Menu
حضارة

فنزويلا: تراجع أيديولوجي وتقدم سياسي

اسحق أبو الوليد

يراقب المهتمون الوضع في فنزويلا بحذر شديد، وخاصة بعد تراجع التوتر مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتوصل حكومة الرئيس مادورو إلى اتفاق مع قسم هام من المعارضة المعتدلة الفنزويلية، يدين الحصار الأمريكي على البلاد ويرفض تسليم إقليم الايسيكيبوا الغني بالنفط والمعادن لشركة النفط الأمريكية موبل، كما وعدهم هوان غوايدو رئيس الجمعيه الوطنيه الذي أعلن نفسه في 23/1 من العام الحالي رئيسًا مؤقتًا للبلاد، لأن هذا الإقليم الذى تتنازعه جمهورية غويانا مع فنزويلا، هو فنزويلي كما تقر بذلك المواثيق والقرارات الدولية، مما ألحق هزيمة مدوية برجل الإدارة الأمريكية وعميلها هوان غوايدو، وما يضعها في دائرة الضوء هو تأييدها ودعمها الواضح والصريح لحركات التحرر وكافة القضايا العادلة في العالم، وخاصة القضية الفلسطينية، بل واصطفافها مع كافة القوى المعادية للاستعمار والإمبريالية وحروبها الظالمة، وقيادتها مع كوبا لكافة القوى والأنظمة التقدمية المعادية للإمبريالية، والتي تناضل من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية في القارة.

كذلك، إن فشل محاولات الإدارة الأمريكية لتغيير نظام الحكم في فنزويلا، بسبب تماسك نظام الحكم شعبيًا وعسكريًا وارتكازه على دعم مباشر روسي صيني، ولعدم توفر الشروط الموضوعية المناسبة محليًا وإقليميًا، أدى إلى مزيد من التآكل والانقسامات في صفوف المعارضة اليمينية التابعه للبيت الأبيض، وأحدث بعض التغيرات في إدارة الرئيس ترامب، وخاصة الإطاحة بمستشار الأمن القومي جون بولتون، الذي قال عنه ترامب، إنه فيما يتعلق بفنزويلا: "تجاوز الخطوط الحمراء، وأن الأحداث أثبتت إنه (أي ترامب) كان على حق في خلافه مع بولتون". رغم تأكيده أن سياسته تجاه فنزويلا لم تتغير، ولكنه لم يذكر "الخيار العسكري" هذه المرة، مما دفع بعض الجهات للتكهن أن الخلاف مع بولتون، كان يتعلق بجدوى طرح هذا الخيار، وبهذه الطريقه وهذا التوقيت!

ما من شك أن تحديات البناء وإجراء التحولات الضرورية لتعزيز الجبهة الداخلية التي ما زالت ضعيفة وهشة، يشكل المهمة الرئيسية لكافة القوى التي تشكل المعسكر البوليفاري الثوري، وخاصة الحزب الاشتراكي الموحد، حيث بقدر ما تتعزز الجبهة الداخليه وتزداد صلابة، تتعزز وتشتد أيضًا السياسة الخارجية والعكس صحيح أيضًا، لأن من يريد تحدي الإمبريالية عليه أن يستعد لتبعات هذا التحدي، وأن يوفر ولو بالحد الأدني شروط وإمكانيات المواجهة.

الوضع الداخلي والذي لا يمكن عزله أو فصله عن محيطه الإقليمي، ما زال يثير القلق بسبب عدم المقدرة على معالجة الأزمة الاقتصادية الحادة بعيدًا عن الأساليب الرأسمالية التقليدية التي هي في بعض جوانبها نتاج للعقوبات الاقتصادية التي اتخذتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وبعض دول الاتحاد الاوروبي، ولكنها في الأصل أزمة بنيوية اقتصاديه فكرية وسلوكيه تاريخيه عميقة، سببها الاعتماد بشكل شبه كامل على العائدات النفطية التي تحفز الاستهلاكية على حساب الإنتاجية والادخار. فقد وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته هذا العام، بسبب نقص في قطع الغيار الضرورية لتجديد وصيانة أدوات الإنتاج، مما أدى إلى انخفاض حاد في الدخل بسبب تراجع الصادرات النفطية، حيث وحسب مصدر مطلع وموثوق، تجاوز الدخل من تحويلات المغتربين الفنزويليين، دخل الصادرات النفطية، وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ بلد مُصدر للنفط، ويحتوي على أكبر احتياط من هذه المادة في العالم. ترافق هذا مع السماح "بحرية الاستيراد"، ورفع الرقابه عن الأسعار، والسماح بتداول العملات الأجنبية وخاصة الدولار في عمليات التجارة الداخلية، مما عمق سلوك الرشوة والفساد والتهرب من دفع الضرائب، وبهت من هيبة الدولة وأهلية الموظفين والمسئولين لمكافحة كافة الظواهر السلبية والضارة. 

هكذا يمكن القول، أن محاولات بناء "اشتراكية القرن الواحد والعشرين"، قد تعثرت وأصابها الوهن وتراجعت، وأصبحت "المؤسسات والوحدات الإنتاجية الاشتراكية"، تشكل عبئًا على الميزانية؛ بسبب هبوط إنتاجيتها، واستحواذ المدراء المسئولين على الكميه المنتجة أو المستوردة لخدمة أهداف ومصالح فردية، أدت إلى إثراء هذه الشريحة (عسكرية ومدنية) التي أصبحت جزءًا أصيلًا من مكونات الحكم والطبقة الحاكمة، تُدافع بكل قواها عن الواقع الجديد تحت شعار: "الاشتراكية والعداء للإمبريالية"، مما وسع من الهوه بين الأغنياء والفقراء، ونٌفر الجماهير الشعبية من هؤلاء "الاشتراكين واشتراكيتهم"، وقد وجد الرئيس مادورو نفسه مضطرًا على شن "هجوم عنيف على الذين يرتدون القميص الأحمر، كي يخفون تحته انتمائهم للثورة المضادة ونشاطاتهم التخريبيه  . ففي الوقت الذي تشهد فيه الثوره البوليفارية تراجع في الحقل الأيديولوجي – الفكري، نجدها تخطو خطوة إلى الأمام في الحقل السياسي؛ بمد الجسور من جديد مع المعارضة من خلال عودة كتلة الوطن (كتلة التحالف البوليفاري) لممارسة دورها الدستوري في الجمعيه الوطنية ذات الأغلبية اليمينية، مما ساهم في خفض حدة التوتر السياسي والاجتماعى، وزيادة فرص الاستقرار النقدي وتحريك العجله الاقتصادية الإنتاجية والتجارية، مما خفف أيضًا من الحملة الإعلامية التي تشنها بين فترة وأخرى الإدارة الأمريكية التي لم تقطع يومًا شعرة معاوية مع حكومة نيكولاس مادورو. فرغم انحيازها ودعمها المطلق للمعارضة، إلا إنها ترسل إشارات أنها يمكن أن تتخلى عن هوان غوايدو بسبب فشله وعدم قدرته على قيادة المعارضة، وتورطه في علاقات مباشرة مع عصابات تجارة المخدرات في كولومبيا، حيث تم تسريب صورًا له مع كبار تجار المخدرات والعصابات المسلحة الكولومبية، مما ساهم بحرقة في الأوساط الشعبية الفنزويلية والإقليمية، وشكل حرجًا للأوساط الحكومي التي احتضنته وسوقته على إنه "المنقذ والمخلص" لفنزويلا وشعبها من "ديكتاتورية وفساد نظام مادورو".  

إنه من المؤكد أن هنالك تغيرات تجري وبخطى متسارعة من قبل الحكومة الفنزويلية، وخاصة في الحقل الاقتصادي، الذي كان ولا زال يشكل التحدي الرئيسي لإجراء التحولات الضرورية، لبناء الاقتصاد الاشتراكي البديل، وتتم العودة لاقتصاد السوق، والحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وتركها لتعمل وفق قوانين المزاحمة والعرض والطلب. بالطبع سيترتب على هذه السياسة "الاقتصادية الجديدة" تبعات والتزامات سياسية مغايرة لما كان سائدًا لحد الآن، كثمن للبقاء في سدة الحكم، وأحد اهم مؤشرات الخطر هو تقدم السياسة، كفن الممكن، والتراجع الفكري الأيديولوجي حتى بحدوده الاصلاحية !