Menu
حضارة

أزمة المثقف العربي

يوسف مكي

يطرح المفكر العربي، الدكتور محمد عابد الجابري، في بحثه الموسوم ب «المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية، حفريات استكشافية» الصادر ضمن بحوث كتاب المثقف العربي، همومه وعطاؤه، عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، تساؤلاً جوهرياً ومهماً، حول ماهية المثقف. وبأي معنى يمكن توظيف هذا المفهوم، في الفضاء الخاص بالثقافة العربية.

وفي هذا السياق، يشير الجابري، أيضاً إلى أن استعمال لفظ المثقف، في الفكر العربي، هو حديث جداً، لم يتجاوز الثمانين عاماً الأخيرة. وأنها ترجمة فرنسية، بما يشير إلى علاقة الكلمة بالفكر، كمنطقة للمعرفة. أما الترجمة العربية، فتحيل إلى الثقافة، والكلمة مشتقة منها، بخلاف استخدامها في اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

يرفض انطونيو جرامشي، ربط المفهوم بنخبة فكرية محددة، ويعمم تعبير المثقف، على كل من يقوم بنشاط فكري/ ثقافي خارج نطاق مهمته. والواقع أن من الصعوبة، الفصل بين المثقف، وأفراد المجتمع. فالمثقف هو فرد من مجتمعه، وهمومه في العموم هي هموم مجتمعه. ولأن الاختلاف بين البشر هو من طبائع الأشياء، فإن المجتمعات الإنسانية، لا تحمل رؤية متجانسة، موحدة، تجاه القضايا العامة، سواء في النظرة إلى التحديات التي تواجهها الأمة، أو تجاه سبل الحل.

الانقسامات الاجتماعية، تجاه القضايا الكبرى، مظهر إنساني، لا يجب الخشية منه، متى ما تشكلت الدولة، بمؤسساتها العصرية. المعضلة هي طغيان الهويات الجزئية، طائفية أو قبلية أو إثنية، على الهويات الجامعة. وطغيان الهويات الجزئية لا يقتصر على الناس العاديين، بل يشمل المثقفين. ولعلنا نزعم في هذا السياق، أن التنظير لتلك الهويات، يقوم به المثقفون، رغم أنه نتاج أجندات مركبة، محلية ووافدة، وكثيراً ما تكون انعكاسات لاستراتيجيات إقليمية ودولية.

كان السؤال الذي طرحه المثقفون والمفكرون العرب، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع بداية حركة اليقظة العربية، هو لماذا نجح الغرب وتأخرنا نحن. السؤال في ذاته، يحمل اعترافاً ضمنياً من قبل النخب الثقافية، بفشل ما كان سائداً في حينه، وعجزه عن وضع العرب، في مكانهم اللائق بين الأمم الحديثة. لكن الإجابة على السؤال، أسست لقطيعة فكرية مستمرة، بين المثقفين العرب. ونتج عنها بروز مدارس فكرية عدة، ترى كل واحدة منها أنها تملك الجواب القطعي لمعالجة الواقع العربي.

وجد العلّامة محمد عبده، وبعض من علماء الدين، أن سبب الخلل هو الابتعاد عن روح وجوهر عقيدة الإسلام. وأن حضارة الغرب، نمت وازدهرت حين استلهمت من روح الإسلام، بوصلة للبناء. يجسد ذلك قوله، حين زار باريس، رأيت إسلاماً ولم أجد مسلمين، في حين أنه وجد في مصر مسلمين، ولم يجد إسلاماً. لكن هذا التيار، رغم اعترافه بتقدم الغرب، فإنه لا يتعرض للدولة المدنية، ولا لشروط تأسيسها، ولا يعتبرها شرطاً لازماً لتحقيق التقدم.

من جانب آخر، هناك التيار العلماني، الذي برز في مصر وبلاد الشام، ومثله عدد كبير من المثقفين العرب، من ضمنهم اليازجي والبستاني والريحاني، ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي، ولاحقاً طه حسين وعلي عبد الرازق وقاسم أمين وسلامة موسى، وكثير غيرهم.
وكان رواد حركة اليقظة العربية قد تصدروا، على صعيد الفكر والممارسة، معركة الاستقلال عن السلطنة العثمانية. وطرحوا مأسسة الدولة العربية، وتشكيلها على أسس عصرية. ولكن حركة اليقظة العربية، لم تستمر، وكانت ضحية نتائج الحرب الكونية الأولى، بعد وضع اتفاقية سايكس بيكو، ووعد بلفور، موضع التنفيذ.

لقد أدى فشل عصر التنوير العربي، في مواجهة تحديات عصره، في بقاء السؤال معلقاً، دونما إجابة شافية حتى يومنا هذا. لماذا نجح عصر الأنوار الأوروبي، وفشلت حركة اليقظة العربية، أو لنقل مجازاً عصر التنوير العربي؟!

وهكذا فإن أول محاولة جادة من قبل المثقفين والمفكرين العرب، الذين حملوا التوجهات العلمانية، قد جرى وأدها، ليفسح ذلك الطريق، للإسلام السياسي، وللضباط اليافعين، لإعاقة مشروع التنوير العربي، كما عبر عنه، زعماء اليقظة.

إن ما يميز المثقف، أنه أكثر وعياً وثقافة، بما يجعل منه، حال التزامه بقضايا الناس، ضمير أمته. فالحرية والحاجة إلى مقابلة الاستحقاقات الأساسية للعيش الكريم، هي أمور تخص عامة الناس، إلى الحد، الذي يصدق فيه القول، بأن غيابهما يشكل إعاقة اجتماعية، لكن أثر بهوتهما، في العمل الثقافي، هو أكبر، وأكثر وضوحاً منه في مجال الأنشطة الإنسانية الأخرى.

على أن الثقافة بمفردها، لا تكفي لتجعل من المثقف ضميراً لأمته، إنه بحاجة إلى منظومة من الصفات، بضمنها القيم التي تتكفل بإثراء العمل الثقافي، والمصداقية وارتباط القول بالممارسة. إن غياب هذه الصفات في أوساط المثقفين، تصيب العمل الثقافي كله بالشلل، وتعطل التطور والإبداع والالتزام، ونكران الذات.
إن دور المثقف، في ظل غياب الحامل لمشروعه، هو التبشير، والقبول بتحدي النهضة والتقدم العلمي في كافة المجالات. إن عليه أن لا يكتفي بما لديه من معارف، مهما كانت غزارتها وتنوعها، بل عليه أن يتابع ما يستجد على صعيد العلم والمعرفة.