Menu
حضارة

اللحظة العراقية - اللبنانية

عبد الحسين شعبان

نقلاً عن الخليج الاماراتية

ما يحصل في العراق ولبنان، هو سابقة جديدة، حيث تعجّ الساحات بالمتظاهرين السلميين العزل إلا من «سلاح» العَلَمْ الوطني والتواصل الاجتماعي والضمير الإنساني، ولم يكن بينهم وجه معروف إلا استثناءً أو مجاملة أو لالتقاط صورة «تذكارية»، وهكذا انزوى وتوارى عن الأنظار، بل غاب واختفى كلياً، القسم الأكبر والأعظم من السياسيين، إمّا خجلاً مما صنعوه لهذا الجيل أو خوفاً وخشية من ردود الفعل.

كيف يمكن أن يجتمع هؤلاء الذين لم يجتمعوا سابقاً إلّا ما ندر؟ وما الذي وحّد هؤلاء البشر المتراصين في الساحات المكتّظة؟ فهل تحرّكت الملايين بفعل إشارة خارجية وبالريموت كونترول كما يذهب البعض، أم طفح بها الكيل ففاضت مشاعرها حرصاً على الوطن والكرامة والحقوق؟
وعلى الرغم من محاولات الاندساس أو الاختراق أو الاستغلال والتوظيف، وهو أمر لا تخلو منه أي حركة احتجاجية واسعة، فما بالك بالملايين؟ إلا أن الوطن كان المظلّة التي تفيأ تحت ظلّها هؤلاء الشابات والشبان، باستعادة الوطنية العراقية واللبنانية، تلك التي تتّسم بالعفوية والبساطة والبعيدة عن الأيديولوجيا، لتكون قاسماً مشتركاً أعظم لهذه الجموع التي واصلت الليل بالنهار دون كلل أو ملل.

وثمّة سبب آخر هو شعور الشابات والشبان بالاغتراب وتبدّد الوطن، ومثل هذا الشعور ناجم عن جشع الطبقة السياسية الحاكمة، وهي طبقة غريبة عنهم، بعد أن أخذت أحاسيسها تتبلّد بالتدرّج وضميرها يصاب بالخمول، حتى إزاء الدماء الساخنة التي سالت، لدرجة أنها انفصلت كلياً عن آمال وطموحات المحرومين والجياع والعاطلين، وزاد عليها في العراق ما تركه الاحتلال من نظام محاصصة طائفي وإثني، فضلاً عن النفوذ الإقليمي المؤثر بصورة مباشرة. أما لبنان، فكان على الدوام يخضع لحسابات القوى الإقليمية والدولية التي ترسم له خريطة طريقه، بالدم أحياناً، وبالقسمة الضيزى في أحيان كثيرة، وما زال يدفع الثمن من دمه ولحمه وهجرة شبابه وشاباته.

وكشفت الأزمة الراهنة (أكتوبر / تشرين الأول 2019) أن الطبقة السياسية المتنفّذة بغض النظر عن خلافاتها، اتّحدت في ما بينها، وتضامنت مع بعضها البعض للحفاظ على ما هو قائم وتأمين مصالحها على الرغم من تعارض أهدافها، بما فيه إفلات الجناة من العقاب ومن المساءلة عن الفساد المالي والإداري والصفقات والسمسرات، من دون أي إحساس بالمصالح الوطنية العليا، أو حتى كلمة اعتذار عمّا حصل.

لم يشهد البلدان مجاعة في تاريخهما المعاصر، لكن الجوع هذه المّرة عضّ الجميع، وخصوصاً فئة الشباب الأكثر حيوية والأشدّ تطلّعاً للمستقبل، فوجدوا فيه ذلاً سعوا لوقفه وهم يعرفون كيف ملئت مصارف بلدان عديدة من ودائع سياسيي بلدانهم، حيث تتقاسم الوظائف العليا فيه بيوت بعينها، سواء باسم الدين أو الطائفة أو بغيرها، فأصبحت تتحكّم بمصائر هذين البلدين وتهيمن عليهما.

إن الذين خرجوا للاحتجاج هم خارج نطاق الأيديولوجيا وخارج نطاق السياسة وخارج نطاق الأحزاب، لذلك صبّوا جام غضبهم على السياسيين «كلّن يعني كلّن باللبنانية»، و«كلهم حرامية بالعراقية»، حتى وإن كان في الأمر شيء من التعميم والإجحاف، لكن للجيل الجديد لغة أخرى ورؤية مختلفة، لأنه جيل ولد من رحم اليأس والفقر والحروب والطائفية والنزاعات الأهلية، جيل لم تعد تهمّه الشعارات البرّاقة، إنه يريد وطناً يؤمّن له حقوقه الإنسانية وكرامته الوطنية والشخصية، ولا سيّما بتوفير حدٍّ أدنى من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، فذلك طموحه.

سئم الجيل الجديد الاصطفافات الطائفية والانقسامات المذهبية والإثنية والتوجّهات الدينية والأيديولوجية، ووجد هويته الحقيقية في الوطنية والمواطنة والمشترك الإنساني، على الرغم من أن السياسيين أرادوا «حبسه» في أطر ضيّقة، فلم يكن هذا الجيل مسيحياً أو مسلماً ولا شيعياً أو سنياً أو غير ذلك من التسميات، فمن أقصى مدن الشمال اللبنانية (طرابلس) إلى أقصى مدن الجنوب (صور) كان هناك صوت واحد على لسان الجميع «كلّنا للوطن» ومن بغداد إلى البصرة ومحافظات الوسط والجنوب، وبالتعاطف من سكان المناطق الغربية والشمالية، فضلاً عن أن نحو 3 ملايين نازح ما زالوا خارج سكناهم ولم يشفوا بعد من «داعش» وما ارتكبه بحقهم، كان الصوت واحداً «موطني.. موطني»، وحتى المواطن الكردي في إقليم كردستان همومه لا تختلف عن هموم المواطن العربي في العراق، باستثناء طموحه في كيانية خاصة به.

أدرك هذا الجيل أن دستوراً يقوم على المحاصصة الدينية والطائفية ويعتمد على الزبائنية السياسية وتقاسم الغنائم ليس بإمكانه أن يحقق له الحياة الحرّة الكريمة، فلم يبقَ أمامه سوى الانتفاض لتغيير قواعد اللعبة.. فهل سيُصغى إلى لحظة الحقيقة اللبنانية - العراقية؟