجوب المقاومة على قاعدة شعبية واسعة في القطر الواحد وعلى الصعيد العروبي. وإذا كانت الثورة المضادة في الوطن العربي ترتكز على الإمساك بمواقع السلطة ورأس المال سواء الريعي والطفيلي والكمبرادوري وإيديولوجيا الدين السياسي، وكلها في صالح السوق طبعًا، فإن التصدي والمقاومة لها يشترط: تبلور تيار/حزب شعبي عروبي إشتراكي ليشكل حاضنة فكرية وموجه رأي عام لصالح المشروع العروبي، وفي مقدمته قوى المقاومة. وستكون أولى وأشق مهامه تخليص الطبقات الشعبية العربية من مآزق ثلاثة تعرضت لها، وهي:

- سيطرة إيديولوجيا أنظمة وقوى الدين السياسي بعد هزيمة حزيران وانحسار القوى القومية والشيوعية.

- حلول الإعلام وخاصة الفضائيات، محل الأحزاب، وتحولها إلى مصدر توجيه الرأي العام، حيث تحول معظم الشعب العربي إلى مشاهدين محايدين لا فاعلين ولا حتى مهتمين في صراع يحدد مصيرهم. إن حلول الفضائية محل مواقف الحزب، والمحلل فيها محل المفكِّر الحزبي، وبرامجها المشوهة والمتخلفة والمسمومة محل الكتاب، كل هذا أدى إلى فقدان قوى الثورة للشارع.

- بعيدًا عن دور النظام السعودي ضد الأمة العربية، وخاصة بعد عدوان 1967، فقد بدأ هذا الإهلاك مع عام 1991 حين شاركت أنظمة عربية الحرب الإمبريالية/الصهيونية الثلاثينية ضد العراق بحجة "تحرير" الكويت ، وهي المشاركة التي أرست قبول الشارع العربي بعدوان قطر عربي ضد آخر وتحت قيادة العدو الرأسمالي الغربي. وعليه، صار "طبيعي" أن تقوم دول عربية بالعدوان حتى المباشر ضد دول عربية أخرى حيث اتخذ ذلك:

- عدوان أنظمة وقوى الدين السياسي ضد دول عربية أخرى عبر ضخ الإرهابيين إلى ليبيا وسوريا والعراق وتوفير التدريب والتسليح والتمويل لهذه الحرب، مما ساهم في حصول التحسن النسبي في اقتصادات الغرب، وخاصة الاقتصاد الأمريكي إثر الأزمة الممتدة 2007-2008.

- العدوان العسكري المباشر من نظام عربي ضد دولة عربية أخرى، سواء مشاركة قطر والإمارات في ذيل الناتو في قصف ليبيا، أو الحرب العدوانية المباشرة السعودية الإماراتية ضد اليمن، ومشاركة السودان فيها بدفع آلاف من جنودها في حالة ارتزاقية، والدور المصري في حصار اليمن ضمن نفس العدوان. وهذه الأمور المعروفة والمكشوفة، تستدعي التوعية والتثقيف بوجوب الطلاق بين الشعبي والرسمي ارتكازًا على حقيقة أن هذه القوى المضادة هي لا وطنية، ولا عروبية، ولا تنموية، ولا ديمقراطية، وهذا يُبعد الحركة الثورية من كارثة العلنية. فالعلنية، هي مجرد معارضة أو رفض لأنظمة نقيضة للوطن والشعب، ولكن المعارضة علنية بل إعلامية/إعلانية، مما جعل دور هذه المعارضة شكلانيًا، وبالتالي اعتادت الأنظمة على قصقصة أغصان هذه النبتة الضعيفة التي تعيش تحت جناحها كلما شعرت بنمو أعلى من الحد المطلوب لهذه النبتة.

ولعل أشد المفارقات في هذا الصدد هو الحالة الفلسطينية في المحتل 1967، فمنذ عام 1977 حينما تمكن الليكود من استلام السلطة بديلًا لحزب العمل في الكيان الصهيوني الإشكنازي، اتبع الليكود سياسة فتح منافذ كشف الذات من قبل قوى وجماهير المقاومة. أخذ الليكود بالسماح بكتابة إعلانات النعي للشهداء والتهنئة للمُفرج عنهم من السجون مما سهَّل على المخابرات الصهيونية معرفة الإطار الشعبي لكل تنظيم وعبر غربلة الأسماء ومتابعة الأشخاص كانت تقترب من معرفة أو كشف خلايا سرية.. تفاقم هذا المرض بإحضار العدو الأمريكي الصهيوني ل م.ت.ف إلى المحتل 1967 عبر اتفاقات أوسلو وبروتوكول باريس؛ الأمر الذي ترتب عليه فتح مكاتب علنية للتنظيمات، وتحرك كثير من الكوادر بشكل علني سواء في النشاطات في المكاتب العلنية ومشاركة عناصر غير مكشوفة ولم يسبق اعتقالها، أو تشكيل قوائم انتخابات طلابية حيث يكشف الشباب والشابات أنفسهم مأخوذين بحماسة الصراخ الدعاوي. ويمكن للمرء القياس أو سحب المقياس نفسه على اتحادات المرأة والنقابات المهنية...الخ، ناهيك عن منظمات الأنجزة...الخ.

بقول آخر، يجب الفصل التام بين العناصر القديمة والمكشوفة للقوى السياسية لتكون مثابة نوادي لمتقاعدي تنظيم معين تشتغل على الموقف العام والوعي العام والنشاطات الوطنية العامة، وبين العناصر الشابة التي يجب أن لا تتم التضحية بها من أجل مكسب في اتحاد طلبة، في حين ينتمون لخلايا سرية يكونوا تحت أعين العدو والعديد من المخابرات الأخرى فيسهل ضربهم.  

باختصار، أي طرف يؤمن بما يزعمه عن الالتزام بتحرير فلسطين، لا يمكن أن يكون جادًا في ذلك حقيقة طالما يعمل بشكل مكشوف وشبه مكشوف، وذلك لأن المحتل 1967 ليس محررًا؛ فالعدو يدخل كل بيت مدعومًا بما يسمى "المطاردة الساخنة" التي تستدل كثيرًا على المناضلين بناء على أشكال متعددة لكشف الذات. يتضمن هذا وجوب العمل الشعبي الجماهيري لتعبئة وتوعية وتحريك الشارع العربي، كل في مكانه وموقعه، ضد لفيف الأعداء، ولكن شريطة عدم الوقوع في وحدانية اعتماد فخ النضال الإعلامي العلني الذي يكشف للعدو مكامن قوة المقاومة. بمعنى وجوب السرية، وفي مواقع الاشتباك مع الثورة المضادة بالسلاح، ولا شك أن أمورًا مشابهة تحصل في الوطن العربي، مع فارق أنه في الأرض المحتلة عدو خارجي بينما في القطريات العربية احتلال محلي يلتقي مصلحيًا ومصيريًا مع الكيان الصهيوني ضمن مظلة الثورة المضادة وقيادتها في المركز الإمبريالي. ولِنقل القول أكثر إلى الواقع الحالي، لا بد من رفد المقاومة بموقف شعبي يحميها ويغذيها بمختلف المستويات، على أن تكون من مهام التحريك الشعبي مقاطعة منتجات ثلاثي الأعداء؛ أي الكيان الصهيوني والغرب الإمبريالي والأنظمة العربية العدوة للعروبة، وهي مقاطعة تبدأ بكل ما يمكن استبداله. والمقاطعة ومناهضة التطبيع هي بحد ذاتها مقدمة للتنمية بالحماية الشعبية؛ لأن المقاطعة تعني أساسًا وتشترط وتؤدي إلى التوجه التنموي الذاتي قبل الاستيراد البديل من الدول الصديقة.

إن نشاط وتنشيط وتعميم شعبي للمقاطعة ومناهضة التطبيع، والتطبيع برأيي "استدخال الهزيمة" هما إشراك الشعب، أي المواطن العادي في النضال الأعم ضد الثورة المضادة ما بين حرب عسكرية مسلحة وأخرى.

يمكن الانتهاء إلى القول بأن المقاومة وحدها لا تكفي، فلا بد من استعادة الشارع العربي في كل قطر عربي للبدء بجولة جديدة.