Menu
حضارة

"حجج وأساليب الهروب من العقاب"

كيف يُطوّع الاحتلال القانون الدولي للتستر على جرائمه في غزة؟

منذ عام 2005، تعرّض قطاع غزة إلى اعتداءات مدمرة عدة، من حصار وعدوان متكرر، وهجمات روتينية على المزارعين والصيادين

ترجمة خاصة - بوابة الهدف

منذ تطبيق خطة إعادة انتشار الاحتلال الصهيوني الأحادية على حدود قطاع غزة عام 2005، تعرّض القطاع إلى العديد من الاعتداءات المدمرة، من حصار عدوان واسع متكرر، وهجمات روتينية على المزارعين والصيادين.

وحظيت هذه السياسة بإدانة كبيرة من الفلسطينيين ومن مجموعات حقوق الإنسان الدولية وحتى "الإسرائيلية"، إضافة إلى إدانة من عدد كبير من زعماء العالم والسياسيين، وإن كان ذلك لم ينعكس بشكل حاسم على الإجراءات الملموسة على مستوى الدولة.

إلا أن الاحتلال الصهيوني سعى إلى إحباط حتى إمكانية المساءلة الحقيقية، وكان منهجه بسيطًا للغاية: "في مواجهة النقد لخرق القانون، قم بتغيير القانون"، وهذا ما يمكن لمسه في عبارة "إذا كنت تفعل شيئًا لفترة كافية، فسيقبله العالم".

بمعنى أدق، يعمل الاحتلال بجهد كبير على تطوير وتعزيز تفسيرات القانون الدولي التي توفر غطاء لسياساته وجرائمه في قطاع غزة.

في يناير 2009، وعقب العدوان الصهيوني على غزة الذي أدى إلى صدور تقرير "جولدستون" بتكليف من الأمم المتحدة، تم نشر مقال مطول في صحيفة هآرتس حول العمل الذي تقوم به شعبة القانون الدولي داخل مكتب المحامي العام العسكري، وتضمن إشارة إلى أن "هؤلاء هم المسؤولون عن فحص وإقرار أعمال وتكتيكات الجيش، ثم تقديم المبرر القانوني لمثل هذه الأعمال".

وتضمن التقرير المنشور في صحيفة هآرتس مقابلة مع رئيس قسم القانون الدولي السابق دانييل رايزنر، الذي قال "إذا كنت تفعل شيئا لفترة طويلة بما فيه الكفاية، فإن العالم سيقبل ذلك، يعتمد القانون الدولي بأكمله الآن على فكرة أن الفعل المحظور اليوم أصبح مسموحًا به إذا تم تنفيذه من قِبل عدد كافٍ من البلدان، القانون الدولي يتقدم من خلال الانتهاكات".

واستخدم الاحتلال قطاع غزة كمختبر لمثل هذه "الانتهاكات التقدمية"، ومن الأمثلة على ذلك وضع غزة نفسها منذ عام 2005، إذ كان موقف الاحتلال هو أن غزة ليست محتلة ولا ذات سيادة، ولكنها تشكل "كيانًا معاديًا".

بهذا الشأن، وضّحت الباحثة نورا عريقات في كتابها الأخير بعنوان "العدالة من أجل البعض" الآثار المترتبة على هذا التصنيف، الذي يجعل غزة "ليست دولة يكون للفلسطينيين فيها الحق في مراقبة وحماية أنفسهم ولا أرض محتلة يقع على سكانها المدنيين إسرائيل واجب حمايتها".

وقالت بحسب موقع ميديل إيست أي: "في الواقع، اغتصب الاحتلال حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم، وتخلت عن التزاماتها كقوة محتلة، ووسعت إلى إطلاق العنان للقوة العسكرية، مما جعل الفلسطينيين في قطاع غزة عرضة للخطر بشكل ثلاثي".

ويعتبر الادعاء بأن قطاع غزة لم يعد محتلاً معيب وخاطئ بكل المقاييس، ليس أقله لأن الاحتلال احتفظ بالسيطرة الفعلية على القطاع، وتدخل قواته المسلحة عند الرغبة من البر والبحر، إضافة إلى الاحتفاظ بالسيطرة على المجال الجوي، ومعظم نقاط الدخول وتسجيل السكان - بالإضافة إلى الحصار المستمر.

قطاع غزة هو مجرد جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، إلى جانب الضفة الغربية، التي تشكل كيانًا إقليميًا واحدًا، كما أن الوضع المحتل لغزة منذ عام 2005 قد تم تأكيده من قبل العديد من الهيئات ذات الصلة، بما في ذلك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ويظهر "الإبداع" القانوني للمسؤولين الصهيونيين في معظم الأحيان من خلال بعض التكتيكات التي تبناها جيش الاحتلال خلال الهجمات.

مثلًا، خلال العدوان على غزة عام 2014، تواجد في 142 عائلة ثلاثة شهداء أو أكثر، وهذه الأرقام المروعة كانت نتيجة لاستهداف "إسرائيل" المتعمد لعشرات المنازل العائلية الفلسطينية، بالإضافة إلى أسلوب القصف العشوائي.

الحجة "الإسرائيلية" كانت باعتبار أن أي فرد من أي فصيل فلسطيني مقاوم، "هدف مشروع"، حتى عندما لم يشاركوا في أعمال المقاومة، أي أنهم في المنزل مع أسرهم، بهذا يعتبر الاحتلال أن مقتل باقي العائلة في الاستهداف يعتبر "أضرار جانبية" مشروعة على حساب عن وجود مشتبه به في المنزل، وذلك حتى إذا لم يكن هذا الشخص في المنزل في ذلك الوقت، وبهذا يقول أحد المسؤولين الإسرائيليين: "أنت تسميها منزلاً، نحن نسميها مركز قيادة".

 

الضحايا المدنيون

بموجب القانون الدولي، يتعين على الاحتلال إظهار أن أي هيكل مستهدف كان يؤدي وظيفة عسكرية، كما وصفت منظمة حقوق الإنسان "بتسيلم"، وبالنظر المعمق: "لم يدعي أي مسؤول أن هناك أي صلة بين منزل مستهدف وأي نشاط عسكري محدد هناك".

لذلك، يبدو أن تفسيرات جيش الاحتلال لتدمير المنازل "ليست سوى تستر على السبب الفعلي للتدمير، هو هوية السكان"، أي أن هذا الاستهداف يعتبر "هدم منازل عقابي تم تنفيذه من الجو، وسكان ما يزالون في الداخل".

كما يستخدم جيش الاحتلال أسلوب آخر، وهو إصدار "تحذيرات" للمدنيين، سواء في شكل مكالمات هاتفية أو رسائل نصية إلى ممتلكات محددة، أو منشورات أُلقيت على أحياء بأكملها، وتقدم "إسرائيل" هذا التكتيك كدليل على أنها تذهب في طريقها لتجنب وقوع إصابات بين المدنيين، رغم أن هذه التحذيرات هي في الواقع التزام وليست "أعمال خيرية".

وفي مقالة هآرتس المنشورة عام 2009، قال أحد المسؤولين: "الأشخاص الذين يدخلون المنزل على الرغم من التحذير لا يجب أن يؤخذوا في الاعتبار من حيث إصابة المدنيين، لأنهم دروع بشرية طوعية، من وجهة النظر القانونية لا يتعين عليّ أن أراعيها".

لذلك، في تطور مثير للقلق، في حين يتم تقديم التحذيرات على أنها تقليل الخسائر في صفوف المدنيين، فإنها في الواقع تعمل على تسهيل الهجمات ويمكن أن تسهم في زيادة عدد الضحايا.

وتعتبر هذه بمثابة الأمثلة القليلة على سعى "إسرائيل" إلى تشريع الممنوع، وينمن لمس ذلك برد فعل نتنياهو بعد نشر تقرير غولدستون، إذ أمر المسؤولين الحكوميين بـ "صياغة مقترحات لتغيير قوانين الحرب الدولية".

وتهدف "ابتكارات" الاحتلال في القانون الدولي إلى تسهيل القمع الوحشي المتزايد للفلسطينيين على أرض الواقع، بينما يتم تشجيع هذه التفسيرات على المستوى الدولي، إما لتعكير المياه في المحافل القانونية أو للحصول على الدعم من أطراف دولة أخرى.

يذكر أن أزمة مساءلة الاحتلال تسبق أي تطورات مؤخرًا، إذ انتهكت "إسرائيل" القانون الدولي منذ فترة طويلة، ووجدت التبريرات لسياسات معينة من الناحية القانونية، من مصادرة الأراضي في الأراضي المحتلة إلى إقامة المستوطنات.

ومن هنا يمكن فهم أساس المشكلة، وهي مشكلة سياسية، وأن الإجابة على كيفية تحدي الإفلات من العقاب ومقاومة تفسيرات الاحتلال "المبتكرة" للقانون هي نفسها بـ "الضغط السياسي".