Menu
حضارة

الانتفاضة الشعبية تصنع معادلتها الصعبة

سمير دياب

اكتوى الشعب اللبناني بنيران نظام سياسي طائفي فاسد بكل المعايير والمواصفات، وزارت السموم المسرطنة المحمية كل بيت، وانتشرت البطالة وطالت شرائح اجتماعية أكبر، وكلما انكمش الاقتصاد ينكمش الفرح؛ لا مال ولا مدخرات ولا أمل لغد مع طبقة سياسية هجينة يصعب تصنيفها طبقياً، لكنها من أسوأ أنواع الطبقات منذ ثلاثين سنة.

لقد اتفق تحالف النظام على تقاسم وسرقة كل شيء، ونسوا جميعاً شيئاً واحداً أن الشعب اللبناني تحول: إلى مدين لبنوك الرأسمالية المتوحشة، أو إلى متسول لوظيفة أو لدخول مستشفى أو مدرسة أو جامعة عند أبواب مستشاري أمراء الطوائف أو إلى زبون دائم على أبواب السفارات سعياً لهجرة.

لم يصدق أصحاب القصور والأبراج العالية أن الشعب سيصل إلى مرحلة الانفجار عليهم في 17 تشرين الأول – أكتوبر الماضي، من أجل استرداد كرامته وحقوقه المسروقة من حكامه.

لغة واحدة جمعت حشود الملايين في الساحات، هي لغة وطنية واحدة عابرة للطوائف، هي لغة الوجع والتعب والقرف من زعماء كبرت على حساب رعاياها المطيفة، وكبرت ثرواتها من سرقة قوت شعبها.

جيل التغيير أثبت جدارته الوطنية بامتياز، رغم أنوف كل المشككين والخائفين والأبواق المأجورة التي تحاول تحميل الانتفاضة الشعبية انهيار البلد المنهار أصلاً. حتى اللحظة فشلت السلطة وأدواتها في الالتفاف عليها، رغم أن أبناء الانتفاضة يعلمون علم اليقين أن السلطة لن تستسلم عن طيب خاطر، ولن تعدم وسيلة وإلا وستسخدمها ضد الانتفاضة؛ أكان عبر الأيادي الناعمة أو الخشنة، أو بالوسائل المباشرة أو الملتوية لقمعها أو تطييفها، بغرض تفريقها أو تفريغ مضمونها كانتفاضة اجتماعية واقتصادية وسياسية وطنية تغييرية.

فالنضال من أجل قيام دولة وطنية ديمقراطية، هو نضال من أجل تحرر المجتمع ككل، بطبقته العاملة وكافة شرائحه الاجتماعية المفقرة من سيطرة أمراء الطوائف واستغلالهم الطبقي والإنساني، وهو نضال يطال كل فئات الشعب اللبناني على اختلاف فئاتهم العمرية ومناطقهم.  وبهذا المعنى، فإن "انتفاضة 17 اكتوبر"  تشكل بداية لعملية التغيير الديمقراطي الجذري وفق منهجية وآلية عمل قادرة على توظيف كل الطاقات الجماهيرية لإحداث دينامية في العملية النضالية، بواسطة أشكال من التعبئة والتنظيم والبرامج؛ لدفع هذه العملية قدماً نحو تحقيق أهدافها التغييرية .

لا أحد يدعي أن كل الخطوط سالكة وآمنة، لكن ما تدركه المكونات الاجتماعية للانتفاضة من عمال وموظفين ومتقاعدين ومتعاقدين وشباب وطلاب وتلامذة ونساء هو التصميم على استمرار النضال الميداني، والارتقاء في شروطه الموضوعية المترافقة مع أزمة الطبقة البرجوازية التبعية المسيطرة وإفلاسها وتناقضاتها من أجل التأكيد على سيرورة الانتفاضة وتحقيق مطالبها.

الشعب قال كلمته، إنه يريد مياه وكهرباء وهواء نظيف، ويريد عمل وتعليم وصحة وسكن وتحسين أجور، هذه مطالب اجتماعية تشكل الحد الأدنى لمقومات الحياة بكرامة.. فأين المشكلة بهذه الحقوق المسروقة عمداً؟

الشعب يريد دولة وطنية ديمقراطية، دولة المواطنة والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة: من إقرار قانون ديمقراطي للانتخابات، يقوم على النسبية والدائرة الواحدة خارج القيد الطائفي، إلى إلغاء الطائفية، وإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية، وإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة ورفع سن الزواج الى 18 سنة، وخفض سن الاقتراع إلى 18 سنة، وإصلاحات اقتصادية وطنية منتجة، واسترداد الأموال المسروقة ومحاسبة الفاسدين والسارقين والمسؤولين عن القمع واعتقال الحريات.. فأين الشبهة في هذه المطالب الوطنية الممنوعة؟

الجواب ليس منتظراً من أصحاب الأزمة الوطنية والعلة الطائفية، إنما مرهونًا بقدرة الانتفاضة على استمراريتها وصلابتها ووحده تلاحمها.. والتقدم في تلازم مسار النضال الاجتماعي بمسار النضال السياسي للعبور نحو التغيير الديمقراطي المنشود.

صوت الشعب لا يخيف إلا من يخاف على سلطاته وامتيازاته الطبقية ومكاسبه الشخصية أو الطائفية.

الشعب، هو الوحيد الحريص على الوطن واستقراره ومقاومته.. فمن قاوم العدو الصهيوني، ويقاوم الرأسمالية المتوحشة ويقف ضد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وشروطهما، ومن يقف في وجه مشروع الشرق الاوسط الجديد.. يعرف كيف ينتفض، ويعرف كيف يقاوم نظام التبعية وفساده وطائفيتة.. ويحق له أن ينتفض بغضب، وأن يثور ليتحرر من قيود نظام ظالم وطائفي وفاسد ورجعي.. كإنسان ومواطن ومناضل من أجل وطن حر وشعب سعيد.

لقد صنعت الانتفاضة الشعبية معادلتها الميدانية الصعبة..