Menu
حضارة

حين تتعفّن بيئات المهاجرين

عبد الإله بلقزيز

هل تتحمّل السياساتُ الغربيّة تجاه الهجرة والمهاجرين العرب المسؤوليّةَ، وحدها، في إقفال أبواب الهجرة أمامهم؟ وهل لتنامي مشاعر العنصريّة تجاه المهاجرين، في أوساط اليمين العنصريّ المتطرّف وفي بيئات اجتماعيّة أوسع، الدور الرئيسي في التضييق على المهاجرين العرب المقيمين، وفي تحريض الرأي العامّ عليهم؟ هل نحن الضحيّة، فقط، وهُم وحدهم المذنبون؟ ألا تساعدهم بعض أفعال المهاجرين وتصرّفاتهم على إتيان ما أتَوْهُ من مواقف الكراهيّة والعنصريّة والتحريض ضدّهم؟ لماذا لا يتعرّض مهاجرون آخرون، من أصولٍ قوميّة ودينيّة أخرى، لما يتعرّض له المهاجرون العرب مع أنّ فعلَ العنصريّةِ واحدٌ وموجَّهٌ إلى «الآخر» غير الغربيّ جملةً؟

لا تنصرف هذه الأسئلة إلى وجهة تبرئة ساحة الغرب: ساسةً وحركاتٍ عنصريّةً، من جرم العدوان على حقوق المهاجرين العرب المقيمين وأمنهم، أو التشكيك في التزامهم قوانينَ البلدان الحاضنة، ولا إلى اتّهام المهاجرين، جميعِهم، بالتمكين لتلك السياسات العدوانيّة ضدّهم أو تبريرها بأفعالهم. هدفنا من الأسئلة تلك التنبيه إلى حقيقتين متلازمتين؛ أنّ العنصريّة - خاصّةً تجاه العرب والمسلمين - متجذّرةٌ في المخيال الغربيّ، وأنّها تنتقل من محض مشاعر وتنميطات ذهنيّة إلى مواقف وأفعال سياسيّة، تتولّد منها آثار مؤذية، إنْ هي وجدت لنفسها مبرِّر تصريفٍ وإعلان في مسْلك بعضٍ من أولئك المهاجرين. هذا يعني أنّ علينا أن نضع وجود الهجرة العربيّة في الغرب موضع مساءَلةٍ نقديّة، من زاوية أنّ المهاجرين مواطنون في بلدانهم الحاضنة، وأنّ سلوكهم ينبغي ألّا يصطدم بقوانين تلك البلاد على النحو الذي تُسخَّر فيه مخالفاتُهم ضدّهم ولإيذاء مصالحهم. ولكنّ ذلك يعني، أيضاً، أنّهم ينبغي ألّا يوضَعوا جميعاً موضعَ مؤاخذة إنْ كانت فرضيّةُ انتهاك القانون لا يقوم عليها دليل إلاّ من جمهَرةٍ قليلة منهم؛ حيث القاعدةُ تقضي بعدم أخْذ الكلّ بجريرة الجزء، وعدم جواز تحويل العقاب الأفراديّ إلى عقابٍ جماعيّ؛ على مثال ما يبغي بعضُ ساسة الغرب المتصهينين وبعضُ حركات التطرّف العنصريّ أن يكرّسوه قاعدةً في العلاقة بالمهاجرين.

أجدني مدفوعاً، هنا، إلى القول بأنّ ما قد أعبّر عنه من موقف ليس شخصيّاً، تماماً، وإنما سبق إلى القول به مهاجرون عرب كثر، منهم باحثون في علم الاجتماع وعلم السياسة، ومنهم نشطاء ومسؤولون في الروابط والمؤسّسات المدنيّة الخاصّة بالمهاجرين العرب. لقد لاحظ هؤلاء، كما لاحظ غيرهم، أنّ اندماج المهاجرين في المحيط الاجتماعيّ لبلدان الهجرة (هو) دون اندماجهم في النظام القانونيّ والسياسيّ للدول. قد يقال إنّ ذلك ينطبق على الفئات الدنيا من المهاجرين، من العمّال والعاطلين الذين لا تسمح إمكانيّاتهم إلاّ بالعيش في أحياء الضواحي الفقيرة في باريس، وتولوز، وبوردو، ومارسيليا، وبروكسل، وروما، ومدريد، ولندن؛ التي تحوَّلَ بعضُها إلى أحياء عربيّة صرفة، بينما لا ينطبق ذلك على ذوي اليسر منهم من الفئات المتوسطة أو العليا؛ أولئك الذين تسمح أوضاعهم بالإقامة في أحياء غير طَرَفيّة، والاندماج في المحيط الاجتماعيّ الأوروبيّ الذي يساكنونَه.

هذا صحيح إلى حدّ بعيد، غير أنّ المشكلة تكمن في أنّ الكتلة السكّانيّة المهاجرة الأكبر أنّما تتكوّن من تلك الفئات الدنيا الفقيرة - خاصّةً من مهاجري بلدان المغرب العربيّ ويُعدّون بالملايين - التي تقطن في أحياء الضواحي الفقيرة، وتتجمّع في بيئةٍ متجانسة خالية من أيّ مظهرٍ من مظاهر الاندماج، وليس من تلك الفئات الميسورة التي تَقْوى، بإمكانيّاتها، على العيش في المحيط الاجتماعيّ لمجتمعات الإقامة. والكثرةُ السكّانيّة للفئات الأولى، واجتماعُها في أحياء بعينها، وصبْغُها الأحياء تلك بعوائدَ وقيمٍ برّانيّة عن مجتمع الإقامة، هو ما يغري الخطاب العنصريّ بالنفير ضدّها وضدّ أخطار مساسها بنظام القيم الغربيّة. والحقّ أنّ معدّلات السرقة، مثلاً، عاليةٌ جدًّا في بيئات المهاجرين القاطنين في غيتوهات، وتصيب آثارُها المؤذية حتى المهاجرين أنفسَهم. لكنّ الأوروبيّين ليسوا وحدهم من يتلقّون الثمن في أمنهم من الجماعات الخارجة عن القانون - من العاطلين عن العمل خاصّةً والمهاجرين السرّيين ممّن لا يملكون أوراقاً قانونيّة - بل يقاسمُهم الثمنَ عينَه المهاجرون أنفسُهم الذين يعانون، يوميّاً، مشكلات أمنهم وعوائلهم من أفعال تلك الجماعات.

لا نبرّر للعنصريّين عنصريَّتهم تجاه المهاجرين العرب، لكنّا نسلّم بأنّهم يجدون لها تبريراً في مخالفات بعض أولئك المهاجرين وتجاوُزاتهم، فيسخّرون التجاوزات تلك للنّيل من المهاجرين جملةً، مغرِّمين هؤلاء بما يفعله بعضٌ قليل منهم. والحقّ أنّ تلك القِلّة الخارجة عن القانون لا تشكّل مشكلةً للمجتمعات والدول التي تقيم فيها، فحسب، بل هي مشكلة حتى بالنسبة إلى المهاجرين. ولقد تكون أوضاعُ المهاجرين غير العرب (الأفارقة والآسيويّين والأوروبيّين الشرقيّين) شبيهةً بأوضاع العرب منهم، ومع ذلك لا تجد في بيئاتهم وأحيائهم المخالفات القانونيّة عينَها التي هي سائدة في البيئات العربيّة المهاجرة؛ لذلك لا تجد الدعوة العنصريّة طريقها، كثيراً، إلى أولئك المهاجرين غير العرب.