Menu
حضارة

في تهمة "خدمة" أمريكا وإسرائيل

نهلة الشهال

نقلا عن السفير العربي

ما هي شروط هزيمة الاستعمار وإسرائيل؟ هل يمكن لشعوب مسحوقة ولمجتمعات مُهانة مُذلة، ومُعطلّة، أن تقاوم جبروت الاستعمار وتنتصر عليه، وهي مهمة شاقة تفترض استنفار كل طاقاتها لموازنة انعدام تكافؤ القوة؟ مستحيلٌ أثبتته التجارب في العالم كله. كما لا يمكن لقوى عليا، سلطوية كانت أو حزبية، أن تنوب عن الشعوب والمجتمعات في هذه المهمة.

.. من حيث ندري أو لا ندري. والأخيرة تترك فسحة لمن يصعب اتهامهم بالعمالة لأمريكا وإسرائيل، فينبَّهوا إلى سوء خياراتهم، وأنهم وضعوا أنفسهم – لبلاهتهم - في خانة لا تطابِق مواقفهم أو تاريخهم أو قناعاتهم أو إراداتهم.. ولكنهم لا يدرون!

-4-

ما أقدم هذه الحجة! استخدمتها أحزاب يسارية في العالم كله وفي بلادنا، علاوة على الأحزاب "العروبية" (من تلك الناصرية إلى البعث). استخدمتها في صراعاتها الداخلية، حتى طالت أحياناً قياديين في صفوفها، أو فعّلتها ضد مزعِجين كان ينبغي التخلص منهم. تُطلَق الشائعات حين لا تكون تهماً صريحة، وتُسوِّء سمعة من ينبغي أن يطاله النبذ والتحريم. وحين تَحكم هذه الأحزاب، فذلك يعني الإعدام، إعدام الجواسيس الفعليين، وإعدام الرفاق.

ولكن الأهم من هذا الصعيد وأذيّته للمعنيين به، هو المنطق الذي يقف خلفه. وهو متشعب، يخص في أحد مستوياته اشتراطات كتطلّب الانضباط والطاعة، وافتراضات بأن المنتمين هم كتلة صماء، أو ينبغي لهم أن يكونوا كذلك. وأما تعريف الانتماء فمشكلة. في الأوساط اليسارية، كان ذلك يخص المنتسبين أولاً، ثم يطال "الوسط" اليساري، بمنشقيه عن الحزب وبمن يبتدع أفكاراً أو أطراً جديدة.. إلا أن ذلك يبقى في نهاية المطاف محدوداً، حميماً، حتى عندما يتوسع الحزب ومعه "الوسط" اليساري، فيصبح جماهيرياً كما كان الحال في العراق أو في السودان في وقت من الأوقات.

أما لدى حزب الله، فيتعدى الأمر المنتسبين إلى أبناء الطائفة كلهم. فهو لا يطيق أن تخرج مجموعة داخل "أحيائه" و"مناطقه" (؟؟) فتعلن عدم الطاعة، تنتقد علناً أو تناهِض. هؤلاء يجب إسكاتهم بقوة وحجبهم تماماً عن المشهد. ولا يهم إقناعهم. ولعدة أسباب، أمكن لهذا الضبط القسري أن يمارَس في لبنان خلال الاحتجاجات الأخيرة. ولكن ما يفسر عدد القتلى الكبير في العراق هو أن "أبناء الطائفة" هناك هم تحديداً من أفلت من قبضة من نصّبوا أنفسهم ممثلين عنهم ورعاة لهم. أفلتوا حتى وصل الأمر إلى السيد مقتدى الصدر نفسه الذي تَطلّب "ضبه" أن يأتي إليه في منزله بالنجف، الجنرال الإيراني قاسم سليماني شخصياً، فيصطحبه في طائرته عائداً به إلى طهران.

والمعضلة أن مئات ألوف الشباب، ممن هم "شيعة" – بالولادة أو بالقناعة - ما زالوا يتظاهرون في الشوارع (ويؤيدهم ويعْضدهم الأقل شباباً). وهذا الأسبوع، انتشرت صورة لشعار يحمله متظاهرون يقول "إيران، لو تقعدون راحة - فإما أن تكفّوا - لو نخليكم تزورون الحسين (ع) على يوتيوب". تُسابِق خطورة الشعار طرافته. فهو تهديد بمنع الإيرانيين من الوفود إلى الأماكن المقدسة. ولعل تركّز التظاهرات الصاخبة في مدينة كربلاء، ومعها العنف المريع الذي يطال المتظاهرين هناك هو ما يستكمل الصورة.

إلا أن الغريب في الأمر هو الإنكار. هؤلاء السادة لا يرغبون في الإقرار بفشلهم بضبط "أبنائهم". في العراق، سبق أن أتُهم الدوعش (هكذا، بإطلاق ينضح بالتعصب المذهبي) بأنهم خلف الاحتجاجات، مع أنها كانت تجري في السنوات الماضية في البصرة والناصرية بالدرجة الأولى، حيث يَصعُب تصديق وجود "دواعش"، على فرض أن بغداد "مختلطة" (يا لهذا الهوس بالتجانس).. حسناً إذاً، قيل "صدّاميون" أو "بعثيون". ولكنها أماكن شهدت "الانتفاضة الشعبانية" في 1991، عقب كارثة غزو الكويت ، وانسحاب الجيش العراقي مهزوماً على يد الأمريكان.. الذين أجازوا وقتها لصدام حسين، فيما هم يشنون عليه حرباً عسكرية مدمرة، أن يقمع تلك الانتفاضة التي بدأت في الجنوب: 300 ألف قتيل! فمن ينسى؟

-5-

ليسوا دواعشَ ولا بعثيين، بل هم عراقيون متعددو الهويات والانتماءات، الدينية والمذهبية والسياسية والفكرية والمناطقية والعشائرية... كما في كل مكان، وكما هي الحياة. وهم تعرضوا لتنكيل مريع. آباؤهم - بل أجدادهم، فهم يافعون - عاشوا في ظل استبداد صدام حسين وقضى منهم من قضى في الحروب (عّدوا معي: 1980-1988 الحرب مع إيران. 1990-1991 غزو الكويت ثم الحرب العالمية الأولى على العراق. 1991- 2003 الحصار الدولي الذي دمر العراق كما وعد بذلك الأمريكانُ ومعهم البريطانيون. 2003 الحرب العالمية الثانية على العراق وغزوه واحتلاله حتى 2011 ). وقد يَسّر الأمريكان لشذاذ آفاق أن يصلوا إلى السلطة، ومَكّنوهم منها، ولم يحسبوا أبداً، وبكل عنجهية استعمارية متعالية، حساب أنَّ من يستزلم عندهم يمكن أن يستزلم عند سواهم. وما أكثر من نقل منهم بندقيته من كتف إلى آخر.

.. وأما الاحتجاجات الحالية فهي مدهشة لجهة أنها استعادة، من قلب التيئيس والسحق، لـ"عراقوية" جامحة هي من خاصيات هذا المكان على مر التاريخ. البلد العريق، المتماسك على الرغم من تنوعه، مهدُ الزراعة، حيث وُضعت في زمن سحيق أعقد المخططات لتنظيم الري بقنواته ومساربه وسدوده، بغاية اقتسام الماء وكذلك للسيطرة على الطبيعة الهائجة. وهي مخططات تتطلب، بالضرورة وتعريفاً، مشاركة جماعية وعملاً صعباً دؤوباً وعنيداً. وهي ما زالت تُدرّس إلى الآن في أعرق جامعات العالم، باعتبارها تجسيداً لعبقرية الإنسان ولشكل فريد من التنظيم الاجتماعي الصارم الذي تميز بمساواتيّةٍ كبيرة... وهذه أرض إبراهيم يا قوم، والحكيم حمورابي في بابل، وقبله أرض ملحمة جلجامش في سومر التي سبقت بقرون الإلياذة، وتركت آثارها في الأديان السماوية الثلاث... المتنبي والجواهري وما بينهما، والجاحظ وكل ما تعرفون. العراقوية هي مزيج من كل هذا، ومعه أن البلد يمتلك ثاني احتياطي نفطي عالمي بينما هو محروم من الكهرباء – مثلاً – لأن الأمريكان قرروا إرجاعه إلى العصر الحجري فدمّروا مؤسساته، ثم أفلتوا فيه وعليه السفلة الذين التقطتهم إيران، وتبنّتهم، وصاروا أبطالاً ميامين. كربلاءُ معاصرة، بحق وحقيق.

لبنان صاحب تاريخ أقل مأساوية من أرض الرافدين (على الرغم من الحرب الأهلية التي دارت فيه) وأكثر اختلاطاً وتداخلاً. وهو في نهاية المطاف، أبسط، وأكثر استعداداً لتقبل التسويات، بل هي مزاجه العام، لولا أن القيّمين عليه ذهبوا بعيداً جداً في الاستباحة.

هنا قيل "شيعة السفارات". ولكن ما قد يُطلَق كتهمة على أفراد لا يصح على الجموع. حسناً إذاً: مغرر بهم من شيعة السفارات، ومن العملاء من سائر الفئات. ولكن، هل هناك عملاء لإسرائيل وأمريكا (وغيرهما) في لبنان (وسواه)؟ بالتأكيد نعم. وفي كل الأوساط والفئات، بما فيها عملاء داخل حزب الله نفسه، جرى اكتشافهم وقصاصهم في حوادث متكررة تُعامَل بالطبع بكتمان شديد. هذه ظاهرة عادية، ولا تخص حزباً بعينه، بل هي تتكثف بمقدار أهمية الحزب أو الحركة السياسية. وقد كانت موجودة ومعروفة في صفوف المقاومة الفلسطينية، التي - بعكس حزب الله - كانت مطبوعة بالتسيب الكبير. علماً أنها أنجزت، في ظروف أصعب بما لا يقارن بظروف حزب الله (فبالله عليكم، كفوا عن التباهي بأنفسكم وعن مقارنة ما لا يُقارَن!) ، معجزة تحويل اللاجئين المضطهدين في المخيمات البائسة إلى شعب له "دولة" بلا أرض. وهذا فعلٌ تاريخي أعاد وضع فلسطين على خريطة العالم، بغض النظر عن كل السقطات.

-6-

ولكن ليس هذا كله - على أهمية توضيحه - هو النقاش! الأمر يتعلق بالمقلب الثاني من الحجة القديمة تلك. أي أن السؤال يخص شروط هزيمة الاستعمار عموماً وإسرائيل خصوصاً، باعتبارها قاعدته الأمامية الرابضة في حضننا. هل يمكن لشعوب مسحوقة ولمجتمعات مُهانة مُذلة ومُعطلّة أن تقاوم على مدى طويل جبروت الاستعمار، وأن تنتصر عليه، وهي مهمة شاقة تفترض استنفار كل طاقاتها لموازنة انعدام تكافؤ القوة؟ مستحيلٌ أثبتته التجارب في العالم كله. ولا يمكن لقوى عليا، سواء كانت سلطوية أو حزبية، أن تنوب عن الشعوب والمجتمعات في هذه المهمة. فهي، حتى لو كانت صادقة في نيتها، تفشل حين لا يسندها دعم الناس لها واستعدادهم للتضحية في المعركة الطويلة والشرسة. وفي 2006، وهي مجرد جولة مهما كانت أهمية شأنها، فصمود الناس وقبولهم بالثمن المهول هو من انتصر في المواجهة مع إسرائيل، والتي كان يقف بجانبها الإسناد الأمريكي المباشر، الميداني والسياسي، وذاك الخليجي، وعملاء السفارات فعلاً من بين اللبنانيين.. حيث أمضت كونداليسا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، أياماً طوالاً في سفارة بلادها في بيروت، تقود المعارك، وتُرتِّب مباشرة، وعلى كل المستويات، تفاصيلَ الموقف بما يخدم الهجوم الإسرائيلي ويجبر المقاوِمين على الاستسلام أو على تسوية مذلّة. لم تكن معركة عسكرية والسلام. ولا صواريخاً مهما كانت جبارة، إذ تبقى صواريخهم وطائراتهم أقوى وأشد بطشاً. صمود الناس هو من عظّم من شأن التدريب العالي لمقاتلي حزب الله ومن شأن شجاعتهم الهائلة، وهو من عظّم من شأن المخططات الدقيقة والاستعدادات المسبقة الموضوعة. ومن يتوهم غير ذلك فهو إما جاهل عموماً، وغائب عن وقائع تلك المواجهة كما جرت، أو هو مجرد ثرثار غير آبه بالاستعداد المطلوب للمعركة.

ولكن هل نريد هزيمة الاستعمار وإسرائيل؟ نعم. فهذا شرط لتحرر مجتمعاتنا من بؤسها متعدد المجالات، بدءاً من ذاك المعيشي ووصولاً إلى تحقيق ذاتها بالمعنى الحضاري والتاريخي. وهذا شرط نتشارك فيه مع سائر المجتمعات والشعوب في العالم. وليس التضامن العالمي مع نضال الشعب الفلسطيني هو نوع من الإشفاق على بؤساء. وليس المئات الذين جاؤوا إلى لبنان من أركان الأرض الأربعة، خلال شهر القصف المجنون ذات صيف من 2006، ليسوا بمجانين. هم في ذلك ينحازون إلى مصلحةٍ تخصهم. حلم طوباوي ببشرية يمكن أن تعيش بلا استغلال ولا اضطهاد ولا ابتذال، فتُنتج وتُبدع وتتآلف.. هنا وعلى الأرض.

-7-

كلمة أخيرة: عرفنا مراراً وتكراراً هذا التحدي الذي يضع المتمردين، وأصحاب النقد الجذري، أمام خيار ثنائي القطبية: أنتم اشتراكيون أو شيوعيون؟ فلا تنتقدوا الاتحاد السوفييتي (أو الصين) لأن ذلك يعزز الاستعمار الأمريكي (أو قبله، البريطاني والفرنسي)، وتجاهلوا العيوب والنواقص والانحرافات، وركزوا على خياركم الأساسي.

أنتم تعترفون بأهمية جمال عبد الناصر؟ فلا تنتقدوا بطل التأميم والسد العالي والتعليم المجاني، الذي أخرج ملايين المصريين من البؤس والجهل، بطل التصدي للعدوان الثلاثي، و"باندونغ" الذي اخترع مع رفاقه من أنحاء مختلفة من العالم فكرة المحور الثالث أو "عدم الانحياز" لموازنة صراعات هذا العالم.

أنتم ضد العدوان الأمريكي على العراق؟ فلا تناهضوا صدام حسين. وهو في نهاية المطاف أنجز الكثير في بلده (والسفَلة الذين يحكمون العراق اليوم، يحْملون الناس على الترحّم عليه، فيقولون "ألف صدام" ولا هؤلاء). وكيف تكونون ضد الأمريكان وفي الوقت نفسه ضد صدام حسين؟

نعرف كيف انتهى كل ذلك! انهار الاتحاد السوفييتي ومعه المعسكر الاشتراكي بسبب النخران الداخلي أولاً وقبل كل شيء. حدثت هزيمة 1967 وهي النكبة الثانية، وجاء السادات بعد عبد الناصر وعقد اتفاق صلح مع إسرائيل. لم يستقبل العراقيون الجحافل الأمريكية بالورود ولم يعتبروهم محررين (كما تمنّوا، أو توقّعوا!)، ولكنهم غزوا العراق مع ذلك ولم يتمكن الجيش العراقي "لوحده" من صدّهم.

هناك معركة جيو استراتيجية مهمة تدور بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران.. ولا نريد لواشنطن أن تنتصر فيها. ولكنها لا تُلِّخص الموقف كله في منطقتنا. ولا يمكن أن يُستباح العراق – خصوصاً - باسمها، علاوة على أن ذلك لا يُفسِّر تلك الاستباحة ولا يبررها.

هناك عبث إيراني بكل المنطقة (سوريا، لبنان، اليمن وصولاً الى أماكن قصية من هذه المنطقة)، وهو، كما يجري اليوم، يؤجج صراعات مذهبية مدمّرة، ويضر بغاية ربح المعركة ضد الأمريكان في هذه المجابهة الجيوستراتيجية. هكذا باختصار