على مدار الساعة
أخبار » آراء

الشعر أسرع الأشكال الفنية استجابةً للمتغيرات

10 تشرين أول / أغسطس 2015

مداخلة الشاعر خالد جمعة في ندوة الشعر الفلسطيني المعاصر في ذكرى "درويش"
يقال عن الشعر أنه أسرع الأشكال الفنية استجابةً للمتغيرات، وقد أثبتت هذه المقولة نفسها عبر التاريخ، وبنظرة، حتى وإن كانت عابرة، يمكن ملاحظة هبوط وارتفاع مستوى النسق الشعري حسب هبوط وارتفاع نسق الحياة منذ ما قبل الإسلام وحتى اليوم، وحتى لا أطيل في هذه المقدمة، لاحظوا تراجع الشعر في العصر المملوكي والتركي، وذلك بسبب تراجع المستوى الحياتي، بينما لو نظرنا إلى فترة عبد الرحمن الثالث في الأندلس وهي أزهى عصورها، لوجدنا الشعر في أزهى عصوره أيضاً.

سأتحدث في هذه الورقة ببساطة عن الشعر في فلسطين لدى الجيل الشاب الذي برز بعد توقيع اتفاق أوسلو، وذلك لمحاولة الإحاطة بالموضوع، فالشعر الفلسطيني قضاياه كثيرة ومتفرعة، والأسماء التي برزت فيه على مستوى التاريخ الأدبي منذ النكبة إلى الآن أكثر من أن تحصى.

في فلسطين، لم يحظ الشعر بهذا القدر من الاهتمام قبل بداية القرن العشرين ونشوء مشكلة الانتداب وبعدها الاحتلال الإسرائيلي، وبدأ الشعر مرحلة مختلفة تماماً بعد عام 1948، إلى أن وصلنا إلى بداية التسعينيات، وحتى هذا الوقت، كان الشعر الفلسطيني يدور في فلك محدد، إلا بعض التجارب بالطبع التي اهتمت بفنية القصيدة واللغة، وأقصد أمثال توفيق صايغ ومحمود درويش وعدد آخر من الشعراء، ولكن في الغالب طغت الشعاراتية والحنين على نصوص الشعر في فلسطين.

بعد توقيع اتفاق أوسلو، ظهرت موجة جديدة من الشعر في فلسطين، بغض النظر بدايةً عن تقييمها الفني، إلا أنها امتلكت ملامح مشتركة، أهمها انكسار البطل في النص الشعري، فلم يعد الفلسطيني هو الذي يملك جسداً لا تخترقه الرصاصة، ولم تعد عظامه الجسر الذي يمكن أن يعبر عليه المقاتلون، بل أصبح أقرب للتركيبة الإنسانية الحميمة، يفرح ويبكي ويبتهج بالعصافير والورود، ولكنه يقاوم في ذات الوقت، إذ لم يلغِ انكسار البطل قدرته على المقاومة.

اتجه النص أيضاً بعد أوسلو إلى الفردية، ولا أقصد بالفردية هنا تلك التي تعبر عن أنانية الكاتب، إنما فردية رؤيته للعالم، فكل شخص في العالم يرى الحياة والناس والوطن والجمال بشكل لا يشاركه فيه أحد حتى لو كان توأمه، وربما أن هذا ما يميز الإبداع في النهاية، فردانية كل مبدع في رؤيته، وبذلك كانت الفردية حسب وجهة نظري عاملاً من عوامل تطوير النص الفلسطيني المعاصر.

المسألة الثالثة تتعلق بالنزول بالنص من عوالم التحليق العالية التي لا يمكن لمسها، إلى اليومي والهامشي والعادي، بلغة خلت من قاموسيتها التي كثيراً ما كانت تبعد الناس عن الشعر، صحيح أن عدداً كبيراً ممن يكتبون إنما يولعون بالتراكيب اللغوية على حساب المعنى، ولكن في النهاية تبقى تلك التجارب التي تستحق أن تبقى.

وساهمت مجلة عشتار التي صدرت في غزة، في تسليط الضوء على أصوات كانت في ذلك الوقت في بدايتها، واليوم تجد كثيراً من هذه الأصوات قد ترسخ في المشهد الشعري الفلسطيني، وحتى العربي والعالمي، فقد راهنت المجلة على الأصوات الشابة منذ بدايتها وحتى عددها الأخير حين توقفت، وقد كانت هناك أيضاً محاولات مشابهة في رام الله حين صدرت مجلة الغربال التي توقفت بعد بضعة أعداد.

لا أريد البدء في تعداد الأسماء التي برزت شعرياً في فلسطين كجيل ثالث بعد النكبة، وتبعها بالطبع جيل رابع وربما خامس، ولكن هذه الأسماء ما زال الكثير منها يحقق ذاته عبر القصيدة منتصراً للنص الحديث على حساب الشكل القديم للقصيدة، وأعني هنا الانتصار للنص المفتوح وقصيدة النثر على حساب قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية.

تميز النص الفلسطيني المعاصر أيضاً بتكسير معظم المسلمات التي بني عليها النص القديم، فأصبحت النصوص تتعرض بجرأة للمسكوت عنه، في قضايا لم يكن الشعر قبلها يتعرض لها، مثل قضية الجنس والدين، وحتى انتقاد طرق معينة في النضال الفلسطيني، لم يعد هناك تابوهات في النص الحديث، بالطبع كانت هناك تجاوزات غير منطقية في بعض الأحيان، ولكن الفكرة الأساسية هي أن طرح هذه القضايا لم يعد من المحرمات.

إن التعبير عن الذات والذي ميز النص المعاصر بعد أوسلو، كان من أهم سماته، فقد اختفى تدريجياً الصوت الجمعي الذي كان يعبئ النصوص التي سبقت هذه المرحلة.

وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، دخلت أدوات جديدة للمعادلة، وأعني بها مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا فتح الباب على مصراعيه لنصوص من كل نوع، وبالطبع ليس هناك موقف محدد من هذه المواقع، فهي ليست سيئة وليست جيدة، هي وسيلة، وبعد استخدامها يتم تحديد سوئها أو جودتها، لكنها أتاحت للكثيرين ممن لم يملكوا مساحة للتعبير من قبل أن يقولوا ما لديهم، وقد خرجت عدة أصوات من خلال هذه المواقع هي اليوم أسماء لها وزنها، كما أنها أتاحت التواصل بشكل مذهل مع العالم كله تقريباً، ففي أحد المواقع الفرعية يمكن أن يصل عدد قرائك إلى ما يزيد على مليون قارئ خلال أقل من عام، بينما في وقت الطباعة الورقية كنت ستفتخر أن قراءك تجاوزوا الألف مثلاً.

في رأيي أن أهم ما حدث في العقود الثلاثة الأخيرة، هو انفتاح الجيل الشاب على بعضه في كل الأمكنة، وهذا الجيل خلق مساحته الخاصة، وكثيرون قاموا بقتل آبائهم الشعريين، وكثيرون استفادوا من التجربة بشكل مختلف، إلا أنه مما لا شك فيه، أن التغير الذي طرأ على النص الفلسطيني شعرياً قد أصبح واضحاً بشكل لا يقبل الجدل، أما تقبلنا لهذا التغير سلباً أو إيجاباً فهي مسألة أخرى ليس هناك مجال لمناقشتها في ندوة مثل هذه.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

خـالد جمعـة

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر