Menu
حضارة

الخطاب السياسى فى رواية "فوق الأحزان"

د. سهام أبو العمرين

فوق الأحزان

تنتمي رواية "فوق الأحزان"** للروائي المصري د. حسن البنداري إلى ما يسمى نقديًا بالرواية السياسية، ذلك النمط الذى يغوص فى بنية وعي المجتمع الذى يشهد حراكًا سياسيًا فى محاولة لاستجلاء الفكر السياسى، والوقوف فكريًا عند جدلية الصراع بين الحاكم والمحكوم، بين السلطة والقوى الثورية، ومايستتبع ذلك من عمليات قهر وقمع وظلم سلطوى، ورصد ما يحدث فى السجون والمعتقلات وغرف التعذيب؛ فالحدث السياسي في هذا النمط من الروايات هو العنصر الفاعل والمحرك لبقية الأحداث لا مجرد أن يكون حدثًا هامشيًا عارضًا.

قد يقع بعض الأدباء الذين يبنون عوالمهم المتخيلة معتمدين على المرجعية السياسية بشكل محوري في مأزق الخطابية، والمباشرة، وعلو النعرات الأيديولوجية التى يقف ورائها حتمًا المؤلف الضمنى الذى يتراءى خلف الشخصيات، ويعلن عن ذاته نصيًا عبر شحن سرده بشحنات أيديولوجية، الأمر الذى يفقد العمل حيويته وشاعريته. وهذا ما جعل الروائي "ستندال" يقول: "السياسة فى عمل أدبى مثل طلقة مسدس وسط حفل موسيقي، عالية الصوت وسوقية إلى حدٍ ما". إن هذه العبارة تشى بحالة من النشاز التى تخلقها الأفكار السياسية المجردة فى العمل الأدبى المتخيل والذى تعد الشاعرية من أهم سماته.

تجدر الإشارة إلى أنه ليست كل رواية تستقي من العالم السياسي مادتها تقع فى تلك المنطقة التى تبعدها عن شاعرية العالم الحكائي المتخيل. إن السياسة حاضرة فى كل الخطابات الأدبية، فهي محور فكري لا يمكن تغافله، فكل شيء مرده السياسة ومرهون بها على مختلف المستويات: الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. ولكن الأمر يتعلق أولًا: بدرجة تفعيل هذه البنية حتى نقول إن الخطاب خطاب سياسي، وثانيًا: أن انتماء هذا الخطاب إلى الجنس الأدبي مرهون بفنية عرض الحدث السياسي ودرجة انصهاره في بنية النص المتخيل؛ لأن الرواية أولًا وأخيرًا عمل متخيل وإن أشار إلى أحداث وقعت بالفعل فى صيرورة الزمن.

كما لا بد من التمييز بين الرواية السياسية التى تتعامل مع الواقع السياسي بمباشرة ودون مواربة، وبين رواية التخييل السياسي التى تعمل على تفعيل تقنية الرمز وتوظيف الأقنعة الاستعارية، هذا النمط يدخل فى علاقة غير مباشرة مع الواقع الراهن الذى يتم تشفيره عبر وسائط كالأسلبة والباروديا والتهجين والتناص والمعارضة، حتى لا يصطدم الروائي بإحدى حوائط التابو الثلاثة، ومن ثم يتم اللجوء إلى التراث واستلهمامه واستدعاء شخصيات تاريخية واستنطاقها. فتتداخل الأزمنة، ويتقاطع الماضى مع الحاضر فى ظل ذلك النظام المشفر.

تُلقي رواية "فوق الأحزان" أضواءً كاشفة على فترة حرجة من تاريخ مصر المعاصر، فزمن الخطاب يمتد ليتناول الفترة من عام 1968 أى بعد نكسة يونيو 1967 بعام واحد حتى انتصار أكتوبر1973، بينما يتسع زمن الحكي إلى ما قبل نقطة انطلاق الحاضر السردى، حيث يتقافز السرد عبر تقنية الاسترجاع ليقف عند فترات زمنية مختلفة من حياة "ثابت المراسى" السارد الذى يطل على عالمه الروائى عبر ضمير "الأنا"، وهو أحد مجندي حرب الاستنزاف الذى يطلعنا على صراعه النفسى المتأزم إثر النكسة، ورغبته الأكيدة فى الخروج من دائرة الانهزامية عبر تفعيل تقنية المونولوج.

يغوص السرد فى تلك المنطقة المظلمة التى عايشتها مصر إثر الهزيمة، ويتتبع رغبة الشخصيات فى الفعل والمقاومة ومعاندة الواقع الذى يدعو للاستسلام، فى ظل رصد لموقف الشخصيات من السلطة الحاكمة، وانقسام البعض حيالها بين مؤيد ومعارض.

إن الخطاب السياسى واضح تمامًا منذ بداية تَخَلُّق سطور الرواية، حيث القطار الذى يحمل جنودًا – من بينهم السارد – ليتم نقلهم إلى وحداتهم العسكرية وتوزيعهم على جبهات القتال فى الإسماعيلية، والسويس، وبور سعيد، يتتبع السرد حياة الجنود فى مواقعهم، وعلاقة السارد بأصدقائه الثلاثة: فكري الجبالي، عدلي قلدس، ورمزي الحديدي - لاحظ توظيف الأسماء فى إشارة إلى قطبي المجتمع المصرى وتلاحمهما فى صناعة النصر- الذين يجتمعون على الرغبة فى القتال والمقاومة وتحرير سيناء، كما يجمعهم حب فتاة واحدة هى "حياة الشاهد" التى يطمح الأصدقاء الأربعة فى نيل حبها. وعلى الرغم من أن السرد يعلن حبها للسارد، فإنها تخطب لغيره من أحد الرأسماليين المتسلقين، ويكون مصير زواجها بهذا الثرى معلقًا بما تسفر عنه الحرب، وعودة السارد لها مخلصًا إياها من زواج حتمى مفروض عليها لغيابه فى الجبهة.

يتنامى الحكي ويتدافع فى ظل انفتاح النص الروائى (المتخيل) على السياق التاريخى (الواقعى)، فيتطرق النص إلى بعض الأحداث السياسية التى مرَّ بها الجيش والقيادة كـ "تحديث القوات المسلحة بالاعتماد على المجندين المؤهلين، وتصفية بعض قيادات الجيش كعبد المنعم رياض من قِبل العدو الإسرائيلي، وخفض درجة الطوارئ، وموت عبد الناصر، وانقلاب 15 مايو 1971، وانقلاب السادات على مراكز القوى، واندلاع المظاهرات فى بداية السبعينيات، وطرد الخبراء الروس، والإجراءات الأمنية بتسريح دفعة المؤهلات المتوسطة أولا ثم العليا قبيل حرب 1973". ويعتمد السارد على تقنية توثيق الأحداث السياسية بتواريخ دقيقة تحيل إلى زمن حدوثها واقعيًا.

وتشتغل تقنيتا الملخص والحذف على الجسد السردى لتلاحق زخم الأحداث وتوالدها. أما الحوار فيأتي مصاغًا بالفصحى وعبره يتم شحن السرد بشحنات أيديولوجية عبر أصوات تتلاقى حينًا عند بؤرة المطالبة بضرورة التحرك ومقاومة إحباطات الفترة، وتتضاد حينًا مع السلطة السياسية التى يُعلِّق عليها البعض – ومنهم السارد – أسباب الهزيمة، أما البعض الآخر فيؤيدون توجهات تلك السلطة، التى يرون فيها الزعامة.

ويعد الحوار الذى تم نسجه بواسطة ثلاثة من مجندي حرب 1976 والذى يجترون عبره مآسى الهزيمة وغدر المستعمرين بالأسرى المصريين والتنكيل بهم ودفنهم فى سيناء من أكثر الحوارات حيوية؛ إذ تبتعد عن الشعارية والخطابية، فالحوار ينقل بواسطة أصوات مجربة عايشت تجربة الهزيمة، ولنقرأ المقطع الحوارى التالى:

" عمد الثلاثة ( أى عبد التواب ومسعد الرفاعى وشعبان) إلى سرد مزيد من المشاهد المؤسفة؛ فقال مسعد الرفاعى بينما ترقرقت فى عينيه الدموع:

رأيت طابورًا من الجنود يطلقون النار على أسرى أوثقوا أيديهم وأرجلهم بالحبال.

وقال عبد التواب وهو ينشج بصوت أثار فى نفسى منابع الرعب وفجر تيارًا من الغضب:

رأيت دبابات تدوس عشرات الأسرى الموثوقين بالحبال ..

وقال شعبان بصوت متهدج:

حفروا حفرة كبيرة ورموا فيها الجثث .. وأهالوا فوقها الرمال.

سكت للحظات ثم قال:

كنا نراقب كل شيء من خلف تل بمنظار مكبر وجدته بجواره.

وقال مسعد:

تبادلنا نحن الثلاثة الرؤية بالمنظار المكبر.

وأضاف بحسرة ممزوجة بالغيظ:

لم نحارب أصلًا .. والانسحاب عشوائى، وتركنا الأسلحة فى مكانها، الأسلحة كانت بدون ذخيرة!

حاصرنى الثلاثة برواياتهم ذات المشاهد الرهيبة لأيام وأيام، وكنت حريصًا على أن أجالس كلًا منهم على حدة ليروى لى تجربته دون تحفظ أو تردد أثناء التيه والضلال فى الصحراء، وبين الوديان والجبال، وفى السهول الرملية الخالية من الماء" (الرواية ص 61،62،64).

يسجل السارد الحوار السابق نصيًا وفقًا لما سمعه من أقوال صادرة من شخصيات مجربة عايشت أحداثًا لم يعايشها السارد بنفسه، ولذلك يتواتر فى السرد ملفوظات عدة من قبيل: "حدثنى، سمعت، حُكى لى". ومن ثم يعطي السارد لحواسه أهمية كبيرة فى استقبال العالم المدرك، كما يتم توظيف أفعال الرؤية كـ "شاهدت"، "رأيت"، "راقبت"، وهى أفعال تفترض مسافة بين الرائى/السارد وبين (ما أو من) يراه، الأمر الذى ينبئ عن محدودية علم السارد الذى يستقي معلوماته السردية من ما يراه ويسمعه، ولكن لا تلبث أن تتلاشى هذه المسافة المعرفية عندما يتدخل السارد فى محكيه فيعلِّق على الأحداث، ويتراءى فى بعض المقاطع النصية محللًا سياسيًا وخطابيًا فى كثير من الأحيان. ولنقرأ المقطع السردى التالى الذى يبدأ بتوظيف أفعال الحواس، ثم انتقال السارد إلى دور المعلق على الأحداث:

"عدت إلى موقعى بسرعة لأراقب من الهضبة ما يجرى فى الظلام على الجانب الشرقى. شاهدت قنابل مضيئة بدت لى أنها تساعد فى إخلاء المنطقة من الجرحى والقتلى، كما شاهدت طائرات هليوكوبتر تهبط وترتفع، وسمعت أصوات براميل فارغة ترتطم بأخرى فوق عربات كبيرة تجرى من اليمين إلى اليسار مرات ومرات.. أثناء المراقبة فكرت فى نظرة الأسير الشاب .. وفكرت فى أسرانا الذين تم رميهم بالرصاص، وسحقهم بالدبابات بدم بارد وقلوب صخرية.. ولكنى لم أفكر أبدًا فى أن أؤذي أسيرًا أو أؤيد قتله. فنحن لا نقتل الأسرى" (الرواية ص 97).

يُعقب السارد على الأحداث ويناقش أوضاعًا سياسية يأمل فى تغييرها ويعمد لتفكيك بنية السياسة فى محاولة لاستجلاء متغيراتها، ويتم ذلك عبر تفعيل تقنية المونولوج التى تتيح انطلاق الداخل المكبوت، يقول السارد فى موضع نصي آخر:

"قلت في نفسي: مهما كانت أسباب هزيمة 67، فإن المسئولية معلقة فى رقبة "الزعيم" الذى ما زال يحكم وينظّر ويفاوض ويعيد تنظيم القوات المسلحة. فهل فكر فى احتمال قيام العدو بضربة نووية عندما يأمر بالعبور والتحرير؟ قال الزعيم فى خطاب عام "ما أخذ بالقوة لايسترد بغير القوة"، فهل قواتنا فى أى وقت قادرة على المواجهة؟ هل أحسن اختيار القادة العسكريين الذين سيخوضون بنا الحرب المصيرية؟..." (الرواية ص71).

يأتى هذا المونولوج إثر قراءة مقال للكاتب "أحمد راغب" فى الأهرام عن "القدرة النووية الإسرائيلية" لينفتح المتخيل على السياق الثقافى الذى تُضَمّن بعض مواده وتخضع لتفنيد السارد الذى يعلن عن توجهاته الفكرية والأيديولوجية بمباشرة واضحة.

وعلى الرغم من أن أحداث الرواية تدور فى جبهات القتال ومعسكرات تدريب الجيش فإن الرواية لم تغفل إبراز العلاقة والتواصل بين عالم الجبهة الحربي بمناوراته واستعداده وبين عالم المدينة الذى ينتظر أفراده تغييرًا. ويأتي القطار ليكون همزة الوصل بين هذين العالمين، حيث انتقال السارد عبره إلى مدينته ثم الرجوع إلى مواقع القتال من جديد، ورحلة السارد من وإلى العالمين قد أتاح ربط السياقين: السياسي والاجتماعي وإبراز تأثير الأول فى الثانى. ويكتشف السارد بنفسه مدى تأثير السياسي في الاجتماعي وهو فى محطة القطار، هذا المكان الذى يحيل إلي حالة من حالات الانتظار المرتقب. يقول السارد:

"وقفت بجوار الحائط الذى تعلوه الساعة انتظارًا للقطار الذى لم يصل بعد إلى المحطة. جعلت أتأمل الوجوه المقبلة والمدبرة: لاحظت فى الوجوه عيونًا ذات نظرات غير مريحة خالية من الود، وتبرز فيها معانى الاستنكار والضيق بكل عسكري عابر أو واقف يرتدي البدلة الكمونية أو الكاكية مهما كانت رتبته" (الرواية ص107).

يستشعر السارد فى وجوه المنتظرين استنكارًا وضيقَا منه لكونه عسكريًا مرتديًا ملابس الجيش الذى لا يتحرك، أما عندما يصل لعالم المدينة/القاهرة إثر إجازة له يبدو الأمر مختلفًا؛ إذ يبدو ناسها غير مباليين. يقول:

" دققت فى الوجوه فلمحت ابتسامات مريحة تتوسط وجوهًا منبسطة، فقلت في نفسي: واضح أنهم لا يعرفون ما يجرى فى جبهات القتال، أو أنهم يعرفون ولكنهم لايريدون أن يشغلهم أحد عما هم فيه ... إنهم لا يفكرون الآن فى الجبهة التى تشتعل بين الحين والآخر .. إنها هم يعكر الصفو" (الرواية ص131 – 132).

كما يتطرق السرد بطريقة عفوية إلى تأثير السياسي في الاجتماعي عبر التبئير على أحد الجنود وخطيبته اللذين يرمقهما السارد من على بعدٍ وهو جالس فى أحد المقاهي، إذ يشهد لحظة افتراقهما؛ نتيجةً لتردى الأوضاع على الجبهة وتجميد الموقف الحربى برمته. ويتتبع السارد كذلك موقف تردى القيم وتبدلها إثر مشاهدة مجموعة من الشباب كانوا يتابعون الفتاة التى انفصلت لتوها عن خطيبها، فهمُّوا لاغتصابها فى أحد شوارع مدينة القاهرة لولا تخليص السارد لها الذى كان يتابعها هو الآخر.

ويُلحظ أن فضاء الرواية فضاء مفتوح لا ذكر لأماكن مغلقة كالبيوت والغرف التى يمارس فيها الإنسان خصوصيته، أو ذكر للسجون والمعتقلات التى يكثر إيرادها فى الروايات السياسية، فالمكان العام حيث المواقع الحربية المكشوفة منها وغير المكشوفة تمثل المسرح الذى أقيمت عليه الرواية، ويعد السارد هذه الأماكن بيتًا له. يقول إثر عودته لموقعه:

" قلت لنفسى: ها أنا ذا أعود إلى "مقري الدائم" حقًا. أشعر بارتياح لأننى عائد إلى مقري الدائم"؛ فبيتى بطنطا أو منزل شقيقتى.. صار مؤقتًا. لم يعد له فى ذهني صفة الاستمرار. أشتاق الآن إلى "الملجأ" المواجه لحفرة مدفعي .. أشتاق إلى مدفعي الذى يبعث فى نفسي الثقة والاطمئنان. صار الملجأ القبو المغطى بشكائر الرمل بيتي وموئلي ومستقري" (الرواية ص 142).

حتى إن بيت السارد فى مدينته الذي يعد مكانًا للخصوصية جاء بابه فى حالة مواربة دائمة انتظارًا للغائبين؛ فالحرب التى أسفرت الهزيمة قد تغذت على "عادل" الأخ الأكبر للسارد، بينما الجميع ينتظرون عودته ولا سيما الأم التى فقدت بصرها وهى فى حالة من الانتظار المتواصل له، على الرغم من أن نبأ استشهاده قد أُذيع ويعلمه الجميع، إلا أن تعلّق الأسرة بالابن جعلهم يرفضون تصديق نبأ استشهاده.

وتشهدنا السطور الأخيرة للرواية على لقاء تمّ على مستوى اللاوعي بين السارد وأخيه بعد تحقق النصر على المستعمر فى حرب 1973 يقول السارد:

"رأيت في مراحل غيبوبتي شقيقي "عادل" الذى لم يعد أبدًا من الحرب السابقة 67 .. رأيته في ردائه العسكري وهو يبتسم.. ورأيت أصدقائي الشهداء الثلاثة وهم يتحسسون برفق جراحي.. ورأيت فتاة وجندي "اكسلسيور" يغادران بعد أن استعادا الدبلتين، ورأيت الشبان الثلاثة الذين صارعتهم يقبلون علىّ معتذرين، وتجلى فى الأفق وجه حياة الشاهد ترتسم فى استدارته بسمة قمرية، ورأيتها تمد يديها وتمسح على جبهتي برفق وحنان.. وهمس صوتها الحاني:

- نجوت.. استرح الآن" (الرواية ص211).

وإذا كان النص قد توقف عند نقطة تحقق النصر، فإننا نجد خيوطًا تمتد لتتشابك مع السياق الراهن بمستوياته المتعددة معلنًا بطريقة ضمنية انتظاره لعبور آخر!

......................................

* فوق الأحزان، دار الإبداع للصحافة والنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 2008.