Menu
حضارة

عناصر أربعة من أجل الوعي البدائيّ الفتش، الطوطم، النّار، الموت (ج1)

مفهوم_الإنثروبولوجيا.jpg

بقلم / إقبال مرشان / نقلاً عن موقع الأوان

-ملخص:

يوضّح المؤلف في هذا المقال أربعة محاور رئيسة مسؤولة عن انبثاق الوعي لدى الإنسان البدائي، في البداية يناقش الفتش والطوطم، وكيفيّة تولّد صور الفتشيّة الأولى لدى البدائي باعتباره: أي (الفتشFitch ) تجسيداً لقوى الطبيعة وتأثيره عليه ومعناه، ومن ثمّ تعريف بالطوطم والنّظريات السيكولوجيّة لتفسير أصل الطوطميّة، والعلاقة بين اختيار حيوان يمثل الطوطم ومفهوم الإله لدى البدائي. كذلك دور اكتشاف النّار (المغزى السيكولوجي) في حياة البدائيين. كما يفسّر المؤلف الازدواجيّة الوجدانيّة (العاطفيّة) تجاه إشكاليّة الموت، والفرق بين عالم الأموات والأحياء. لقد دفعت العناصر السّابقة في اتّجاه توليد الوعي بالمقدّس، حيث ينحو الوعي لدى البدائي نحو تقديس الحيوان الطوطمي والرّوح المفارقة بعد الموت في حياة أفراد النياندرتال. ولا يغرب عن البال انبثاق الخبرات الدينيّة الأولى لدى متصوّفة الشامان وتأثيرها العاطفي  ومحاولة فهمها وعقلنتها. إنّ تلك الأسس السّابقة دفعت إلى إنجاز الوعي ابتداءً من زمن الفتش والطوطم فكانت الأساطير ورموزها، وانتهاءً بالتّطور السّلوكي والمعرفي للإنسان.

الفتش  والطوطم Fitch & Totem :

إذا كانت القوى هي جواهر الأشياء، فإنّ أشياء الطّبيعة يجري وعيها من خلال نظرة المجتمع، ولكنّ علاقة النّاس بالأشياء في مراحل المجتمع الأوليّة، لها طابع استهلاكي محض. هو طابع امتصاص وتدمير، وبالتّالي فإنّ وجود الجزء يناقضه حالاً الجوهر الكلي له. في اللاّوجود (العدم) وفي هذا تتجلّى حقيقة الموقف الاجتماعيّ من الطبيعة: إنّه نفي وجودها المستقل. وهكذا يكون الفتش Fitch  هو الجزء (الخاصّ) الّذي يحمل ويجسّد قوّة الحياة والموت عموماً، أي هو الخاصّ الّذي يشير مباشرة إلى  مغزى عام، إلى كليّ يقف خلفه، وتكمن هنا العلاقة النموذجيّة الّتي تفضي إلى التّرميز والأنواع الأخرى للصّورة. فالفتش هو صورة نموذجيّة، أي هو هذه الشّجرة، أو هذا الحجر، وفي الوقت نفسه لا هو بهذه ولا هو بذاك. إنّ الفتش كيان متميز، يتكوّن من جسم مادي واحد (جزء-خاص) ومن مغزى كلي يختفي وراءه، هو المضمون الرّوحي الاجتماعي. وهو فعل سحري، إنّه يعيش بفضل عمليّة تقديسه والخضوع له. وهكذا فإنّ الأشياء يصبح لها، لا بذاتها، ولكن بوصفها قوى، إمكانات خفيّة تستطيع أن تؤثّر فيها على الإنسان. لذلك لا تكتسب الأشياء تحديداتها الخاصة، وتتحوّل إلى (فتشات) أي تصبح الأشياء حوامل لقوى سريّة، وهذه القوّة ليست على الإطلاق صفة هذا لشيء، بل الموقف الاجتماعي البشري منه. (1)

وفي الفتش وما يتّصل به من خطوات الوعي الأولى  خصوصاً في التّجسد، يتجلّى أمامنا جوهر الصّورة في طوره الأدنى، تتجلّى بنيتها الأكثر عموميّة، الّتي هي بالتّالي عديمة المضمون. الآن نبدأ بالصعود من هذا الأساس المجرّد الّذي للهرم، نحو البُنى الملموسة المتعاظمة: الغنى والمضمون، لدى تحليلنا للفتش، فإنّ نمط الصّورة سيكون منبثقاً كلّ مرة من نمط العلاقات بين الفرد والكلّ داخل الكيان الاجتماعي المعني. وفي مرحلة الوعي الفتشي كان الوعي مندغماً بأحاسيس سلبيّة، باستجابات غريزيّة، بردود فعل على منبهات آنيّة خارجيّة. لكن ما هي بنية التّصور عند هذه الدرجة؟… عندما أصبح في وسع الإنسان أن يصنع شيئاً، وليكن أبسط أنواع الفؤوس، صار يعرف سلفاً لماذا؟، أي صار يعرف غاية – أو فكرة الشّيء، ومن ثمّ ينتج الشّيء نفسه وفقاً لتصوّر أو تخطيط، والشيء هنا يكتسب وجوداً مزدوجاً: فيزيائي، وآخر يدركه العقل. مع أن الإنسان لم يكن يصنع الشيء كلّه- فهو يعطي الشيء شكلاً فقط، بينما المادة من الطبيعة – إلاّ أنّه أصبح يمتلك جوهر الشّيء، لأنّ الخشبة والحجر مثلاً  ليسا جوهر الفأس المصنوعة منهما، ولكن الجوهر هو الشّكل الّذي أعطي  لهما مجتمعين. هذا الشكل هو تحقيق الهدف من الفأس، أي أنّه هو جوهرها. وهكذا ما إن بدأ إنتاج الأشياء حتّى بدأ إنتاج الأفكار. إذاً فإنّ فعل خلق الشّيء تسبقه كلّ مرّة فكرة الشّيء، أي مخططه (إذ لا توجد في الطبيعة فأس جاهزة). (2)

ويبدأ الأفراد الآن القيام بوظائف مختلفة في العمل فيكتسبون صفات وخصائص، أي مضموناً متميزاً مختلفاً عما عند الآخرين. إنّ ما هو مشترك بينهم لا يعود يتحقّق الآن مباشرة. أي حسب مبدأ (الواحد كالجميع) كما لدى الجماعة البدائيّة، حيث الجميع نسخ بعضهم من بعض. ولذلك كان كلّ واحد منهم يحمل مباشرة كلّ قدرات النّاس الآخرين، وقدرات الجماعة برمتها أيضاً. إنّ تشابههم الآن لم يعد تطابقاً. بل هو وحدة لأنّ المجتمع لم يعد ركاماً بل صار جسداً. والوحدة في الجسد لا تتحقّق من خلال تشابه أجزائه كلّها. بل عبر الصلة المتفردة (الخاصّة) والتّفاعل، وعبر التّبادل بين مختلف الأعضاء. إذ أنّ الأشياء المختلفة وحدها هي الّتي تترابط. وهذه العلاقة بين أجزاء الجسد هي الجوهر، وهي العلاقة الجامعة ونستطيع أن نتعرف عليه بدراسة وظيفته الخاصة. (3)

ويورد أحد الباحثين المدافعين عن مفهوم (سيّد الحيوانات) النّقاش التّالي: “إنّ الثور العظيم الّذي يلعب دوراً بارزاً في التّصورات الميثولوجيّة للصيادين، هو –سيد الحيوانات- والنّموذج الأعلى البدئي لها Archetype. وهنا يمكن لنا استخدام تعبير فلسفي ليس بعيداً جداً عن التّفكير البدائي كما نتصوّر، وهو المثال الأفلاطوني، فالثور العظيم هنا يمثل الفكرة الأفلاطونيّة للنّوع، إنّه يمتلك بعداً لا يملكه بقيّة أفراد القطيع، فهو لا زمني، خالد كفكرة، ولا يمكن القضاء عليه، أمّا البقيّة فمجرّد ظلال خاضعة لمقولات الزّمان والمكان، وبينما يسقط هؤلاء في الشّراك ويقتلون، فإنّه في منجاة عن الأذى، لأنّه تعبير عن الجوهر الّذي تخلق منه بقيّة أفراد نوعه”. (4)

نحن نعلم أنّه تقوم بين الإله والحيوان المقدّس (الطوطم، حيوان التضحيّة) علامات متعدّدة الوجوه: أولاً: كلّ إله يكرس له بصفة عامّة حيوان واحد، وفي بعض الأحيان عدّة حيوانات. ثانياً: في بعض التّضحيات وخاصّة المقدّسة منها، يكون الحيوان المكرّس للإله هو على وجه التّعيين الّذي يقدّم أضحيّة له. ثالثاً: كثيراً ما يعبد الإله أو يُنظر في صورة حيوان، وقد بقيت بعض الحيوانات موضوعاً لعبادة إلهيّة حتّى بعد انقضاء زمن مديد على الطوطميّة. رابعاً: كثيراً ما يتحوّل الإله في الأساطير إلى حيوان، وفي غالب الأحيان إلى الحيوان الّذي كان مكرساً له. يبدو من الطبيعي أنّ الإله نفسه كان هو الحيوان الطوطمي الّذي منه تولد كإله في طور أعلى من تطوّر العاطفة الدينيّة. ولو افترضنا أنّ الطوطم نفسه ليس إلاّ تمثيلاً بديلاً عن الأب. وعلى هذا يكون الطوطم هو الشّكل الأوّل لهذا البديل الّذي سيكون الإله شكله الأكثر تطوراً. والّذي فيه يستعيد الأب معالمه البشريّة. هذا التّخلق الجديد، المتولد من جذر كلّ تكوين ديني بالذّات، أي من حبّ الأب، ما أتيحت له الإمكانيّة، إلاّ بعد أن طرأت بعض التغيرات الجوهريّة في مجرى الأزمان على الموقف إزاء الأب، وربّما أيضاً على الموقف إزاء الحيوان. (5)

ومن علائم التّمييز بين الحيوان الطوطمي وشارته المقدّسة، أنّ الحيوان يمكن لمسه ورؤيته من قبل النّساء وغير البالغين من الذّكور، على عكس الشّارة الطوطميّة، الّتي تحاط بشتّى أنواع (تابو tabo) اللّمس، والنّظر وحتّى على الأدوات الطقسيّة الّتي تخفى بعيداً عن جو العالم الدنيوي، والأسترالي مثلاً يجتمع مع أفراد عشيرته أمام شارة الطوطم في المناسبات الدينيّة فيرقص حولها ويتعبد لها، ولكنّه لا يستبدلها قطّ بالحيوان الطوطمي نفسه، وعندما يقوم بتعديّة الفتيان البالغين إلى طور الرّجولة وتلقينهم أسرار حياتهم الدينيّة، فإنّه يفعل ذلك في الحرم المقدّس حيث تحفظ صور الطوطم لا حيث تسرح جماعات الحيوان الطوطمي. (6)

وكانت أوّل نظريّة سيكولوجيّة في تفسير أصل الطوطميّة قد صاغها (جيمس فريزرJames Fraser) ترتكز إلى الاعتقاد بـ(النّفس الخارجيّة). فالطوطم يمثّل ملجأً أميناً تلوذ بحماه النّفس لتنجو من الأخطار الّتي يمكن أن تتهددها. وحينما يعهد البدائي بنفسه إلى طوطم يغدو هو نفسه غير قابل للأذى، ويمتنع بطبيعة الحال عن التّسبب بأيّ أذى لحامل (نفسه). ولكن بما أنّه لا يعرف أي أفراد النّوع الحيواني هو هذا الحامل. فإنّه كان يلتزم بالامتناع عن المساس بالنّوع كلّه. وفي وقت لاحق أقلع فريزر نفسه عن ربط الطوطميّة بالاعتقاد بالنّفوس. (7)

أمّا النظريّة الّتي تقدّم بها (فونت) فتعتبر الواقعتين التاليتين حاسمتين: أولاهما: أنّ الموضوع الطوطمي الأكثر بدائيّة والأكثر انتشاراً هو الحيوان، وثانيتهما: أنّ الحيوانات الأكثر انتشاراً بين الحيوانات الطوطميّة هي تلك الّتي لها (نفس). فالحيوانات المحبوة بنفس مثل الثّعابين والطّيور والعظايا والفئران، تبدو كأنّها مقدر لها سلفاً بالنّظر إلى قدرتها العظيمة على الحركة وعلى الطيران في الأجواء، وإلى خصائص أخرى تبعث على المفاجأة والرّعب أن تكون حاملة النّفوس الّتي فارقت الأجسام. وعلى هذا يكون الحيوان الطوطمي نتيجة للتّحولات الطارئة على النّفس البشريّة، وهكذا ترتبط الطوطميّة بحسب ما يرى فونت ارتباطاً مباشراً بالاعتقاد بالنّفوس، أو ما يسمّى بالإحيائيّة Animism. (8)

أمّا (ماكس مولر Max Muller ) وفي كتابه المسمّى: مساهمات في تاريخ علم الميثولوجيا contributions to the science of Mythology فالطوطم في نظره: إمّا شعار للعشيرة، أو اسم لعشيرة، أو اسم لسلف العشيرة، أو اسم لشيء توقره العشيرة. وفي سنة 1899 كتب (ج.بكلر) يقول: ” إنّ البشر جماعاتهم وأفرادهم بحاجة إلى اسم دائم يثبت كتابة وهكذا تولدت الطوطميّة – التسميّة – نتيجة لتقنيّة الكتابة البدائيّة. وصفة الطوطم هي صفة العلامات الكتابيّة الّتي يسهل رسمها، لكن منذ أن تسمى البدائيون باسم حيوان مّا، استنبطوا من ذلك فكرة صلة قربى تربطهم بهذا الحيوان “. (9)

لقد كان البدائيون يؤلفون جمعيّة سحريّة إن جاز القول للإنتاج والاستهلاك، وكانت كلّ عشيرة طوطميّة تكلف بتأمين وفرة مادة غذائيّة بعينها. وإذا لم تكن الطواطم ممّا يؤكل، بل حيوانات خطرة أو مطراً أو ريح ..إلخ. كانت العشيرة تكلف بالاهتمام بهذا الضّرب من الظّاهرات لتطرد بعيداً أفاعيلها الضّارة، وبما أنّ العشيرة لا يجوز لها أن تأكل من طوطمها (سنتعرف لاحقاً سبب ذلك)، أو لا يجوز لها أن تطعم منه إلاّ في أدنى الحدود، فقد كانت تعمل على تموين العشائر الأخرى بهذه المادة الثّمينة مقابل مقايضتها بالمواد الّتي كانت تكلف بها هذه القبائل بدورها، وعلى  ضوء هذا التّصور، لاح لفريزر أن تحظير أكل العشيرة طوطمها الخاص قد حجب عن الأنظار الجانب الأهمّ في هذه المؤسّسة، ألا وهو أمر الحرص بقدر الإمكان على ألا تفتقد العشائر الأخرى الطوطم المأكول. إنّ ملاحظة امتناع الحيوان عن أكل لحم سائر حيوانات نوعه، ومن ثمّ خلص البدائيون إلى الاستنتاج أنهم لو فعلوا العكس لأضروا بعمليّة تقمص الطوطم، ممّا يضر بدوره بالسلطان الّذي يطمعون أن يكتسبوه عليه، أو أنّ التّحظير المشار إليه قابل أيضاً للتّفسير بالرّغبة في كسب ود الحيوان عن طريق المحافظة على حياته. (10)

على الرّغم من الخوف الّذي كان يحمي حياة الحيوان المقدس، كما لو أنّه عضو في القبيلة، كانت ضرورة التضحيّة به في احتفال طقسي في حضور الجماعة برمّتها وتوزيع لحمه ودمه على أعضاء القبيلة تفرض نفسها بين الحين والآخر. ونحن نعلم أنّ المأكل المشترك والمشاركة في المادة الدّاخلة إلى الجسم كانا يخلقان بين الآكلين رابطة مقدّسة، لكن هذه الدلالة ما كانت تعزى في الأزمنة الموغلة في القدم إلا إلى الاستهلاك المشترك للحم الحيوان المقدّس. وإذا كان الحيوان مقدساً، كانت حياته لا تمسّ ولا يُحل حذفها إلاّ بمشاركة القبيلة كلّها، وتحت مسئوليتها المشتركة وفي حضرة الإله، كي ما يؤكّد أفراد العشيرة عن طريق تمثلهم مادته المقدّسة، ووحدة هويتهم الماديّة الّتي تشد وثاقهم على ما يعتقدون إلى بعضهم  بعضاً، وإلى الإله وكانت التضحيّة سراً مقدساً، وحيوان التضحيّة عضواً في العشيرة، وفي الواقع كان قتل الحيوان الطوطمي القديم، الإله البدائي نفسه، والتهامه هو الّذي يتيح لأعضاء العشيرة أن يصونوا ويعززوا اتّحادهم الوثيق العرى بإلههم كي يبقوا على شبه به. (11)

إنّنا نستطيع بالاستناد إلى احتفال الوليمة الطوطميّة أن نستنتج التّالي: ذات يوم اجتمع الأخوة المطرودون وقتلوا الأب وأكلوه، ممّا وضع حداً لوجود النقيل الأبوي. فلمّا التأم شملهم دبت فيهم الجرأة والجسارة واستطاعوا أن يحقّقوا ما كان كلّ واحد منهم يعجز بمفرده عن تحقيقه. ومن المحتمل أن تقدماً جديداً للحضارة كاختراع سلاح جديد أيقظ فيهم حسّ تفوقهم، ولئن أكلوا جثة الأب، فليس في ذلك ما يبعث على الدّهشة، ما دام أولئك البدائيون من أكلة لحوم البشر. والحال أنّهم بفعل الالتهام والامتصاص ذاك، يحقّقون تماهيهم معه ويستحوذ كلّ واحد منهم على جزء من قوّته (الأب)، وعلى هذا تكون الوليمة الطوطميّة – وربّما كانت العيد الأوّل للإنسانيّة تكراراً، أو شبه احتفال تذكاري بذلك الفعل المأثور والإجرامي الّذي كان منطلقاً لأشياء كثيرة: التّنظيمات الاجتماعيّة، التقييدات الخلقيّة والديانات. (12)

لقد كان الأخوة يكرهون الأب الّذي كان يعترض بمنتهى العنف سبيل حاجتهم إلى القوّة وسبيل متطلباتهم الجنسيّة، ولكنّهم كانوا علاوة على كرههم له، يحبّونه ويعجبون به، وبعد أن قضوا عليه ورووا غليل حقدهم وحقّقوا تماهيهم معه، صدرت عنهم ولابد إزاءه أمارات وجدانيّة على محبّة مسرفة، وقد فعلوا ذلك في صورة ندم وتوبة  وخالجهم شعور بالذّنب، يصعب تمييزه عن الشّعور بالنّدم الّذي يعتمل في الصدور عادة. وصار الميّت في موته أقوى ممّا كان عليه في حياته، وهذا كلّه لا نزال نلحظه إلى اليوم في المصائر الإنسانيّة، وما كان الأب حرّمه في السّابق بمجرّد وجوده بالذّات، بات الأبناء يحرمونه الآن على أنفسهم بأنفسهم بقوّة تلك (الطّاعة المرجأة) المميّزة لموقف نفسي بات لدينا مألوفاً بفضل التّحليل النفسي، وأنكروا فعلتهم وتنصلوا منها بتحريمهم قتل الطوطم، بديل الأب وعزفوا عن قطف ثمارها بامتناعهم عن إقامة علاقات جنسيّة مع النّساء اللاّئي حرروهنّ، على هذا النّحو يكون (الشّعور بالذّنب) لدى الابن قد ولّد الحرامين الأساسيين في الطوطميّة، وهما الحرامان اللذان لن يلبث أن يختلطا بالرغبتين المقموعتين في (عقدة أوديب)، فمن يسلك مسلكاً مخالفاً لهذين الحرامين يكن قد اقترف الجرمين الوحيدين اللذين يعنيان المجتمع البدائي. (13)

وبوسعنا أن نتصوّر أنّ البدائي والطفل والعصابي أيضاً، الّذي تقود نرجسيته إلى مرحلة ما قبل الولادة، وبالتّالي المرحلة الحيوانيّة، يبحث على وجه الخصوص عن القوة الكليّة في هذه النرجسيّة ويسقط هذه الرّغبة على حيوان فحل أو نبات، قوّته وحيويته يتجاوزان تجاوزاً كبيراً، ويصبح هو وريثه على هذا النّحو، ويبيّن سياق هذه الإسقاطات نفسه (قصص الجنيات)، الأديان، الميثولوجيا، على وجه العموم أنّ هدفها لا يكمن فقط في الاحتفاظ بالحالة الابتهاجيّة، بل في أن يستقر الطفل في عالم يضعه في مأمن من إمكانات حدوث (الحلّ الدّافعي) الّذي يبدو أنّه ينوي استبعاده بوصفه غير مرغوب فيه. والعنصر المدهش الّذي يتمتّع به الطفل له ضرب من التّوحد بالآلهة الذين يستمرون في أن يعيشوا الحياة السحريّة الّتي طرد منها للتّو. فالآلهة والأبطال يعيشون في الواقع في معجزة دائمة، ذلك أنّ حسبهم أن يرغبوا أو يريدوا حتّى يولّدوا واقعاً على قدهم. (14)

-النّار البدائيّة:

في المحلّ الأوّل يجب الاعتراف بأنّ الاحتكاك هو خبرة محملة بصور جنسيّة قويّة. إنّنا لن نواجه أي صعوبة حتّى نقتنع بذلك عندما نتتبع الوثائق النفسيّة الّتي جمعها التّحليل النّفسي الكلاسيكي. في المحلّ الثّاني، إذا أُريد فعلاً ترتيب مؤشرات تحليل نفسي خاص بالانطباعات المتعلّقة بالطّاقة الحراريّة  الداخليّة، نصل إلى الاقتناع بأنّ المحاولة الموضوعيّة لإنتاج النّار عن طريق الاحتكاك هي إيحاء من قبل خبرات شخصيّة حميميّة تماماً. إنّ الحبّ هو الافتراض العلمي الأوّل لإنتاج النّار – إنّ (بروميثيوس) هو عاشق ولهان وهائم أكثر منه فيلسوفاً يحتكم إلى العقل، كما أنّ انتقام الآلهة هو انتقام متسم بالغيرة. النّار هي ابنة لقطعتين من الخشب. لماذا ابنة؟ .. من الّذي يغرم ويولع بهذه الرؤية؟.. من أي جانب تكون مثل هذه الصّورة أكثر وضوحاً؟.. هل هي واضحة موضوعياً أم ذاتياً؟.. أين هي التّجربة الّتي توضحها؟.. هل هي التّجربة الموضوعيّة لاحتكاك قطعتين من الخشب، أم هي التّجربة الذاتيّة الخاصّة لاحتكاك أكثر نعومة، أكثر ملاطفة يؤجج النّار في جسد محبوب؟.. يكفي طرح هذه الأسئلة للكشف عن موقع الاعتقاد الّذي يؤمن بأنّ النّار هي ابنة الخشب. الشّيء الثّاني الّذي رواه ماكس مولر Max Muller عن هذه النّار البدائيّة – كيف أنّها بمجرّد ولادتها قد التهمت أبيها وأمّها، أي  قطعتا الخشب الّتي انبثقت منهما فجأة – لم تكن عقدة أوديب Oedipus complex من قبل أكثر وأفضل وضوحاً من ذلك: إذا أُفتقدت النّار، فإنّ الفشل الحارق سيعذب قلبك، وستظلّ النّار ملتهبة داخلك. إذا أنت ولّدت النّار فإنّ أبا الهول ذاته سيلتهمك. إنّ الحبّ ليس إلا ناراً يجب أن تُنقل إلى الآخر، وهي ليست إلاّ حبّاً مباغتاً. (15)

إنّ الإنسان البدائي لم يكن يستطيع أن ينظر إلى النّار إلّا كشيء مماثل لعاطفة الحبّ أو كرمز لليبيدو Libido. إنّ الدفء الّذي تبعثه النار يثير النّوع نفسه من التّوهج الّذي يصاحب حالة الإثارة الجنسيّة ويوحي شكل اللّهب وحركته بالقضيب في لحظة العمل. ولا يمكن أن يقوم شكّ حول الدلالة الأسطوريّة  لشعلة النّار كقضيب. وحينما نتحدث عن نار العاطفة لدينا (الّتي تلتهم) أو نصف اللهيب بأنّه (يلعق) مقارنين اللّهب باللّسان، لا نكون قد ابتعدنا كثيراً عن تفكير أسلافنا البدائيين. والحقيقة أنّ بياننا عن اكتساب النّار افترض مسبقاً أن محاولة إخماد النّار – بالنسبة للإنسان الأوّل – بواسطة مائه هو – كانت تدل على صراع مثير للذّة مع قضيب آخر. (16)

فضلاً عن ذلك من السّهل جدّاً إثبات أن تناغم الإيقاع في حلّة الاحتكاك النّشط لإيقاد النّار شرط أن يكون ممتداً ولطيفاً بشكل كاف يؤدي إلى حالة من النّشوة. يكفي أن نسمع بأنّ التّسارع الغاضب يتهادى ويهدأ. إنّ الإيقاعات المختلفة تتناغم وتترابط معاً حتى نرى البسمة والسّلام يعودان ببشاشة إلى وجه العامل. هذه البهجة غير قابلة للتّفسير موضوعياً. إنّها دليل على قوّة عاطفيّة خاصّة. (17)

وفي مجال آخر يقول فرويد: “إنّ اكتساب  النّار جريمة. فهو تمّ بالسّرقة أو النّهب، وهذه سمة دائمة في كلّ الأساطير عن اكتساب النّار، ونجدها بين أكثر الشعوب اختلافاً وتباعداً، وليس فقط في أسطورة (بروميثيوس) جالب النّار الإغريقيّة. ولكن لماذا يرتبط اكتساب النّار ارتباطاً لا يمكن فصمه بفكرة الاعتداء؟.. من هو ضحيّة الأذى والخيانة؟.. تعطينا الأسطورة البروميثيوسيّة عند هيزيود إجابة مباشر عن هذا السؤال، ذلك أنّه في قصة أخرى لا ترتبط على هذا النّحو بالنّار، يخبرنا  كيف رتب (بروميثيوس) التّضحيات على نحو يخدع به (آيوس) لكي يخرجه من القسمة لصالح البشر. الآلهة إذن هم ضحايا الخديعة! .. ونحن نعرف أنّ الأساطير تضفي عليهم متعة جميع الشّهوات الّتي يتعيّن على الإنسان أن ينبذها كما في حالة سفاح المحارم المعروفة. وبتعبير تحليلي ينبغي أن نقول إن الحياة الغريزيّة – الهو ID- هي الإله الّذي يُخدع حينما تحرم متعة إخماد النيران، رغبة بشريّة تتحوّل في الأسطورة إلى امتياز إلهي. (18)

لقد اشتهر الشامانيون في العالم أجمع بامتيازات ومكرمات، ويقال: أنّهم أسياد النّار يلتهمون الفحم الملتهب، يلمسون النّار الحمراء، ويمشون فوق النّار، لقد تأكّد العمل بتقنيّة السّيطرة على النّار عند الشامانيين في المجتمعات القديمة الضّاربة في عمق الزّمان. وتعتبر من مكوّنات الشامانيّة مثلها مثل الوجد والصّعود إلى السّماء، والحديث بلغة الحيوانات، وبالنسبة للعالم البدائي وبالنسبة لعموم النّاس. تتميز الأرواح عند البشر بعدم قابليّة احتراقها: نعني قدرتها على مقاومة حرارة الجمر، لهذا يُنظر إلى الشامانيين وكأنّهم تجاوزوا الشّرط البشري، وباتوا من المشاركين بالشّرط الخاصّ بالأرواح. الشامانيون تماماً كما الأرواح يصيرون غير مرئيين وبمقدورهم التّحليق بالأجواء والصّعود إلى السّماء والهبوط إلى الجحيم، ويوصفون بعدم قابليّة الاحتراق فلا تفعل النّيران فعلها في جلودهم.  إنّ السيطرة على النّار تدلّ بحدود محسوسة على تعالي الشّرط البشريّ، وإنّ الشامان  ليبرهن، من خلال هذه التجربة على أنّه كوّن لنفسه الشّرط الخاصّ بالأرواح وأنّه صار، أو يمكنه أن يصير أثناء الحلقة روحاً. وبالنتيجة بوسعنا القول إنّ النّار الشّرط  البشري ولو بصورة مؤقّتة،  تعادل استرداد وضع الإنسان في البدايات،  بتعبير آخر إنّها تعادل إلغاء الزّمان الرّاهن والعودة إلى الوراء بقصد استعادة الزّمان الفردوسيّ. (19)

-إشكاليّة الموت لدى البدائي:

في هذا الموضوع فإنّنا يمكننا ملاحظة جملة من الأمور ذات الصلة بإشكاليّة الموت لدى البدائي:

أوّلاً: هناك معتقد واضح بأنّ الكائن الحيّ يتألّف من جسد مادي وروح لطيفة، وأنّ هذه الرّوح تستقلّ عن جسد الميّت لترحل إلى عالم آخر موازٍ لعالم الأحياء، ويبدو أنّ الرّوح في اعتقاد النياندرتالي كانت تكتسب عند استقلالها قوّة غير عاديّة. تتّخذ شكلاً نافعاً أو ضاراً وفقاً لموقف الأحياء منها، وهذا هو التّفسير الّذي يقود إليه ثني ركبتي الميّت في حيزه الضّيق القصير، لأن هذا الوضع من شأنه منع الجسد من التمدد والخروج إلى عالم الأحياء، إذا عاودته الرّوح الّتي غدت بانفصالها غريبة عن عالم الأحياء، ومحملة بالقوى المؤذية.

ثانياً: يتّخذ الرّأس أهميّة خاصّة في معتقد الرّوح المفارقة والعالم الموازي ويدلّنا على ذلك حماية الرّأس بالألواح الحجريّة وكذلك توجيهه نحو الشّرق الّذي يرمز إلى البعث لأنّه بوابة ميلاد أكبر الأجرام السماويّة، وهما الشّمس والقمر. ويرجح أنّ الإنسان النياندرتالي قد أعتقد بأنّ الرّأس هو مقرّ الرّوح، خصوصاً وأنّ مثل هذا الاعتقاد قد وجد في العصر الحجريّ الحديث اللاّحق.

ثالثاً: يبدو أنّ نثر الأزهار في قبر المتوفى، يؤدّي معنى البعث الّذي يؤديه توجيه رأس الميّت نحو الشّرق، فالأزهار رمز لانبعاث الحياة في الشّجر، كما هو الشّرق رمز لانبعاث الجرمين العظيمين. وقد كان ظهور الأزهار الربيعيّة بشارة سارة للإنسان النياندرتالي لأنّه كان يعتمد في غذائه على جمع ما تجود به الأشجار إضافة إلى حصيلته من لحوم الطرائد.

رابعاً: يبدو أنّ دماء الحيوانات المذبوحة عند الدّفن، كانت في اعتقادهم تطلق طاقة من نوع خاصّ، تعين التوأم الروحي للمتوفى على عبور البرزخ الفاصل بين العالم المادي والعالم الموازي. ولعلّ مما يرجح هذا الافتراض، أنّ الإنسان العاقل في الباليوليت الأعلى (العصر الحجري القديم) اللاّحق، كان يعتقد بوجود قوة حيويّة في الدّم، ويقوم بطلاء أجساد المتوفين وجدران قبورهم بمادة حمراء تشبه لون الدّم للإيحاء رمزياً بطاقة الحياة.

خامساً: لما كانت الأدوات قد وجدت في قبور المواليد الجدد، فإنّ من المستبعد أن تكون لغاية استخدام التّوأم الروحي، لأنّ هؤلاء المواليد الجدد لم يكونوا قد تعلموا بعد استخدام الأدوات، ولذلك نرجح أن يكون لها وظيفة سحريّة ورمزيّة من نوع خاصّ، ولا نستطيع تكوين فرضيّة عنها الآن. أمّا الهدايا الجنائزيّة المؤلفة من العظام الّتي يجري توزيعها حول جسد الميّت، أو يقبض بيده على بعضها، فإنّها مختلفة عن عظام الذّبيحة، وجرى اختيارها بشكل انتقائي لتحمّل قيمة رمزيّة تشير إلى ما ورائها، وهي على الأغلب مقرّ لقوّة من نوع مّا تتّصل بالعالم الموازي الّذي يرحل إليه الميّت. (20)

يرجّح الباحثون أسباب الاعتقاد بالنّفس إلى الانطباعات الّتي يخلفها الموت في الباقين على قيد الحياة. والنّقطة الوحيدة الّتي نختلف- والقول لِـ(فرويد) – بصددها مع هؤلاء الباحثين: “تتمثّل في أنّنا بدلاً من أن نعطي مكانة الصدارة للمشكلة العقليّة الّتي يطرحها الموت على الأحياء، نعتقد بأنّ القوّة الّتي تدفع بالإنسان إلى إعمال فكره بصدد الموت يكمن مصدرها في النّزاع الوجداني الّذي يخلفه هذا الموقف لدى الأحياء. إذن فالخلق النظري الأوّل للبشر، ونعني به خلق الأرواح، ينبع على هذا الأساس من المصدر عينه الّذي تنبع منه التقييدات الأخلاقيّة الأولى الّتي يخضعون أنفسهم لها، أي الأحكام الحرميّة. لكن وحدة الأصل لا تستتبع البتّة تزامن الظّهور، فلئن صحّ أنّ موقف الأحياء من الأموات كان العلّة الأولى الّتي دفعت بالإنسان إلى إعمال الفكر، وإلى التّنازل للأرواح عن جزء من كليّة قدرته، وإلى التضحيّة بجزء من الاعتباطيّة الّتي كان يصدر عنها في أفعاله، فبوسعنا القول أنّ هذه التّشكيلات الاجتماعيّة تمثّل اعترافاً بأنّ البدائي ينحني أمّا حتميّة الموت بالحركة نفسها الّتي يبدو وكأنّه ينكرها بها”. (21)

والسّؤال الّذي يستدعيه الذّهن: ما كانت الأسباب الّتي حدت بالبدائيين إلى أن يعزوا إلى موتاهم بانقلابهم إلى جنّ وعفاريت؟.. يعتقد (وسترماك): أنّه نظراً إلى أنّ الموت هو أفدح مصيبة يمكن أن تنزل بساح الإنسان، يتراءى للنّاس أنّ المتوفين لا يمكن أن يكونوا غير راضين إلى أقصى حدود عدم الرضا عن مصيرهم، وبحسب تصوّر الشّعوب البدائيّة فإنّ الإنسان لا يموت إلاّ ميّتة عنيفة، بيد الإنسان أو من جراء السّحر. ولهذا فإنّ الموت يجعل على الدوام النّفس حانقة ونهمة إلى الانتقام، ويفترضون أنّ النّفس الغيرى من الأحياء والرّاغبة إلى معشر ذويها السّابقين، تسعى إلى إماتتهم باستنزال الأمراض عليهم – وتلك هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق رغبتها في الاتّحاد، وأنّ تفسيراً آخر للأذيّة المنسوبة إلى الأرواح ينبغي البحث عنه في الخوف الغريزي الّذي توحي به، الخوف الّذي ينجم بدوره عن الحصر الّذي يساور النّاس إزاء الموت. (22)

ويلمح فرويد في كتابه (أفكار لأزمنة الحرب والموت): “إذا سلمنا أنّ حياة البدائيين الوجدانيّة إزدواجيّة بدرجة عاليّة جداً، شأنها شأن الحياة الوجدانيّة للمصابين بالعصاب الوسواسي كما يكشف لنا عنها التّحليل النّفسي، فلن يدهشنا أن تأتي استجابة البدائيين على إثر فقد مؤلم مماثلة لاستجابة المرضى بالعصاب الوسواسي وردود أفعالهم ضد العداوة الثّاوية في حالة الكمون في اللاّشعور. غير أنّ هذه العاطفة الّتي يشقّ على النّفس احتمالها تؤول لدى البدائي إلى مصير مغاير لمصيرها الّذي نلحظه لدى العصابيين: فهي تظهر إلى الخارج وتعزى إلى الميّت نفسه، وهذه سيرورة دفاعيّة نسمّيها في الحياة النفسيّة السويّة والمرضيّة على حدٍّ سواء “إسقاطاً”، فالباقي على قيد الحياة ينكر أن ساوره قطّ شعور عدائي حيال العزيز المتوفى، وإنّما نفس هذا المتوفى على ما يتراءى له، هي الّتي تضمر تلك العاطفة، وتسعى إلى إشباعها طوال فترة الحداد. والطّابع العقابي والتبكيتي الّذي تتّسم به هذه الاستجابة الوجدانيّة سيترجم عن نفسه (على الرغم من المجهود الدفاعي عن طريق الإسقاط) بالخوف والحرمانات والتقييدات  الّتي سيفرضها الباقي على قيد الحياة على نفسه، والّتي ستكون خير شاهد على طبيعتها بوصفها تدابير حماية ضدّ الجني المعادي، وهكذا نلاحظ مرّة أخرى أنّ الحرام رأى النّور على أرض ازدواجيّة وجدانيّة، وأنّه حصيلة تضاد بين الألم الشّعوري والرضى اللاّشعوري، المتولدين كليهما عن الموت، وباعتبار هذا الأصل لغضب الأرواح، نستطيع أن نفهم أن يكون أقرب أقارب المتوفى من الباقين على قيد الحياة، أي أولئك الّذين أحبّهم أكثر من سواهم، هم الّذين تتوفّر لهم الدّواعي لكي يخشوا أكثر من سواهم أيضاً كراهيته وحقده”. (23)

وفي مجال آخر يشير فرويد في كتابه (الطّوطم والحرام) قائلاً:” لقد اتّخذ الإنسان البدائي موقفاً متميزاً للغاية تجاه الموت، وكان حقاً موقفاً متناقضاً،  فهو من ناحية كان يأخذ الموت مأخذ الجدّ، ويدركه على اعتبار أنّه ختام الحياة، وكان يستخدمه لهذه الغاية. ومن ناحيّة أخرى فإنّه كان ينكر الموت ويرده إلى عدم. إنّه لم يكن لديه اعتراض على موت الإنسان الآخر. فقد كان يعني فناء مخلوق مكروه، ولم يكن لدى الإنسان البدائي أي تردّد في إحداث هذا الموت. وهذا الموقف يختلف اختلافاً جذرياً عن موقفه إزاء موته هو نفسه”. (24)

أمّا مرسيا إيلياد فإنّه يوضح ثنائية المشاعر تجاه الجنّ والعفاريت المرتبطين بعالم الأموات في كتابه (الأساطير والأحلام والأسرار) قائلاً: “أمّا أنّ الجنّ والعفاريت يتصوّرون على الدّوام على أنّهم أرواح الأشخاص المتوفين حديثاً، فلدينا على ذلك دليل لا يرقى إليه الشّك في التّأثير الّذي يمارسه الحداد على تكوين الاعتقاد بالجنّ والعفاريت. فالمفروض في الحداد أن يضطلع بمهمّة نفسيّة محدودة، تتمثّل في إقامة فاصل بين الأموات من جهة، وبين ذكريات الباقين على قيد الحياة وآمالهم من الجهة الثانية، فإذا ما تمّ تحصيل هذه النتيجة خفّ الألم وخفّ معه التّبكيت والمآخذ الّتي ينحي بها الإنسان على نفسه، وبالتّالي الخوف من الجنّ والعفاريت. وعندئذ تغدو الأرواح الّتي كان يُهاب جانبها باعتبارها من الجنّ والعفاريت، تغدو هي نفسها موضوعاً لعواطف أكثر وداً، وتُعبد باعتبارها أرواح الأسلاف والأجداد الّذين تلتمس معونتهم وتُطلب نجدتهم في المناسبات كافّة”. (25)

********

هوامش البحث:

1-غاتشف غيورغي، الوعي والفن، ترجمة: د. نوفل نيوف، مراجعة: د. سعد مصلوح، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ، عدد شباط-فبراير، 1990، ص20-21.

2- غاتشف غيورغي، الوعي والفن، مصدر سابق، ص26-27-28.

3- المصدر السابق، ص37.

4-السواح فراس، دين الإنسان، منشورات دار علاء الدين، دمشق، ط3، 1998، ص134.

5-فرويد سيجموند، الطوطم والحرام، ترجمة : جورج طرابيشي، منشورات دار الطليعة، بيروت، ط2، 1997، ص192-193.

6-المصدر السابق، ص182.

7-المصدر السابق، ص152-153.

8-المصدر السابق، ص156.

9-المصدر السابق، ص144.

10-المصدر السابق، ص151-152.

11-المصدر السابق، ص180-181.

12-المصدر السابق، ص184-185.

13-المصدر السابق، ص187.

14-د. غرانبرغر بيلا، النرجسيّة، ترجمة: وجيه أسعد، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ط1، دمشق، 2000، ص337-338.

15-باشلار  غاستون، النار – التحليل النفسي لأحلام اليقظة، ترجمة وتقديم: درويش الحلوجي، منشورات دار كنعان، ط1، 2005، ص48-49.

16-فرويد سيجموند، أفكار لأزمنة الحرب والموت، ترجمة: سمير كرم، منشورات دار الطليعة، بيروت، ط3، 1986، ص92.

17- باشلار غاستون، النار – التحليل النفسي لأحلام اليقظة، مصدر سابق ، ص56.

18- فرويد سيجموند، أفكار لأزمنة الحرب والموت، مصدر سابق، ص90-91.

19-إيلياد، مرسيا، الأساطير والأحلام والأسرار، ترجمة : حسيب كاسوحة، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق، ط1، 2004، ص112-113.

20- السواح  فراس، دين الإنسان ، مصدر سابق، ص127-128-129.

21- فرويد سيجموند، الطوطم والحرام، مصدر سابق، ص122-123.

22- المصدر السابق، ص81-82.

23- فرويد سيجموند، أفكار لأزمنة الحرب والموت، مصدر سابق ، ص31.

24- فرويد سيجموند، الطوطم والحرام، مصدر سابق، ص89.

25- إيلياد، مرسيا، الأساطير والأحلام والأسرار، مصدر سابق، ص16.