Menu
حضارة

معاركُ الكرّ والفرّ بين اليسارِ واليمين

حاتم استانبولي

الرئيس البوليفي المُستقيل خوان موراليس

خاص بوابة الهدف

أمريكا اللاتينية تشهد معارك كر وفر بين القوى اليمينية المحلية المدعومة من قبل واشنطن وحلفائها، مستخدمة مؤسساتها المالية والاقتصادية والإقليمية، وبين اليسار الذي يعبر عن الخيارات الحرة للشعوب اللاتينية.

في الوقت الذي حقق فيه اليسار انتصارًا في الأرجنتين وصمودًا في فنزويلا وتحديًا في المكسيك وثورة في شوارع الإكوادور وتشيلي، وخروج الرئيس اليساري البرازيلي من سجنه، تراجع اليسار بوعي في بوليفيا، وترك السلطة بكافة مؤسساتها بعد أن نجح في الانتخابات الحرة التي أجريت حسب القانون الانتخابي البوليفي الذي يقرّ نجاح الرئيس إذا حصل على فارق أكثر من 10% عن منافسه حتى لو كانت النسبة أقل من 50%.

هذا النجاح الذي رفضته المعارضة اليمينية واستثمرت فيه واشنطن وسارعت من خلال المؤسسة العسكرية إلى التحرك لمحاصرة الرئيس موراليس وإجباره على التنحي.

الرئيس موراليس تعامل بوعي واعتبر أن التنحي ليس هزيمة، وإنما خطوة إلى الوراء من أجل الحفاظ على الذات في ظل هجمة أمريكية شرسة على شعوب أمريكا اللاتينية وخياراتها الوطنية التحررية.

مشكلة واشنطن وحلفائها مع الرئيس موراليس لها طابع خاص، إذ تعتبر وجود رئيس من السكان الأصليين يُعيد للذاكرة الجمعية لشعوب الأمريكيتين ذكرى الإبادة الجماعية للشعوب الأصلية من قبل المستعمرين الأوروبيين البريطانيين والفرنسيين والإسبان والبرتغال. الشعوب الأصلية التي عانت من الإبادة والإقصاء والإحلال.

موراليس هو الرئيس الوحيد الذي أخذ موقفه الرسمي بإغلاق السفارة الإسرائيلية واعتبر إسرائيل دولة إرهابية ارتكبت جرائم إبادة في فلسطين، أراد بهذا الموقف أن يربط ما بين الاستعمار الغربي للأمريكيتين والاستعمار البريطاني الصهيوني لفلسطين، هذا الموقف الذي رأته واشنطن يحمل إدانة معلنة وواضحة من رئيسٍ جاء ليعيد إلى الذاكرة المجازر التي ارتكبت بحق الهنود الحمر في الولايات المتحدة، وشعب  الأبروجينيلز  في أستراليا، والميتي في كندا، والشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية. هذه الرمزية التي يحملها الرئيس البوليفي موراليس. المعركة معه اكتسبت رمزية خاصة  بالمعنى التاريخي والأيديولوجي اليساري.

واشنطن اخوض أشرس معاركها في أمريكا اللاتينية، مع خيارات شعوبها التي تسعى لنيل الحرية من الهيمنة الأمريكية عبر أدواتها، وحددت عنوان معركتها في دول أمريكا اللاتينية على أساس البعد الأيديولوجي، أي معركة واضحة المعالم بين الرأسمالية وخياراتها وبين سعي شعوب أمريكا اللاتينية إلى التحرر عبر خيارها اليساري العام.     

واشنطن تستخدم في معاركها كل أدواتها؛ السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية، وتدرك أن تكرار النموذج الكوبي داخل القارة سيكون له آثار عميقة على مجتمعات أمريكا اللاتينية مما سيؤدي إلى  تغييرات سريعة تحاصر النفوذ الأمريكي وتكشف أدواته.

إن سياسة الحصار الاقتصادي والسياسي للنظم التي تعارض سياسات واشنطن هي الشكل الأبرز للعدوانية الجمعية للنظام الرأسمالي ونظمه ومنظوماته، إنها حرب إبادة جماعية من خلال نشر الفوضى والجوع والفقر القسري الجمعي.

سياسة تستخدمها النظم الرأسمالية من أجل فرض وقائع محلية لفرض وقائع سياسة على الشعوب لإجبارها على الاختيار بين خيارين، إما الخضوع أو الجوع والفوضى عبر الحصار.

هذه السياسة التي انتهجتها في العراق و ليبيا وسورية وفنزويلا وكوبا، فرضت من خلالها وقائع على الأرض لكي تستثمرها القوى اليمينية من أجل التحريض على النظم القائمة،  نجحت في دول مثل العراق وليبيا، وخسرت في كوبا وتحارب في سورية وفنزويلا وتصارع في بوليفيا.

هذه السياسة، استُخدمت أيضا لمواجهة الصعود التنافسي للدول من خارج نواة المنظومة الرأسمالية الغربية، كالصين وروسيا والهند والبرازيل، التي شكلت إطارًا اقتصاديًا يسعى إلى مواجهة تغول الدول الرأسمالية الغربية وفي مقدمتها الأمريكية.

المعركة في أمريكا اللاتينية تحمل السمة العامة ذاتها التي تخوضها شعوبنا مع أدوات رأس المال، وفي السمة الخاصة فإن شعوب أمريكا اللاتينية حددت خيارها اليساري الواضح كعنوان للمواجهة الشاملة ودخلت في معارك كر وفر.

إن الصراع بين اليسار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي هو خيار شامل تراكمت تجربته يوميًا في ظل احتدام الصراع وفي ظل التدخل الإمبريالي المباشر في الصراع الداخلي.

إن الانتصار الحاسم لا يمكن تحقيقه إلا بتضافر كل القوى في أمريكا اللاتينية عبر تحقيق انتصارات محلية حاسمة، تحاصر بها أدوات الإمبريالية اليمينية المحلية في معاركها اليومية.

من الواضح أن ميزان القوى الاجتماعي منحازٌ إلى صالح اليسار، ويتجلى ذلك عبر نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة، في حين أن تدخلات واشنطن عبر التهديد والوعيد والتلويح بالحصار الاقتصادي أحيانًا واستخدام المؤسسات القضائية المسيطَر عليها من قبل اليمين أحيانًا أخرى، واللجوء إلى أعوانها في المؤسسات العسكرية لبعض الدول، كل ذلك يدخل في إطار سعي محموم من أجل تعديل ميزان القوى لصالح اليمين.

أما في منطقتنا فإن الصراع يأخذ أبعادًا مختلفة بين البعد الوطني التحرري وبين أدوات الرأسمالية، إن كانت عبر نظم سايكس بيكو أو منظومة البنك الدولي وصندوق النقد التي تستخدم كأدوات لفرض الهيمنة على شعوب المنطقة، في سياسة مدروسة عبر نهب مبرمج لثروات الدول الغنية، تحت عنوان حمايتها وإغراق الدول الفقيرة في الديون من جهة أخرى، لتمنع أي رؤية محلية لوحدة المصالح عبر وطنية الإنتاج ووحدة السوق.

وإذا ما أضفنا إليها استثمارها في التناقضات ذات البعد الديني والطائفي والمذهبي والإقليمي والعائلي والقبلي والعشائري على المستوى المحلي فإنّ الصراع الواضح بين قوى اليمين واليسار لم تتوضح الفواصل بينهما، من حيث الشكل، لكن من حيث الجوهر فإن الصراع في جوهره بين خيارات الشعوب وقوى الهيمنة الاستعمارية وأدواتها المحلية، ومع احتدام الصراع ستتبلور رؤية يسارية تعكس الواقع الملموس لشعوب المنطقة، آخذة بعين الاعتبار إرثها وتاريخها لتوظّفه بصورة خلّاقة من أجل تحررها. جوهرها أن الاستغلال الاستعماري عبر أدواته الدولية والمحلية يحمل ذات المضمون الذي يحمله الاستعمار الإحلالي والإقصائي والإلغائي في كل القارات، حتى أنه يدخل في صراع مع الطبيعة والنظام البيئي الذي يغلف البشرية.

إن الرأسمالية في سعيها لمراكمة ثرواتها لا تعطي أية أهمية للقيم الإنسانية أو الطبيعية.

إن العامل الأهم الذي أدركته القوى الاستعمارية هو دور القضية الفلسطينية كعامل جامع بين قوى التحرر في القارات، وغيابها يعني تفكيك الحلقة الرئيسية الجامعة محليًا وإقليميًا ودوليًا.  

إن عدم الوضوح والضبابية والفوضى التي تسود الساحات والميادين عربيًا سببه الرئيسي كسر الحلقة الفلسطينية التي شكلت عاملًا جمعيًا من أجل النضال التحرري في بعديه الوطني الديمقراطي والوطني التحرري.

إن فصل المهام الوطنية الديمقراطية عن مهام التحرر الوطني هو العامل الذي أدخل المنطقة في حالة من الفوضى والتضليل، وأصبحت مرجعية القوى الحاكمة واشنطن، ومرجعية القوى (التحررية) هي العواصم التي تقاد من واشنطن، في عملية ممنهجة لتغير المعيار لأنظمة الحكم الذي كان يحكم حركتهم وسياساتهم  واستبدال المعيار التحرري للقوى الوطنية التحررية عبر تعميم مفهوم أن التنمية تتعارض مع أولوية القضية الفلسطينية، وأن المساعدات الدولية لا يمكن أن تستمر وتنمو إلا بقدر الابتعاد عن القضية الفلسطينية، ويُلاحَظ التدرّج في تغييب العامل الفلسطيني الجامع، ليحلّ محله العامل الإسرائيلي الرابط بين أنظمة حكم سايكس بيكو ووليدته إسرائيل، هذا التغييب الذي وصل إلى مرحلة التأييد الضمني للعدوان اليومي المتكرر على الشعب الفلسطيني.

لجوء موراليس إلى المكسيك هو انسحابٌ واعٍ منظم من أجل إعادة جمع القوى الشعبية من أجل جولة أخرى من معارك المواجهة بين خيارات الشعوب والهيمنة الإمبريالية وأدواتها، التي أعلنت أن معاركها تحمل البعد الأيديولوجي بين اليمين الإمبريالي واليسار الاشتراكي.

رأس المال لا وطن له، تحركه معادلة فرْق القيمة، وفعله يتصاعد طردًا مع ازدياد الفارق في معادلة فرق القيمة، ويدخل في صراع  مع منظومته في إطار صراعها الرئيسي مع خيارات الشعوب الوطنية التحررية.

فلسطين وشعبها أصبحا المعيار والناظم الذي يحدد الحد الفاصل في المعركة الشاملة بين قوى الاستغلال الاستعماري وبين الشعوب التي تسعى لنيل حريتها الوطنية، لا يمكن الحديث عن تنمية وتقدم في ظل تغول رأسمالي وأنظمة فاسدة تابعة وأدوات تعمل بيافطات وشعارات مضلّلة.