Menu
حضارة

التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني (ج9)

غازي الصوراني

2-3: تطور مفهوم الأخلاق في المجتمع الفلسطيني:

الانقسام وآثاره:

ما جرى منذ 14 حزيران 2007، شكل نقيضاً لكل من صيرورة التحرر الوطني والتطور الاجتماعي، حيث سادت حالة من الاستبداد والقمع والتخلف الاجتماعي والركود الاقتصادي، كرست واقع أقرب إلى الإحباط واليأس وانسداد الأفق، ليس بالنسبة للعملية السياسية فحسب بل أيضاً بالنسبة للأوضاع الاجتماعية والحريات العامة وحرية الرأي، حيث بات المواطن الفلسطيني محكوماً بقيود تحد من حريته السياسية والفكرية والشخصية، وبالتالي فاقداً لدوره أو لحوافزه الذاتية للإسهام الطوعي الحر في إطار النضال الوطني أو التحرري من ناحية إلى جانب فقدانه لدوره على الصعيد الديمقراطي والاجتماعي والثقافي العام من ناحية ثانية. وهنا بالضبط تحولت المتغيرات السياسية الاجتماعية في كل من مجتمع الضفة والقطاع إلى حالة نقيضه للتقدم أو ما يمكن تسميته بإعادة إنتاج التخلف والتبعية أو الاستتباع رغم الاختلاف في شكل الظاهرة ونسبتيها بين الضفة والقطاع، ذلك إن المتغيرات الناجمة عن الصراع بين الفريقين (فتح وحماس) في ظل الاحتلال، أدت إلى زعزعة وتفكيك أو إضعاف وعي شعبنا الفلسطيني بأفكاره وأهدافه الوطنية التوحيدية، كما أضعفت وعيه بوجوده السياسي الاجتماعي الموحد رغم توزعه وتباعده الإكراهي في المكان بين الضفة والقطاع من ناحية وبين مخيمات اللجوء والمنافي من ناحية ثانية، وذلك عبر سعي حركة حماس لتكريس الهوية الدينية أو هوية الإسلام السياسي بديلاً للهوية الوطنية الفلسطينية وانتمائها لبعدها القومي العربي في صيرورته الحضارية أو الحداثية التقدمية، في مقابل ممارسات حركة فتح وحكومة رام الله التي تصب في مجرى التوافق مع السياسات الأمريكية الإسرائيلية والعربية الرسمية، بحيث يمكن الاستنتاج، بأن كل من حركتي فتح وحماس، تقدم للشعب الفلسطيني (وللشعوب العربية) أسوأ صورة ممكنة عن حاضر ومستقبل المجتمع الفلسطيني المحكوم، بصورة إكراهية، بأدوات ومفاهيم التخلف والاستبداد والقهر والقمع والاستلاب وهي مفاهيم وأدوات لن تحقق تقدماً في سياق الحركة التحررية الوطنية بل على النقيض من ذلك ستعزز عوامل انهيارها والانفضاض الجماهيري عنها. إن الوضع الراهن يشير إلى أن السياسة باتت فناً للفوضى أو الموت البطيء بدلاً من فن إدارة الصراع الوطني والاجتماعي، وهي حالة يمكن أن تؤدي إلى نكبة أشد خطراً وعمقاً من نكبة 48.

إن تشخيصينا لملامح التحول والتغير للبنية الاجتماعية في الضفة وقطاع غزة ما بعد قيام السلطة، ثم على أثر الانقسام والحصار العدواني الإسرائيلي، اظهر مجموعة من الحقائق والمؤشرات الدالة على طبيعة التشكل الطبقي في بلادنا:

1- نشوء شريحة بيروقراطية- كمبرادورية نافذة في القرار السياسي ومرتهنة بالتمويل الأمريكي الأوروبي ومتساوقة مع الرؤية السياسية الإسرائيلية بهذا القدر أو ذاك، وهذه الشريحة هي حامل اقتصادي اجتماعي وليس مجرد قيادة سياسية.

2- تزايد مظاهر الانحطاط السائد في المجتمع الفلسطيني، بسبب التبعية والتخلف والفقر وانسداد الأفق السياسي، وما ستؤدي إليه هذه الحالة من الانهيار التدريجي في النسيج الاجتماعي في ظل انحسار الآمال الوطنية الكبرى أو المأزق المسدود بتأثير مباشر للانقسام ومن ثم اشتداد الحصار وتكريسه، وتحويل القسم الأكبر من المجتمع، خاصة في قطاع غزة إلى حالة قريبة من اليأس والانهيار على الصعيدين الاجتماعي والسياسي بعد أن فرض على شعبنا أن يدخل في متاهة صراع داخلي يضاف إلى قهر وظلم الاحتلال، لن يخرج منه احد رابحاً سوى العدو الإسرائيلي المنتشي بتحقيق أطماعه تحت غطاء هذا الانقسام الذي حقق هدف العدو في تقويض أمن ومستقبل الإنسان الفلسطيني ومن ثم تقويض الأساس المادي والمعنوي لضمان حياته ومصدر رزقه.

3- تميز التطور الاجتماعي في شكله وجوهره، بطابع تراكمي كمي مشوه، بحيث لم يستطع أن يفرز بوضوح ملموس أية أطر برجوازية تنويرية أو ليبرالية، فكرية، أو ثقافية معاصرة، وبقيت القيم والأفكار القديمة والتقليدية الموروثة سائدة في أوساط الوعي الاعتيادي (العفوي) للجماهير الشعبية بالرغم من بعض أوجه الحداثة الشكلية المستوردة التي أسهمت في تعميق حالة التبعية والتخلف الاجتماعي إلى جانب الهبوط السياسي .

4- بروز المؤشرات السلبية الخطيرة على العاطلين عن العمل بسبب فقدانهم للأمن الاجتماعي ونظرتهم السوداوية وفقدانهم الثقة بالآخرين واضطرابهم النفسي والسلوكي وتزايد حدة توترهم العائلي ورغبتهم في الانتقام، وما يؤدي إليه كل ذلك من تراجع القيم الأخلاقية والتربوية في الأسرة وتدهور العلاقة بين الأب والأبناء مع تزايد حالة الاكتئاب النفسي لدى الأب أو المعيل الرئيسي، وهي حالة طبيعية حين يعجز الأب العاطل عن تأمين احتياجات أسرته وأطفاله ويشعر بفقدانه لقيمته الاجتماعية كأب مما يؤثر في علاقته بالآخرين.

 5- جرى عن وعي تفكيك الأركان الأهم في المجتمع السياسي الفلسطيني التي تأسست في زمن الاحتلال، الحركة النقابية العمالية والحركة النسوية وقوى اليسار الفلسطيني، الأمر الذي مهد الطريق لصعود الإسلام السياسي، خاصة بعد تقهقر وارتداد اتجاهات واسعة في القيادة اليمينية "البرجوازية" في م.ت.ف، خاصة بعد اعترافها الصريح بدولة العدو الإسرائيلي.

 6- في ضوء تكريس الانقسام وتفكك النظام السياسي، تسود مجتمعنا اليوم سلوكيات أنانية تتسم بالراهنية والتركيز على حل قضايا الأجل القصير دون أن تعطي الاهتمام المطلوب لقضايا المستقبل، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال تفاقم مظاهر التخلف الاجتماعي، وتراجع العلاقات القائمة على أساس المشروع الوطني والتعددية الديمقراطية لحساب قيم النفاق والإحباط والقيم الانتهازية والمصالح الشخصية بدلا من قيم التكافل والتضامن والمقاومة. ترافق إلى جانب ذلك، غياب المجتمع السياسي الفلسطيني ليحل محله – في الفترة الأخيرة، قبل وبعد الانقسام – مجتمع محكوم بالصراع والاستبداد والخوف والتعصب الديني اللاعقلاني، ومحكوم أيضاً بالمصالح والثروات الشخصية، على قاعدة أن السلطة مصدر للثروة وليست مصدرا للنظام والقانون والعدالة – إلى جانب الجرائم والانحرافات بكل أنواعها الأخلاقية والمجتمعية التي لم يعرفها مجتمعنا من قبل.

7- نتيجة تراكمات السنوات الخمسة عشر الماضية، تسود مجتمعنا اليوم، خاصة بعد الانقسام بين "شرعيتين" متصارعتين في الضفة والقطاع وما أدى اليه من مظاهر القلق والإحباط واليأس، سلوكية أنانية تتسم بالراهنية أو اللحظة، تهتم بحل القضايا الحياتية الانية على حساب القضايا الوطنية الكبرى، فمع تزايد تلك المظاهر إلى جانب التخلف الاجتماعي، تراجعت العلاقات القائمة على أساس المشروع الوطني والعمل الحزبي المنظم – وتراجع دور الأحزاب الوطنية عموماً واليسارية خصوصاً– لحساب مشاعر الإحباط والقلق والتذمر واليأس السائدة في الأوساط الشعبية التي لم تعد تحرص على المشاركة في العمل السياسي من منطلق النضال التحرري والديمقراطي، واكتفت بالمشاركة في هذا العمل عبر الالتحاق أو التواصل مع أحد القطبين، ارتباطاً بتأمين لقمة العيش والمصالح الخاصة وما تفرضه هذه العلاقة من دفاع هذه الأوساط الشعبية عن سياسات وممارسات القطب الذي تنتمي إليه في الضفة أو في قطاع غزة، ما يعني اننا نعيش حالة من الانحطاط عنوانها سيادة وانتشار قيم النفاق والإحباط بدلاً من قيم التكافل والتضامن والصمود والمقاومة. ترافق إلى جانب ذلك، انهيار المجتمع السياسي الفلسطيني ليحل محله مجتمع محكوم بالإكراه أو بالمصالح الفئوية أو الحزبية لقطبي الصراع، في الضفة والقطاع رغم اختلاف الآليات والبرامج والأهداف في كل منهما.

 8 - تزايد انتشار البطالة في أوساط الشباب أدى إلى السرقات والجرائم وانتشار المخدرات بكل أنواعها (الحشيش والبانجو والهروين وحبوب الاترمال وغير ذلك) والانحرافات الأخلاقية والاجتماعية والأمنية التي أدت إلى الإخلال بالأمن الاجتماعي، إلى جانب سعي القسم الأكبر من الشباب للهجرة إلى الخارج هروباً من هذا الواقع.

إن مسيرة النضال الفلسطيني قد انتقلت من حالة الأزمة التي بدأت منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلى حالة المأزق الذي يصيب اليوم بنيانها وقيادتها وفكرها السياسي، وهو مأزق حاد يحمل في طياته مخاطر أشد خطورة من كل المحطات المأزومة السابقة، خاصة في ظل انفجار الصراع الدموي بين حركتي فتح وحماس (حزيران 2007) وصولاً إلى الانقسام الذي مضى عليه عشر سنوات عجاف غامرة بالهبوط والاستبداد وبالاحباط واليأس واستمرار الصراع على المصالح الفئوية بين فتح وحماس الذي ادى إلى تفكيك النظام السياسي الديمقراطي الفلسطيني، ومعه تفككت أوصال المجتمع الفلسطيني، الذي يبدو أنه ينقسم اليوم إلى مجتمعين أحدهما في الضفة والآخر في قطاع غزة، ناهيكم عن عزلتهما عن أبناء شعبنا في الشتات والمنافي.

لا بد من التذكير بأن المأزق الوطني والمجتمعي، الذي وصلته الاوضاع الفلسطينية لا يمكن أن يحال بالكامل إلى الانقسام والصراع على المصالح الفئوية بين فتح وحماس، بل أيضاً يحال إلى عجز "المعارضة التاريخية" أو"المعارضة اليسارية البديلة" في أن تصبح البديل الديمقراطي... ويبدو لي أن هذه القوى باتت عاجزة عن التصدي والمجابهة السياسية الديمقراطية لوقف كل مظاهر الاستبداد والقمع والاختطاف والملاحقة وانتهاك حرية الرأي والاعتقال ومنع الكتابة والتظاهر والاعتصام ، على الرغم من ان اللحظة الراهنة تستوجب وتفرض عليهم التحرك السريع لوقف حالة النزف والتدهور المجتمعي الذي يشير الى مراكمة المزيد من عوامل الاحباط واليأس في صفوف كافة الفئات والطبقات عموماً وفي قطاع غزة خصوصاً.

إن ما جرى من تراكمات سياسية ومجتمعية تفكيكيه منذ الانقسام في 14 حزيران 2007 حتى اللحظة، شكل نقيضاً لكل من صيرورة التحرر الوطني والتطور الاجتماعي والسياسي الديمقراطي، حيث سادت حالة من الاستبداد والقمع والتخلف الاجتماعي والركود الاقتصادي، كرست –بعد عشر سنوات من الانقسام- واقع أقرب إلى الإحباط واليأس وانسداد الأفق، ليس بالنسبة للعملية السياسية فحسب، بل أيضاً بالنسبة للأوضاع الاجتماعية والحريات العامة وحرية الرأي، حيث بات المواطن الفلسطيني محكوماً بقيود تحد من حريته السياسية والفكرية والشخصية، وبالتالي فاقداً لدوره أو لحوافزه الذاتية للإسهام الطوعي الحر في إطار النضال الوطني أو التحرري من ناحية، إلى جانب فقدانه لدوره على الصعيد الديمقراطي والاجتماعي والثقافي العام من ناحية ثانية. وهنا بالضبط تحولت المتغيرات السياسية الاجتماعية في كل من مجتمع الضفة و القطاع إلى حالة نقيضه للتقدم أو ما يمكن تسميته بإعادة إنتاج التخلف والتبعية أو الاستتباع، رغم الاختلاف في شكل الظاهرة ونسبتيها بين الضفة والقطاع، ذلك إن المتغيرات الناجمة عن الصراع على المصالح الفئوية بين الفريقين (فتح وحماس) في ظل الاحتلال، أدت إلى زعزعة وتفكيك أو إضعاف وعي شعبنا الفلسطيني بأفكاره وأهدافه الوطنية التوحيدية، كما أضعفت وعيه بوجوده السياسي الاجتماعي الموحد رغم توزعه وتباعده الإكراهي في المكان بين الضفة والقطاع من ناحية، وبين مخيمات اللجوء والمنافي من ناحية ثانية.

السؤال؛ هل بات عنوان المرحلة الراهنة اليوم هو: الانتقال من التسوية الى التصفية للقضية الفلسطينية، في ظل استمرار تراجع القوى الوطنية الفلسطينية والعربية (بمختلف الوانها وأطيافها)، وفي ظل استمرار الانقسام والصراع على المصالح الفئوية بين فتح وحماس في ظروف دولية وعربية وإقليمية أفقدت الفلسطينيين بوصلتهم وأضعفت قيمهم وقدرتهم على فرض رؤيتهم وقرارهم الوطني من أجل الحرية والاستقلال والعودة، ومن ثم تكرست الهيمنة الخارجية على راهن القضية الفلسطينية لإفراغها من مضامينها وأهدافها النضالية الوطنية التحررية، تلك الهيمنة يتزعمها اليوم التحالف الأمريكي الصهيوني بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقوى الإقليمية خاصة تركيا ، إلى جانب معظم بلدان النظام العربي الرسمي ودعوته الصريحة للاعتراف والتطبيع مع دولة العدو الصهيوني؟!

ففي مثل هذه الحالة من الانحطاط والخضوع العربي الرسمي للمخططات الامبريالية الصهيونية، يبدو أن عنوان المرحلة الراهنة هو: الانتقال من التسوية الى التصفية للقضية الفلسطينية بالتعاون مع عدد من الفلسطينيين من أاصحاب المصالح الانتهازية، فقدوا وعيهم الوطني بذريعة ما يسمى بالتسوية أو ما يسمى بالعملية السلمية أو بذريعة الاعتدال، وكلها ذرائع لا تخرج ولا تتناقض مع شروط العدو الصهيوني الأمريكى وتركيا و السعودية ودويلات الخليج التي تتوزع الادوار المشبوهة فيما بينها.

إن هذا الوضع الكارثي الذي يحيق بقضيتنا الوطنية وبمجمل الأهداف التي ضحى مئات الآلاف من أبناء شعبنا من أجلها، يفرض إعادة نظر جذرية بالنسبة لطبيعة القوى- وخاصة الفلسطينية - التي أوصلتنا إلى هذه اللحظة، لأن يأسها ومصالحها الخاصة هو الذي بات يحركها وليس القضية الوطنية، ما يؤكد على أن الحلقة الخبيثة لمسلسل التنازلات على يد اليمين الانتهازي الفلسطيني المستسلم (بكل تلاوينه ومسمياته وأفراده وجماعاته) هي بمثابة بئر بلا قرار، وإن المآل الذي وصلته قضيتنا الوطنية، يشير إلى وهم الحصول على دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما الدولة الصهيونية تسرق الزمن من أجل فرض شروطها في ظل المأزق الفلسطيني الراهن... دون إلغاء وتجاوز الحديث أو التخطيط لإقامة دويلة ممسوخة في قطاع غزة... لذلك لا بد من المجابهة لإنهاء وتجاوز الانقسام الكارثي، لكي نستعيد وحدتنا الوطنية التعددية على قاعدة الالتزام العميق بالثوابت والأهداف الوطنية ومواصلة النضال التحرري والديمقراطي بكل أشكاله من أجل الحرية والاستقلال والعودة، ولا سبيل أمامنا سوى الحوار الوطني الديمقراطي الشامل بمشاركة كافة القوى والشرائح المجتمعية الوطنية؛ فإما الحوار الوطني الفلسطيني الشامل والاتفاق على إنهاء وتجاوز الانقسام والمأزق الراهن أو أن نتحول جميعاً إلى عبيد أذلاء في بلادنا بعد أن نخسرها ونخسر أنفسنا وقضيتنا، و أعتقد أننا في اللحظة الراهنة على هذا الطريق طالما ظل الانقسام، وطالما ظل العدو الأمريكي الإسرائيلي متحكماً في مقدرات شعبنا وطالما بقي الملف السياسي الفلسطيني ملفاً إسرائيلياً بلا قيود، وفي مثل هذه الأحوال يضيع الحاضر وتنغلق أبواب المستقبل ويحق علينا قول محمود درويش "أيها المستقبل: لا تسألنا من أنتم؟ وماذا تريدون مني؟ فنحن أيضاً لا نعرف!!".