Menu
حضارة

تنهيدة قمر

انتصار الدنان

جالت بنظرها في البيت، كانت تبحث بعينيها المتعبتين في كلّ زاوية فيه، عن بقايا ذكرى تلك الحقائب الفارغة إلا من أوراق كتبت فيها سطور عن بعض حياة، وراحت تلامس بأناملها المرتعشة تلك الصّور المعلّقة على الجدران الخرس، الّتي أكلتها خيوط العناكب، وغطّاها الغبار الأسود، لا لشيء، بل لأنها لم تعد تقوى على مقارعة الحياة.

لم يتبق لها من هذه الحياة سوى قرقعة البحر، وذلك السّقف الصّامت الّذي لا يتكلّم معها إلّا عند سقوط المطر.

غشاوة عينيها الخضراوين الّلتين أكلتهما الدّموع، لم تعد تسمح لها بالتّلذّذ بنور الشّمس، والتّمتع بالحرّيّة.

في تلك اللّيلة، حين سقطت آخر ورقة من شجرتها الّتي غرستها مع زوجها في ليلتهما الأولى من زفافهما، اختلط أزيز الرّصاص بصوت المطر، فلم تعد تسمع زقزقة العصافير فوق غصون الشّجرة الّتي كانت وحدها في تلك اللّيلة تقاوم هبوب الرّياح وزخّات الرّصاص الهاطل فوقها.

صمتت الرّيح، وسكت المطر، ولم تعد تسمع زخّات الرّصاص، ففتحت باب بيتها متلمّسة القفل، فسمعت خطوات أقدام تتوجّه نحو باب البيت، فعادت أدراجها، ووقفت عند الباب، لتستعلم بأذنيها عن الخبر، وإذ بالآتين يحملون إليها آخر ورقة من غصن الشّجرة الّتي سقطت على الأرض كالنيزك الّذي يخطئ دربه، بعد أن حاولت مقارعة الرّيح لساعات طويلة في هذه اللّيلة.

تزاحمت الأفكار في رأسها ازدحام قرقعة القذائف الّتي عادت من جديد، تصمّ الآذان، وتهزّ الجدران، أتراهم يحملون ورقة الموت الأبديّ، أم ورقة حياة بعد الموت؟ طرحت هذا السّؤال على نفسها.

كانوا يحملون بعضًا من ذكراه، علبة السّجائر الّتي لم تكن تحوي غير سيجارتين، والقدّاحة الحمراء الّتي كان يفضل حملها، وبزّته الّتي تمزّق معظمها بالشّظايا، ومشطه الأسود، ودفتره الّذي كان يدوّن فيه يوميّاته، وصورته الصّغيرة وهو يحمل العلم.

سألتهم عن بقاياه، تلك العظام الطّريّة.

قالوا لها: "له البحر، وحده استفاق باكرًا هذا الصّباح".

طلبت منهم أن يعلّقوا صورته الّتي لن تستطيع عيناها أن تبصرها على الحائط، أمام صور من استعجلوا البحر قبله.

أداروا ظهرهم، يحملون معهم بقايا حلم بأن تكون لهم الشّمس.

جلست أمام باب البيت، لم تعد تقوى على البكاء، لم يعد نظرها يساعدها على تلمس ذلك القهر، ذلك الوجع الّذي انزرع فيها منذ أن سقطت أوّل ورقة من أوراقها.

شعرت بأشعّة الشّمس الواهية تتسرب من بين فتحات سقف بيتها، بشفافية خيوطها، فارتجفت ارتجافتها الأخيرة، ونامت على ذلك المقعد البائس، تحمل ذكرياتهم، وصورهم، تحلم بأن تتنفس رائحة الأزهار والبراعم.