Menu
حضارة

الاندماج أيضا أسلوب كولونيالي لا يختلف عن التهجير والإبادة

سليمان أبو إرشيد

في محاولة لتجميل وجهها بعد اضطرارهم للتسليم بكون الصهيونية حركة كولونيالية استيطانية، يحاول العديد من الباحثين الإسرائيليين التفتيش في الأرشيف الصهيوني عن توجهات كانت تعتمد المساواة وتدعو إلى دمج "اليشوف" اليهودي في فلسطين في أطر سياسية مشتركة أوسع، على غرار حكم ذاتي في إطار الإمبراطورية العثمانية أو في إطار رابطة الشعوب البريطانية "كومنولث"، أو ضمن إطار فدرالي ثنائي أو متعدد القومية، للإيهام بأن الدولة القومية اليهودية لم تكن في قلب المشروع الصهيوني.

في هذا السياق، يدعي المؤرخ ديمتري شومسكي، في كتابه "ما وراء الدولة القومية- من بينسكر وحتى بن غوريون"، أن غالبية منظري "القومية اليهودية"، لم يجدوا أي تناقض جوهري بين فكرة تقرير المصير اليهودية، وبين تطبيقها تحت غلاف إمبراطورية أو دولة متعددة القومية، ويشير إلى أن الأطر فوق القومية، مثل الإمبراطورية النمساوية- المجرية، والإمبراطورية الروسية، التي بدأت توفر الفرصة للأقلية اليهودية بإدارة شؤونها المجتمعية والثقافية بشكل مستقل، والتحول من رعايا مسلوبي الحقوق إلى مواطنين يحق لهم إرسال منتخبيهم إلى البرلمان، هي النموذج الذي شد أنظار منظري الصهيونية في تلك الفترة، وليست "الدولة القومية".

ويندرج كتاب شومسكي في إطار محاولات الباحثين الإسرائيليين الفكاك من المأزق الذي وضعهم به اعتماد المنهج البحثي الذي يقر بأن الصهيونية حركة كولونيالية استيطانية، عن طريق النبش في التاريخ الصهيوني و"اكتشاف" تلك التوجهات التي كانت قائمة، برأيهم، لدى تيارات مركزية في الصهيونية حتى ثلاثينيات القرن الماضي، وتُشكل، على حد ادعاء الباحث أرنون دغاني، أساسا لنموذج آخر من الكولونيالية الاستيطانية، لا يسعى فيه المستوطن إلى إخفاء الساكن الأصلي أو إبادته فقط، بل إلى دمجه في مجتمع المستوطنين أيضا، طمعا في أن يحوله ذلك (المستوطن) إلى واحد من "أهل البيت".

اللجوء إلى اعتماد هذا النموذج، جاء بعد فشل تبرير النمط الكولونيالي الصهيوني، بوجود علاقة تاريخية مع الأرض، باعتبار أن العلاقة التاريخية مع الأرض هي قضية ثانوية، في ضوء السؤال المركزي المتمثل بكيفية التعبير عن هذه العلاقة على أرض الواقع، بعد أن توطد تعريف الكولونيالية الاستيطانية على أنها السيطرة على الأرض والموارد الأخرى التابعة للسكان الأصليين، من خلال إخراجهم من دائرة النظام السياسي الجديد، وهو نظام يتم إقامته بغض النظر إذا كانت علاقة تاريخية مع الأرض أو لم تكن.

بيد أن الصهيونية التي اعتمدت أسلوب إخفاء السكان الفلسطينيين الأصليين، لم يقتصر نشاطها  على عمليات التهجير والتطهير العرقي، بل لجأت مع من تبقى منهم إلى ما يسميه بعض الباحثين "مشروع الإسرائيلية"، الذي تمثل بفرض هوية مدنية جديدة على من تبقى من السكان الفلسطينيين، هي الهوية الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يرى الباحث أرنون دغاني، أن تلك الهوية التي لم يتم تبنيها رسميا من قبل الصهيونية ولا من قبل الفلسطينيين في إسرائيل، هي ليست منتوج ثقافي مرافق للصهيونية فقط، بل كهوية صهيونية "فوق يهودية"، تسعى إلى ضم اليهود والعرب، أيضا، بما يخلق اعتراف متبادل بينهم ويوطد استيعاب المهاجرين الجدد.

ورغم عدم الإعلان عن "الإسرائيلية" على أنها المشروع القومي الأساسي للدولة، ولم تُسمع أي دعوة للقطيعة بين الدولة وهويتها اليهودية، كما يقول، فإن إسرائيل حققت نجاحا في دمج السكان الأصليين العرب الذين بقوا بعد النكبة، وغالبيتهم بل كلهم وافقوا، أو اضطروا لقبول قواعد اللعبة الصهيونية.

وعلى الرغم من أن الأصوات التي تدعو في الآونة الأخيرة، من اليسار الإسرائيلي واليسار الفلسطيني، لإقامة دولة واحدة ديمقراطية والتي تضم اليهود والفلسطينيين كمواطنين متساوين، والذين يدعي اليهود منهم أنهم ما بعد صهيونيين أو حتى معادين للصهيونية، فإنهم يدفعون، على حد قول دغاني، بعملية كولونيالية استيطانية، ولو بطرق اندماجية مساواتية، تحول المستوطنين إلى جزء من "أهل البيت".