Menu
حضارة

طبيعة الدور الروسي في الشرق الأوسط

د. صلاح زقوت

شكل انهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١ عالمًا جديدًا أنهى فترة الحرب الباردة والقطبين وأصبح العالم أمام قطب واحد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد انعكس ذلك على مستقبل السياسة الخارجية الروسية التي ورثت الاتحاد السوفييتي واستراتيجيتها تجاه منطقة الشرق الأوسط ،ومن ضمنها المنطقة العربية، وأصبحت الولايات المتحدة هي اللاعب الرئيسي في المنطقة ابتداءً من تحرير الكويت عام ١٩٩١، وتوقيع اتفاقية أوسلو في واشنطن عام ١٩٩٣، واحتلال العراق عام ٢٠٠٣.

وفي تلك الحقبة وتحديدًا بعد حرب جورجيا عام ٢٠٠٨، والتداعيات الكارثية للأزمة المالية العالمية الاقتصادية على روسيا، انتهجت موسكو سياسة التقارب مع واشنطن، وهذا التقارب تصدع على صخرة ما يسمى الربيع العربي، وخصوصًا بعد أزمتي ليبيا وسوريا، حيث لم تغفر موسكو لواشنطن الخديعة الليبية، ولعبت العديد من التطورات الإقليمية والدولية، الدور الأكبر في إعادة رسم خرائط توزيع النفوذ في الشرق الأوسط، حيث وجدت روسيا نفسها أمام العديد من الفرص لإعادة دورها في السياسة الدولية، فعملت على توثيق علاقاتها مع دول المنطقة، وخلق تحالفات جديدة. فقد رأت روسيا أن الأزمة السورية تحمل مخاطر على الوضع الروسي العالمي؛ لأنها تهدد بخسارتها آخر موقع قديم لها في الشرق الأوسط، وكذلك تهدد إيران، وتضعفها بشكل كبير أمام واشنطن، مما يدفعها إلى الارتماء في أحضان واشنطن، وبالتالي خسارة روسيا استثماراتها في العلاقة مع إيران، كما أن اضعاف إيران في الشرق الأوسط سيؤدي إلى تقوية تركيا والسعودية، في الوقت الذي لروسيا مصالح متناقضة مع هاتين الدولتين؛ لذلك اختار الروس الشراكة مع إيران.

يضاف لما سبق، التخوف الروسي من انتشار ظاهرة الاٍرهاب الدولي وتمدده غلى روسيا والدول المجاورة لها، خصوصًا أن هناك الآلاف من مواطني روسيا ودول آسيا الوسطى، ذهبوا للقتال مع الإرهابيين في سوريا، وحملّت روسيا الغرب مسؤولية الوضع المتردي على امتداد منطقة الشرق الأوسط، وأكدت أن التدخلات الغربية في العراق وليبيا وسوريا، كانت كارثية ونشرت الفوضى والإرهاب. ولذلك عمقت روسيا مواقعها الشرق أوسطية؛ عبر إنشاء المجموعة البحرية الدائمة في البحر الشرق المتوسط، وعززت دور النظام السوري في حل الأزمة السورية عبر مؤتمر جنيف الثاني عام ٢٠١٤.

وهنا لا يفوتنا التذكير بالأزمة الروسية الأوكرانية التي لاحت بوادرها في نهاية عام ٢٠١٣، من خلال ما أطلق عليها، ثورة الميدان في أوكرانيا المدعومة من الغرب، حيث تمكنت في فبراير ٢٠١٤ من إسقاط حليف موسكو في كييف، وتم جذب أوكرانيا إلى التحالف الأمريكي الغربي، والذي شكل ضربة قوية بالخاصرة الروسية، ولم يطل الرد الروسي، فلقد جاء سريعًا وعنيفًا باحتلال جزيرة القرم، وضمها إلى روسيا، ودعم الانفصاليين شرق أوكرانيا.. وسط هذا الوضع المتأزم في وسط أوروبا، برز تنظيم داعش وسط العراق وسوريا، وأدى صعوده إلى إعادة تموضع القوات الأمريكية في العراق، كما نشرت الآلاف من قواتها في شرق سوريا وليبيا، وهذه الدول الثلاث كانت في حقبة الحرب الباردة تدور في فلك موسكو، وسط ذلك، أرسل الروس طائرتهم وصواريخهم إلى سوريا، وأقاموا القاعدة الجوية العسكرية في حميم، بالإضافة إلى القاعدة البحرية في طرطوس، وقدم الروس نموذجًا أكثر قوة وإصرارًا ووضوحًا، من خلال تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعسكري لحلفائها الرئيسيين، ولجلب حلفاء جدد، وتشكيل خارطة جديدة من التحالفات تضمن المصالح الروسية بالمنطقة.

لقد استطاعت موسكو أن تنسج خيوط علاقاتها ‏على الساحة الشرق أوسطية ‏ولدينا أمثلة سوريا-إيران _ليبيا حفتر _ اليمن _العراق الذي سلحته لمحاربة داعش والقضاء عليه داخل العراق، إلى جانب سوريا التي تم تحرير معظم أراضيها من أيدي هذا التنظيم الإرهابي. ‏وعملت روسيا في ذات الوقت على المحافظة على تحالفاتها القديمة – الجديدة مع كل من القوى الإقليمية الفاعلة (إسرائيل، إيران، تركيا)، وشُكل المحور الروسي الإيراني التركي لحل الأزمة السورية، وقام الروس بطمئنة تركيا -العضو الرئيسي في حلف الناتو- بأن أمنها القومي لن يمسه أحدًا، وتحديداً بما يتعلق بالمسألة الكردية، وجرى مدها بمنظومة صواريخ س س ٤٠٠، وهنا تلاقت المصالح الإيرانية مع التركية بدعم روسي فيما يتعلق بالمسألة الكردية، وهذا ما سيدفع تركيا للتقارب والتعاون والتفاهم أكثر، خصوصًا في الموضوع السورى والمنطقة ككل.

‏أما بالنسبة لإسرائيل، فالعلاقة الروسية الإسرائيلية في أفضل أوضاعها؛ فالوجود الروسي في سوريا يُريح إسرائيل، ويضمن هدوء الجبهة السورية فى المواجهة معها لفتره غير محدودة، حيث لعبت روسيا دورًا حاسمًا في تدمير وتسليم الأسلحة الكيماوية السورية، وتغض النظر كثيرًا عن الضربات العسكزية الإسرائيلية في الأراضي السورية التي تستهدف إيران وحزب الله، وغضت النظر عن إسقاط طائرتها، وتتعاون بشكل وثيق مع إسرائيل.. كل ذلك مهد الطريق لروسيا لاستعادة جزء كبير من دورها على الساحتين الإقليمية والدولية.

أما فيما يخص القضية الفلسطينية وتراجع مكانتها نتيجة لانقسام وتأزم الوضع الداخلي الفلسطيني، وللأحداث في المنطقة العربية، وبروز قوى إقليمية جديدة لم يطرأ تغير جوهري على الموقف الروسي، الذي هو امتداد للموقف السوفييتي، حيث تسعى روسيا لأن تقوم بدور إيجابي على طريق إنهاء الانقسام وتوحيد الموقف الفلسطيني ودعمه في رفض ما يسمى صفقة القرن، وما زالت متمسكة بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس .

أخيرًا، نستطيع القول أن انتهاء سياسة القطب الواحد في منطقة الشرق الأوسط، من خلال تمكن روسيا من إعادة دورها في المنطقة؛ لتكون شريك، وتحافظ على مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، حيث دعمت وساندت حلفائها، ولم تتخلَ عنهم، بالإضافة إلى بحثها تمتين تحالفاتها القديمة الجديدة مع كل من: تركيا، وإسرائيل، ومصر، ودول الخليج.. إلى جانب تحقيق روسيا مكاسب داخلية على مستوى الاقتصاد، وزيادة مبيعاتها من الأسلحة في منطقة الشرق الأوسط، وإعادة إعمار سوريا، وهدوء وتوحد جبهتها الداخلية، مما أبعد خطر الإرهاب الدولي عن أراضيها ودول الجوار .