Menu
حضارة

أمريكا والشرق الأوسط الآن

د.محمد حسن خليل

الأهداف الأمريكية فى المنطقة

يلخص السفير الأمريكى السابق والباحث الاستراتيجى فريدمان أهمية الشرق الأوسط لأمريكا فى ستة أسباب يذكرها كما هو واضح بترتيب أهميتها لدى بلاده:

  1. البترول والغاز فى المنطقة (لقيمته لأمريكا وكمورد عالمي مهم للطاقة وأهمية السيطرة عليه).
  2. الحفاظ على وجود إسرائيل وإدماجها فى المنطقة.
  3. خطر تحول العداء بين العرب وإسرائيل إلى عداء ديني.
  4. أهمية طرق الملاحة الدولية بالمنطقة (من قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز وحتى مضيق ملقا وما شرقه).
  5. استثمارات الأموال العربية فى الولايات المتحدة، ومنع التحول بعيدًا عن الدولار ضمانًا لاستمرار الدولار على عرشه كعملة الاحتياطى وتسوية المدفوعات الدولية.
  6. منع تصاعد الشعور المعادى لأمريكا فى المنطقة.

بالطبع يستند هذا إلى تصدر أمريكا للإنتاج الاقتصادى العالمى (28% منه آخر القرن العشرين) وتفوقها فى السلاح التقليدي والنووي، واستنادها إلى ما يقرب من ثمانمائة قاعدة عسكرية منتشرة فى أنحاء العالم. ونتتبع فيما يلي أشكال تحقق الأهداف الأمريكية أثناء القرن الواحد والعشرين.

بين كلينتون وبوش، "المحافظون الجدد"

أهم متغير استراتيجى عالمى مؤخرًا كان انهيار الاتحاد السوفييتى وكتلته، مما أدى سيادة نظام العالم أحادي القطبية وتوحش الإمبريالية. لخص البعض الانتقال من فترة كلينتون إلى فترة بوش الابن بين الانتقال من تشكيل مجلس إدارة إمبريالى للعالم برئاسة أمريكا فى عهد كلينتون، والانتقال إلى السيادة المنفردة فى عهد بوش الابن فى فترة حكم المحافظين الجدد. كانت الهيمنة على الموارد العالمية وعلى رأسها النفط والغاز وراء حرب احتلال أفغانستان عام 2001، حيث يمثل بحر قزوين احتياطيًا ضخمًا للغاز فى العالم، ثم الانتقال إلى الاحتلال المباشر للعراق عام 2003، الواقعة حسب حديث رامسفيلد لقادة الأركان فى مركز قوس النفط الذى يمثل بحر قزوين حدوده شرقًا و تركيا شمالًا وإسرائيل غربًا، بالإضافة للاحتياطى البترولى الضخم للعراق. مثلَّ هذا استبدادًا حتى على حلفاء أمريكا، حيث تلك المنطقة هى مصدر البترول لكل من اليابان وأوروبا الغربية، وهو ما كان وراء معارضة فرنسا وألمانيا الغربية لغزو العراق.

وكان للمحافظين الجدد سياسة جديدة فى منطقتنا منذ عام 2003: ألا وهى تغيير نظم الحكم فى المنطقة رغم تبعيتها لها، فى إطار سعيهم لتفتيت وإضعاف الدول القومية، وتمكين الإسلاميين من حكمها لأنهم النصير الداخلى لمخطط التفتيت الإقليمى. ظهرت دلائل تلك الحقبة فى توثيق العلاقة مع الإخوان المسلمين، وفى حديث كوندوليزا رايس عن مشروع الشرق الأوسط الجديد القائم على تقسيم الدول العربية إلى دويلات على أساس إثنى عرقى ودينى وغيره، ربما مع مظلة لخلافة إسلامية مزعومة بقيادة الإخوان المسلمين ومختلف فصائل الإسلام السياسى.

ولكن حكم بوش انتهى عام 2008 بكارثة داخلية وخارجية. فداخليًا انفجرت أزمة فقاعات الرهن العقارى، والأهم لنا الأزمة الخارجية التى واجهت بوش فى كل من العراق وأفغانستان. أدى هذا إلى أن بوش نفسه، المحافظ، ينهي سياساته الاقتصادية بسياسات كنزية تشتمل على تأميم بنوك، مع إعانات حكومية تبلغ 700 مليار دولار للمؤسسات المالية المهددة بالإفلاس، ولكن ما يهمنا فى منطقتنا هو أن أمريكا قد تنازلت عن احتكارها لنفسها للبترول العراقى وقدمت بعض امتيازات التنقيب لفرنسا وروسيا والصين لامتصاص الغضب الدولى ضدها، كما أدى استنزاف القوى الأمريكية بفعل المقاومة العراقية المدعومة إيرانيًا إلى إجبارها على الانسحاب من العراق، وهو القرار الذى وقعه بوش عام 2007 على أن ينفذ تدريجيًا حتى عام 2011. كما بدأت فى أفغانستان محادثات مع طالبان بعد الفشل فى تحقيق استقرار الحكم الذى أتى على حراب الأسلحة الأمريكية.

من بوش إلى أوباما

اختلفت سياستى أوباما مع بوش فى عناصر أساسية، ولكنها استبقت عنصر التحالف مع الإخوان لإسقاط الأنظمة العربية. بالنسبة للعالم مثلَّ انعقاد مؤتمر لشبونة عام 2010 برئاسة مادلين أولبرايت بين أمريكا وحلفائها الغربيين نقطة انعطافة، فيما عرف بسياسة طي البساط الأمريكية، وتقاسم النفوذ بدون تنافس مع مختلف دول أوروبا الغربية. وفى منطقتنا عمل أوباما على الخروج التدريجى من وحل الأراضى العراقية وفقًا لتقاسم نفوذ مع إيران. وتردد أخبار عن المؤتمر السياسى المنعقد فى أوروبا الغربية عام 2010 بين المخابرات الأمريكية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، والاتفاق على أن المرحلة القادمة هى مرحلة حكم الإسلاميين للمنطقة وتفتيتها.

فترة ما يسمى بالربيع العربى

جاءت فترة الثورات العربية كنتيجة للحكم الاستبدادى، وإفقار الجماهير، وزيادة الفوارق الطبقية، والخضوع لتوصيات الليبرالية الجديدة لمؤسسات التمويل الدولية وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدوليين، ولكن كان من عواقبها بالطبع الإضعاف المؤقت للدول القومية فى مواجهة الأعداء التاريخيين للأمة العربية. لقد رأى الغرب وأمريكا والإسلام السياسى أن تلك هى الفترة مناسبة للقفز على السلطة لتنفيذ مؤامراتهم فى التفتيت العرقي للدول القومية عن طريق وصول الإسلام السياسى للحكم فى الدول العربية. ساهم فى هذا ثقة الجماهير فى الإسلام السياسى كنتيجة لتواضع مستوى تسييسها بحكم عقود الاستبداد؛ لهذا نرى أن أول انتخابات بعد الثورة، سواء لبرلمان أو لجمعية تأسيسية نتج عنها نفوذ واسع لاتجاهات الإسلام السياسى، ووضح هذا فى كل من تونس و مصر وليبيا، ولكن لأن من خصائص الوضع الثوري النمو الهائل فى الوعي السياسي الجماهير، مما أدى لفضح مضمون الحركة الإخوانية وارتباطاتها بالإمبريالية، واستبدادها وسعيها للعودة بالبلاد إلى الخلافة القديمة على أنقاض الدولة المدنية الحديثة. لهذا تمثلت نتيجة ثاني انتخابات فى كل من مصر وتونس وليبيا فى تراجع قوي فى النفوذ السياسى للإخوان والتيارات الإسلامية.

نظرة عامة

بعد الحديث عن فترة الثورات العربية إجمالًا مع توضيح خصوصيات كل بلد نستطيع الآن تجميع الخطوط المشتركة بين معظم البلاد العربية. السمة الأولى التى تشترك تلك البلدان فى أسباب قيام الانتفاضات والثورات من حيث بؤس الشعب، والاستبداد السياسى، وتدهور الأوضاع الناتج عن تدهور الإنتاج الحقيقي الزراعي والصناعي والخضوع لوصفات صندوق النقد الدولى وغيره من مؤسسات التمويل الدولية مما نتج عنه تدهور العملة وانتشار التضخم وزيادة التفاوت الطبقية بزيادة الأغنياء غنى وتدهور الفقراء والطبقات الوسطى. تمثلت السمة الثانية: فى فترة تصدُّر تيارات الإسلام السياسى نتيجة لحسن ظن الشعب بهم، ونتيجة لقوة تنظيمهم، غير دعم الإمبريالية لهم، ولكن بحكم التضاد بين منطقهم الاستبدادي المعادي لكل مكاسب مدنية الدولة، والعميل للاستعمار والمنحاز لسياسات الليبرالية الاقتصادية، وعدائه للعدالة الاجتماعية جاءت السمة الثالثة وهى فضح الشعوب سريعًا لهم، وتراجع نفوذهم بشدة وإن لم يختفِ بالطبع. والسمة الرابعة هى انتهاز الإمبريالية لفرصة الضعف المؤقت للأنظمة فى التدخل الذى وصل للتدخل العسكري الكولونيالي المباشر فى ليبيا وسوريا، بل ومحاولته المحدودة المهزومة فى مصر. وقد حققت أعلى نجاح لها فى ليبيا، ولكنها تراجعت بشكل شديد فى سوريا بعد التدخل الروسي وإن ظلت مهمة مواجهتها مهمة مستمرة. أما السمة الخامسة فقد كانت التناقضات التى واجهتها التيارات التقدمية بين عدالة مطالب الانتفاضات والثورات وبين خطر التدخل الإمبريالى المباشر. اختارت معظم آراء الشعب واليسار الانحياز للحفاظ على الدولة المدنية الديمقراطية وتغليب عدائها للاستعمار والإخوان على عدائها للاستبداد والاستغلال مؤقتًا إنقاذًا لأوطانها، مع احتفاظها بالطبع بموقفها النقدى من كل عيوب الأنظمة السابقة، وبقاء حلمها فى العدالة الاجتماعية والديمقراطية.

الاستثناء الوحيد هو خطأ بعض فصائل اليسار التى رأت أن خطر عودة الاستبداد السياسى على يديّ الجيش أكثر خطورة من أى شيء، واتجه معظمها لموقف متهادن أو متحالف فى فترات مع الإخوان. أما السمة السادسة والأخيرة فكانت المرحلة الثانية من المخطط الإمبريالى بعد ركوب تيارات الإسلام السياسى لتحقيق أهدافها: مرحلة استغلال الأزمات الاقتصادية المزمنة التى تفاقمت فى ظروف الثورات والانتفاضات فى حلها عن طريق القروض المشروطة بفرض سياسات الليبرالية الاقتصادية التى تؤدي لمفاقمة بؤس الجماهير. نُفذت تلك التوصيات بتفاوت فى معظم الدول العربية، بدءًا بمصر والتعويم الكامل للعملة وتزايد الغلاء والإفقار، وبدرجات مختلفة فى كل من تونس وحتى الدول التى قامت فيها انتفاضات أو احتجاجات محدودة مثل الأردن ولبنان. حتى الموجة التالية للثورات فى السودان والجزائر لم تسلم منها، ففى السودان افتتح رئيس الوزراء الجديد فترته بالحديث عن أن الخروج من الأزمة الاقتصادية يستلزم ثمانية مليار دولار والسعى لعقد قروض مع البنك الدولى!!!

من أوباما إلى ترامب: أيضًا اختلاف واستمرارية

فى أواخر عهد أوباما انحاز لتقليل النفوذ الأمريكي الخارجي لتقليل النفقات فى ظل الأزمة الاقتصادية، وأكملت أمريكا انسحابها من العراق عام 2011، وبدأت من الانسحاب من سوريا فى أواخر فترته عام 2016. توافق هذا الاتجاه مع دعاية ترامب الانتخابية حول عدم إضاعة الوقت والأموال فى تدخلات خارجية، والعودة للتعامل مع الأنظمة العربية فى مصر و السعودية وغيرها بدلًا من تفضيل التعامل مع الإخوان فى الإطاحة بالأنظمة الحاكمة، والذى أثبت فشله وتنشيطه للإرهاب. وأضاف ترامب الاتجاه للانسحاب من حلف الأطلنطى، والصلح مع بوتين. نتج هذا مع مجيئ ترامب من قطاعات من الطبقة السائدة مرتبطة بالاستثمار العقاري والسياحي من خارج التجمع الصناعى العسكري. بعد نجاحه غير المتوقع بدأ المجمع الصناعى العسكرى معركته ضده، بدءًا من التهديد بعزله نتيجة للتدخل الروسي فى الانتخابات، وساهم هذا فى تطويعه فى محاور هامة أهمها تغيّر موقفه من حلف الأطلنطى وروسيا.

شمل البرنامج الانتخابى لترامب، استنادًا إلى تقرير فلين، على اقتراح حلف الخليج والبحر الأحمر ضد إيران مع ضم إسرائيل فى الوقت المناسب. استعاد ترامب العلاقات الجيدة بالنظام فى مصر والسعودية مع نبذ محاولة إسقاط الأنظمة فيهما إخوانيًا، بل وصل الأمر إلى بحث الاعتراف بالإخوان كمنظمة إرهابية. كان هذا أساس ما عُرف بصفقة القرن، بما تتضمنه من محور يدور حول حل القضية الفلسطينية بإنشاء حلف إسرائيلى عربى سعودى لتنمية المنطقة(!) مع محور الحلف العسكرى المشار إليه أعلاه فى مواجهة إيران والخطر الشيعي المزعوم، وتم وصف الحلف الجديد بأنه الناتو العربي، والحلف السني ضد الشيعة.

 

جاء التقرير الاستراتيجى عن السياسة الأمريكية عام 2018 لكى يحدد أعداء أمريكا فى كوريا الشمالية وإيران، كما حدد خصومها الاستراتيجيين: روسيا كخصم سياسي، والصين كخصم اقتصادى. وبالتهدئة مع كوريا الشمالية بعد لقاءات ترامب وكيم جونج أون بقيت إيران عدوًا استراتيجيًا، وبقيت خطة الناتو العربي كجزء من صفقة القرن وسيلة التصدي له. كما جاءت السياسة الأمريكية بالمزيد من الانحياز لإسرائيل بقرارات أمريكية متعاقبة من خلال نقل السفارة الأمريكية للقدس، والاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية.

ولكن القرار الحاسم هو هل تجرؤ أمريكا على خوض صراع مسلح ضد إيران أم لا، خصوصًا فى ظل رفض مصر المشاركة، ورفض إسرائيل شن معركة وحدها بدون أمريكا، وضعف وعجز جيوش دول الخليج التى أوحلتها اليمن بسبب قدراتها العسكرية المتواضعة، فما بالك أمام إيران؟! الاتجاه الغالب هو عدم الحرب مع إيران فى ظل وضع أمريكا الاقتصادى والعسكري ببروز العالم متعدد الأقطاب منذ بداية العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين، ودخول روسيا بقوة فى المنطقة من خلال سوريا ودعم حفتر فى ليبيا، وتطور الصين العسكرى وقوتها البحرية عند باب المندب ومناوراتها فى البحر المتوسط.

وفى النهاية يهمنا أن نوضح أن وضع توازن القوى بين الجماهير العربية والنفوذ الأمريكى والإمبريالى، رغم ميله بشدة لصالح الإمبريالية، إلا أن المتغير الجديد المتمثل فى الدخول الواسع للجماهير العربية كطرف سياسي مهم فى تقرير مستقبلها، هو الذي يحمل أفق نمو حركة جماهيرية جذرية معادية للاستعمار ونفوذه الاقتصادي والسياسي.