Menu
حضارة

لا جديد في الخطاب السياسي الرسمي: نحو مشروع ثقافي حداثي تنويري          

محمّد جبر الريفي

ملت الشعوب العربية من الخطاب السياسي العربي الرسمي، حيث تمحور هذا الخطاب منذ فترة طويلة -منذ أحداث ما يسمى بالربيع العربي- حول ما يجري في المنطقة من فوضى سياسية وأمنية، عنوانها الصراع في سوريا واليمن و ليبيا وتنظيم داعش والحوثيين والتدخل الروسي والتمدد الإيراني وأردوغان الذي يجسد سياسة العثمانيين الجدد، وترامب المتصهين وصهره كوشنر وصفقة القرن والانقسام السياسي الفلسطيني، الذي لم تفلح الرعاية المصرية ولا وساطات سابقة في مكة والدوحة في تحقيق نهاية له؛ خطاب سياسي رسمي مكرر وممل بمفرداته من كثرة ما تتردد في وسائل الإعلام العربية الرسمية وفي مواقع التواصل الاجتماعي الفسبوك والتويتر، وفي ظل أوضاع معيشية صعبة وقاسية وأزمات سياسية تعاني منها الجماهير العربية على اختلاف نظمها السياسية، مع بقاء مظاهر التخلف الحضاري بمختلف أشكاله.

كان من الطبيعي أن تبرز في مواجهة ذلك الخطاب السياسي العربي الرسمي الرسمي الدعوة من قبل العديد من النخب السياسية التقدمية العربية إلى صياغة مشروع ثقافي نهضوي حداثي تنويري، تستقيم به الحياة السياسية والاجتماعية العربية، أكثر من حاجته إلى مشروع سياسي محفوف بالمخاطر والعقبات. لقد أخفقت المشاريع السياسية العربية كلها التي طرحت بعد حصول البلدان العربية على الاستقلال السياسي؛ بداية من مشروع الوحدة العربية، حيث الانفصال بين مصر وسوريا بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة إلى المحاولات الوحدوية بعد ذلك، إلى مشروع السوق الاقتصادية العربية المشتركة على غرار السوق الأوروبية المشتركة التي تطورت إلى قيام الاتحاد الأوروبي، الذي يشكل الآن قطبًا دوليًا هامًا في السياسة الدولية، ضمن ظاهرة تعدد الأقطاب، إلى مشروع وحدة الصف حسب شعار التضامن العربي الذي فرضته الرجعية العربية بعد هزيمة يونيو حزيران 1967، كبديل عن مشروع الوحدة العربية، إلى مشروع الدفاع العربي المشترك الذي لم يجد طريقه إلى التطبيق أثناء الغزو الصهيوني للبنان عام 1982، حين حاصر الجيش الإسرائيلي أول عاصمة عربية، هي بيروت، وقد أسفر ذلك عن إخراج مقاتلي الثورة الفلسطينية في ظل صمت وتخاذل عربي رسمي مطبق. وعلينا أن نلاحظ هنا أنه في تلك الفترات التي كانت تطرح هذه المشاريع السياسية، لم يكن لدى حركة التحرر العربية المشروع الثقافي النهضوي المتكامل، واكتفت القوى السياسية فيها برفع الشعارات فقط، كمادة سياسية مطروحة بغرض تحقيق الالتفاف الشعبي، وذلك دون التعمق الفكري كشعار الوحدة والحرية والاشتراكية، الذي ارتبط بالهدف القومي كشعار نضالي مع الاختلاف حول مضمونه الفكري.

إن ثمة عامل حافز الآن على الاهتمام بالمشروع الثقافي النهضوي المتكامل بعد هذه المشاريع السياسية العربية التي تعثرت، وهذا العامل هو انتعاش الفكر الديني الظلامي، كأداة لتدمير الدولة الوطنية، باعتبارها العقبة الرئيسية في طريق إقامة دولة الخلافة الإسلامية، وقد أدى ذلك إلى ازدياد حدة النبرة النقدية من قبل أحزاب وحركات الاسلام السياسي للاتجاه العلماني، وراح يبرز أكثر فأكثر في خطاب النقد هذا تكفير الأنظمة العربية والقوى السياسية الوطنية والقومية والديمقراطية الثورية، باعتبارها قامت على أساس علماني وارتبطت في نشوؤها بالعامل الاجتماعي الطبقي.

هكذا فإن التفاقم التدريجي للوضع السياسي العربي المتردي الذي ينمو ويتسارع مع ازدياد التحديات التي تواجه الأمة اليوم، وهي أكثر وأخطر على المستقبل العربي؛ كالمخطط الأمريكي الصهيوني الرجعي التصفوي للقضية الفلسطينية و للقضايا العربية القومية، يتطلب البدء بصياغة مشروع ثقافي بمفرداته الحداثية التنويرية، وهذه هي المهمة الرئيسية التي يجب أن تضطلع بها قوى حركة التحرر العربية على ضوء المتغيرات النوعية في المنطقة، وأيضًا على ضوء التطورات الفكرية على صعيد الاتجاهات الثورية العالمية.