Menu
حضارة

عن الثورات وشعوبها

خاص بوابة الهدف

الخيار الثوري يتطلب الإيمان بقدرة الشعوب على تجسيد إرادتها الثورية أفعالًا ملموسة، تضمن تحقيق الثمار والنتائج على الأرض، فبقدر ما تُعتبر احتياجات وضرورات الشعوب ومطالبها الذاتية هي العامل الرئيس لنشوء الثورات الشعبية، تعتبر أيضًا هي المُحفز الأساس لاستمرار احتشاد الشعوب في الميادين على شاكلة ما رأينا في تونس و مصر واليمن والسودان والجزائر والعراق ولبنان مؤخرًا. لكن "المُحفز" هذا لا يكفي وحده، ولا يشكل ضمانة لنجاح الثورات وتحقيق مطالبها التي رفعتها وهتفت بها حناجر الجماهير، حيث ثبت بالقطع أن الأمر يتطلب وجود قيادة فعلية قادرة على حمل أهدافها، وصوغ برنامجها ومطالبها، ونظم فعلها، وحماية منجزاتها.

انطلاقًا من أن الثورة هي عملية تغيير جذري وشامل، فإن النتائج التي وصلت إليها "ثورات" شعوبنا العربية التي نزلت إلى الميادين المختلفة، وهي ترفع شعارات: العيش والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لم تصل إلى ذلك المُراد، بل بعضها استطاعت قوى الثورة المضادة أن تنقض عليها، وتعيد تثبيت أركان النظم المُستبدة من جديد، وتعطيها دفعة جديدة "للحياة"، لنصل لنتيجة مفادها: أن الشعب لا يقود ثورة.. فالشعب هو "رداء الثورة" أو "وقودها الثوري"، ولا بد للثورة من "قيادة" فعلية توجهها وتسير بها نحو أهدافها؛ فالقيادة هنا بمثابة "عقل" الثورة المفكر، والشعب الرداء الذي يحمي الثورة وقيادتها وأهدافها، ويتحمل معها كُلفة الثورة ونتائجها، ويبقى حارسًا أمينًا لها، كي لا تنجح الثورة المضادة في الانقضاض عليها، والعودة في الوضع إلى ما كان عليه، إن لم يكن أسوأ.

فالثورة التي نريدها، هي انشغال في المستقبل وسعي حثيث إليه، وهذا المستقبل لا يمكن أن يكون على الشاكلة التي تريدها الشعوب، وعبرت عنه في شعاراتها الثورية، إلا إذا تمركز في وعينا وأصبح هدف المسير الثوري، دون أن يَحكُمنا الماضي، أو يبدد قوانا ويستهلكنا الحاضر. وهذا المستقبل بحسب تعريف "فيكتور هوجو" له أسماء كثيرة "بالنسبة للضعيف هو ليس في متناول اليد، وبالنسبة للخائف هو مجهول، وبالنسبة للجريء هو فرصة". وهل هناك فرصة أجرأ وأبدع من نزول الشعب إلى الميدان في وضح النهار؟!     
يتراءى اليوم المشهد الثوري من لبنان، حيث خرج الشعب اللبناني بمختلف طوائفه وأحزابه، ضد حكم الطائفة، وضد نظام سياسي تهالك على أعتاب اتفاق الطائف الذي جعل لبنان وشعبه مِلكًا للطوائف لا الدولة، خرج ضد حكم سلطة رأس المال التي أنهكته وأثقلت عليه بفساد طبقتها السياسية، وارتباط أغلبها بأجندات خارجية دولية وإقليمية، لا تريد للبنان وشعبه خيرًا.

فلبنان الدولة، ليس خارج ما تعيشه المنطقة من إشكاليات وأزمات مشخصة أسبابها المحلية والخارجية، وشعب لبنان هو جزء لا يتجزأ من شعوب أمتنا العربية التي لا تزال في أغلبها ترزح تحت نير الاستبداد والديكتاتورية والافتقاد لأدنى الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث غياب الحريات الديمقراطية وانتشار الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، واهتزاز الانتماء وأزمات الهوية التي تزداد وتتعمق بفعل فساد أنظمتها وطبقتها السياسية، ورضوخها أسيرة للهيمنة والتبعية للمركز الرأسمالي الإمبريالي الغربي-في مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية- الذي ينهب خيرات وثروات شعوبنا ويضخها في مركزه المهيمن، ليعطي لنفسه مزيدًا من قوة الدفع للاستمرارية في الهيمنة والسيطرة على الشعوب ومقدراتها، في مقابل تكريس سياسات الإفقار والاحتكار والإفساد، وبالتالي إعادة إنتاج التبعية وإحكام حلقاتها باستمرار.

إن ثورة الشعوب الحقيقية يجب أن تعرف طريقها جيدًا، من خلال الثورة في وضد جبهة واحدة؛ للتخلص من أغلال الحكم الداخلية، وفي الوقت ذاته، للتخلص من أسوار الهيمنة والتبعية، وهنا بالضبط، يجب أن نرى موقع ودور الدولة الصهيونية في علاقتها الاستراتيجية والمحورية مع مركز النهب الرأسمالي الإمبريالي الغربي.. كأولوية في نضالنا لإنجاز المهمة الثورية المطلوبة على وجهها الأكمل.