Menu
حضارة

مكانة فلسطين في الحراك العربي: تكامل مطلوب ومفقود

أحمد مصطفى جابر

كلما خرجت مظاهرة أو حراك في شارع عربي، تطلع الفلسطينيون إليها بأمل وحلم رومانسي ولكنه منفصل عن الواقع في الحقيقة، وكلما انتفض الفلسطينيون وارتفعت وتيرة مقاومتهم تطلع إليها العرب بالمثل، بأمل رومانسي ومنفصل عن الواقع أيضًا.

مما لا شك فيه أن هذا التطلع المتبادل يرتكز على أسباب موضوعية لا يمكن انكارها، ولكنه عمليًا يتسم بالكثير من التحليل القاصر، فإذا كان التاريخ أثبت أن لا حرية ل فلسطين بدون حاضنة عربية قوية، فإنه أثبت أيضًا أن هذه الحاضنة ستكون الحضن الخانق وليس الحنون إن لم يكون جوهرها الحرية والكرامة.

وإذا كان التاريخ أثبت أيضًا أن احتلال فلسطين وتغييب حريتها هو العقبة الكأداء القاسية في وجه تطور العرب وحريتهم وتنميتهم، فإنه أيضًا تحليل قاصر إذا ظن أن الحل في فلسطين فقط، وأن عملية شاملة للتغيير الجذري لا يمكن أن تقوم في العالم العربي.

بالتأكيد إن مكانة فلسطين في أي حراك عربي، تترابط جدليًا مع مكانة العروبة في فلسطين، وهذا يفرض العديد من التحديات على كلا وجهي المرآة.

فالفلسطيني، الذي ينظر إلى أي حراك عربي باعتباره يدور حوله، ويتعلق بظلال علمه الذي يرتفع في بعض ساحات الانتفاض العربي، عليه أن يدرك أنه لم يعد أولوية، وإن وقائع الحاضر تثبت أن فلسطين الحاضرة في الوعي العربي الرسمي كشعار وأيقونة للاحتماء والاستغلال قد تنتقل أيضًا إلى الشارع لنفس الغايات والأهداف.

وبالمثل فإن العربي الذي يهرب من الأسباب المباشرة لثورته الضرورية، ويعتقد أن فلسطين تمنح الشرعية وكفى، إنما يغامر بخسارة كبيرة، إذا لم يدرك الترابط الجدلي، وإن دوره الفلسطيني، مرتبط أساسًا بدور تقدمي تحرري في بلده.

والواقع يقول أن هناك تقصيرًا كبيرًا على كلا الجانبين في فهم ظروف وواقع الطرف الآخر؛ فالعربي لا يملك للأسف على العموم رؤية واضحة، للظرف الفلسطيني وطبيعة الصراع الدائر في فلسطين، ومن الواضح أن الأنظمة العربية تمكنت من نقل رؤيتها التي تتساوق مع الحلول القاصرة في فلسطين عبر شعار "ألا نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين" إلى الشارع العربي الذي أصبح في الغالب منه يتبنى هذه المقولة، وبالتأكيد فإن الفهم القاصر لطبيعة هذا الصراع في فلسطين سيقود إلى تحليلات خاطئة تعيق نمو التكامل بين نضالين يجب أن يستمرا ويتعاضدا معًا لتحقيق حل شامل للفلسطينيين والعرب على حد سواء.

وكذلك فإن الواقع يعكس تقصيرًا فلسطينيًا كبيرًا في فهم الظرف الموضوعي للمواطن العربي ومطالبه المحلية التي قد لا تكون بالضرورة المباشرة مرتبطة بفلسطين، وهذا يجعل الفلسطيني يبني آمالًا غير موضوعية على الحراك العربي المحلي، رغم أن أي تقدم في العالم العربي نحو مزيد من الحرية والكرامة هو تقدم نحو فلسطين.

هذه العلاقة الملغمة يتحمل مسؤوليتها طرفان أساسًا، هما القيادة الفلسطينية الرسمية والأنظمة العربية، فالطرف الأول الذي ذهب مبكرًا إلى مقولة "القرار الفلسطيني المستقل".. أراد من خلال شعار يحمل في الشكل حرية الفلسطينيين في الكفاح كما يرون بمعزل عن احتياجات ومصالح الأنظمة العربية، إنما قاد في الجوهر إلى مهلكة الانفراد الآثم بمصير فلسطين والانحدار نحو الحلول الاستسلامية التي لم تحصل على غطاء عربي شعبي، وإن سارعت الأنظمة بتلقفها للتنصل من التزامها الفلسطيني.

والأنظمة العربية التي طالما تشدقت بفلسطين وقضيتها لم تكن تحمل هذا الشعار حقيقة من أجل فلسطين وشعبها وقضيته العادلة، وإنما أثبت التاريخ أن هذه الأنظمة تلطت خلف فلسطين، لتمرير سلطتها المطلقة وفسادها وهبوطها السياسي وقمعها لشعوبها. وبالتالي كان كل من الطرفين يستفيد من سياسات الطرف الآخر بما يصب بمصلحة الاحتلال والإمبريالية العالمية، وحيتان الفساد على جانبي حجر النرد.

وللأسف الشديد، فقد انتقلت هذه الانتهازية السياسية إلى النخب العربية والفلسطينية على حد سواء بما فيها القوى التي تصنف معترضة على المسار الرسمي، فأصبحت فلسطين في الساحات العربية وسيلة مؤقتة لاكتساب شرعية من الواضح أن الطرف الآخر خسرها، ولكن من تلقف الراية لم يكن أكثر إخلاصًا لهذه القضية، لأن التقدم نحو فلسطين لا يمكن أن يحدث بدون التقدم نحو مطالب الجماهير العربية العادلة بالخبز والحرية والكرامة.

وفلسطينيًا أيضًا أخفقت النخب السياسية وقوى المعارضة السياسية على أِشكالها وأيدلوجياتها في تحليل الواقع العربي، والتقارب مع مطالب الجماهير وفهم ضرورتها في المعركة من أجل فلسطين، ما خلق التشتت الذي نراه، وغياب الرؤية الشاملة والمبنية على أساس أن من يمارس الديكتاتورية ويقمع شعبه لا يمكن أن تكون فلسطين وقضيتها على جدول أعماله، وكذا فإن الفاسد الذي يختبئ خلف المقاومة لحماية فساده لا يمكن إلا أن يسبب أبلغ الضرر للحق الفلسطيني، وما نشهده اليوم من تناقض المواقف الفلسطينية تجاه الوضع العربي بين القوى التي تتفق في الداخل الفلسطيني، إنما هو دليل على ضياع هذه الرؤية والفشل في تحديد العلاقة الطبيعية بين فلسطين وحاضنتها العربية، علاقة لا يمكن أن تكون سليمة إن لم تبنى على تحالف الأحرار وطلاب الكرامة والديمقراطية الحقيقية.

المعضلة أعلاه تطرح معضلة أخرى تخص الحراكات العربية مهما كانت تسميتها، فالواقع يقول إن غياب القوى الطليعية القائدة، لهذه الحراكات جعلها في مهب رياح المصالح الخاصة والضيقة لقوى تشارك فيها من أجل حماية مكتسباتها، سواء كانت هذه القوى طوائف أو أحزاب أو تيارات، وأثبتت الوقائع أن النتائج النهائية لم تكن معيارية لأهداف الحراكات التي علت بأصوات المتظاهرين، إذ سرعان ما ستذهب الأمور، كما هو حتمي في التاريخ، إلى المساومات والتنازلات المتبادلة، وفي غياب قوى حقيقية تعبر عن أهداف وإرادة الشعوب بطليعية وشفافية والتزام كامل، أو ضعف هذه القوى وعدم قدرتها على تصدر المشهد، فإن مصير هذه الحركة السياسية اللاحقة للحركة الشعبية، هو الانحراف عن المقاصد والغرق في المساومات الرخيصة لإنقاذ الرؤوس والمصالح.

وبالتالي فإن الخلاص الحقيقي لا يتأتى إلا بتغيير ثوري، قبل أن يكون في الواقع السياسي الاجتماعي الاقتصادي، يجب أن يكون في موازين القوى التي على الأرض، ما يتطلب من القوى المعبرة حقًا عن مصالح الشعوب والملتزمة بأهدافها، أن تعيد النظر في أوضاعها وعثراتها ومطباتها السياسية والأيدلوجية والجماهيرية العامة، ما يعني مراجعة موضوعية صارمة تضعها تحت مجهر النقد وتجيب عن السؤال الحقيقي المرتبط بعجزها وعدم قدرتها على الإمساك بمقود قارب التغيير.. فلا ينحرف إلى موانئ معاكسة للهدف وتعيد اختراع العجلة.

إن هذا التغيير الثوري هو المدخل الطبيعي الذي لا مفر منه لتكامل العملية الثورية في السياسة والمجتمع والاقتصاد، ولا شك أن هذه المراجعة يجب أن تكون من القوى المعنية في الساحتين العربية والفلسطينية على حد سواء، وجوهرها هو تكامل العملية الثورية في فلسطين والعالم العربي، باعتبار عربة التغيير يجرها حصانين لا يمكن الاستغناء عن أحدهما، وإن كان أحدهما بإمكانه أن يحفز ويقوي من عزيمة الآخر؛ حصان فلسطيني يعيد للقضية الفلسطينية مكانتها عبر استعادة مسار الصراع إلى خطه الصحيح بين شعب محتل وقوة احتلال غاشمة، ويرى في أي تقدم عربي مصلحة استراتيجية له فيرحب به ويدعمه وينتقده إذا لزم الأمر، وحصان عربي لا يرى انفصالًا بين حرية وكرامة محلية ونظيرتها الفلسطينية، فيرى في أي نهوض فلسطيني مصلحة له لا يتردد في مراقبته والاستفادة منه ونقده أيضًا، ما يتطلب من الجميع مغادرة لدعة "أهل مكة أدرى بشعابها" و "ألا نكون ملكيين أكثر من الملك"؛ لأن الفلسطيني واللبناني والسوري والمصري والجزائري والتونسي والعراقي وغيرهم.. هم جميعًا في قارب واحد، إما أن نغرق جميعًا أو ننجو جميعًا.