Menu
حضارة

ترجمة خاصة

لماذا لا يستطيع القانون الدولي إنقاذ فلسطين؟ (ج1)

في مخالفة للقانون الدولي، اعتبرت أميركا المستوطنات في الضفة الغربية "شرعية"

ترجمة خاصة _ بوابة الهدف

لقد فشل القانون الدولي بشكلٍ كبير في وقف أو حتى إبطاء تطور مشروع الاحتلال الصهيوني الاستعماري، ورغم أن مؤسسات القانون يمكن أن تكون أدوات لنصرة الفلسطينيين، إلا أنها تعجز عن  تحرير وإنقاذ فلسطين بمفردها.

عندما أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبو أن إدارة ترامب لن تعترف بعد الآن بالمستوطنات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية باعتبارها غير شرعية، فهو أبدى تفهمًا عميقًا لعلاقة القانون بالسياسة، وهذا نفسه أثار غضب نظرائه الليبراليين، وقال: "الحجج حول من هو الصواب والخطأ كمسألة من مسائل القانون الدولي لن تجلب السلام، هذا لا يساهم في تعزيز السلام".

بالنسبة للعديد من الليبراليين، فإن القانون هو شرط لا غنى عنه كمنظومة كاملة تنتهي بالعدالة، كما أن الانتقاد الليبرالي لمعاملة الاحتلال للفلسطينيين، على سبيل المثال، عادة ما يصل إلى مجرد القلق بشأن ما إذا كانت "إسرائيل" تلتزم بما فيه الكفاية بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي.

تشير تعليقات بومبيو إلى موقف معاكس لسلفه، إذ في عام 2016 أعلن جون كيري أن المستوطنات "تخالف القانون الدولي"، وجاء موقف مشابه أيضًا خلال هجمات القناصة على مسيرة العودة في غزة العام الماضي، حين ناشد خمسة ديمقراطيين في مجلس النواب جنود الاحتلال بـ "ممارسة أقصى درجات ضبط النفس في استخدام الرصاص القاتل".

هذه التناقضات وصلت إلى أن بعض الباحثين القانونيين الليبراليين قالوا بأن إدارة ترامب تحاول تجاهل كل القوانين الدولية للاعتراف بالسيادة "الإسرائيلية" على مرتفعات الجولان من أجل تحقيق السلام، وذلك وفقًا لمصطلح "الديمقراطية المعيبة"، وأن كل ما على الاحتلال فعله هو "احترام القانون الدولي بشكل أفضل".

وأظهر كتاب جديد من تأليف نورة عريقات باسم "العدالة للبعض: القانون وقضية فلسطين" حماقة هذا الموقف، إذ تناقش نورة، وهي محامية في مجال حقوق الإنسان وأستاذة دراسات أفريكانا بجامعة روتجرز، بأن القانون الدولي على وجه العموم بذل المزيد من الجهد لترسيخ الاستعمار الاستيطاني "الإسرائيلي" بدلاً من إعاقة ذلك.

ويعتبر كتاب نورة عريقات بمثابة التدخل السياسي الحيوي في النقاشات المعاصرة حول "إسرائيل" وفلسطين، بالإضافة إلى تاريخ مقنع في القرن الماضي، تمت روايته من خلال نظرية نقدية.

أصل الحالة الاستثنائية

يكمن صلب العمل القانوني في "إسرائيل" ضمن الادعاء المستمر بأن الظروف الفريدة لها مع فلسطين تشكل حالة استثنائية أو فريدة، وذلك بالادعاء بأنه لا يوجد إطار قانوني قائم ينطبق بشكل كامل على علاقاتها مع الفلسطينيين، كما وضعت نماذجها القانونية الخاصة بشكل تدريجي: كدولة ذات سيادة تتمتع بصلاحيات قانونية لإعلان مثل هذا الاستثناء، ويمكن لـ "إسرائيل" أن تدعي أنها تتصرف ضمن حدود القانون.

وتقول عريقات: "يحافظ الإطار الفريد على قشرة الشرعية بينما ينتج في الواقع عنفًا يتجاوز كل علاقة بالقانون"، وكان هذا الاستثناء بالذات هو مايك بومبيو في إعلانه، موضحة إن "مناقضة ترامب لموقف أوباما من مشروعية المستوطنات كان "قائماً على الحقائق والتاريخ والظروف الفريدة التي نشأت عن إنشاء المستوطنات في الضفة الغربية"، وهذا ما يعكس زيف أن صورة "إسرائيل" المضللة باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط".

بالعودة في التاريخ، يظهر أن حالة الاستثناء التي يفرضها الاحتلال قائمة منذ الانتداب البريطاني بـ "نظام خاص" في فلسطين ما بعد الحرب العالمية الأولى، عندما سعت إلى حكم منطقة كان العرب فيها يشكلون 90 بالمائة من السكان، حينها عمل إعلان بلفور لعام 1917، الذي دعا إلى "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، على حرمان الفلسطينيين العرب من مكانة مجتمع سياسي معترف به، وفي ذلك الوقت برّر الصهاينة هذا المحو والإزالة السياسية على أساس أن فلسطين كانت على حد تعبير اللورد بلفور "حالة استثنائية تمامًا".

ومن خلال دمج الإعلان الحرفي في الانتداب على فلسطين في عام 1922، أصبحت بريطانيا القوة الإلزامية في فلسطين، عندما قامت عصبة الأمم "بإضفاء الطابع المؤسسي على إطار الاستثناء" من خلال "تحويل الامتياز الاستعماري البريطاني إلى قانون وسياسة دولية"، وهكذا أصبحت مطالبات الفلسطينيين بالانتصاف القانوني غير مبررة.

وتم ترسيخ هذا المأزق فقط مع قيام "إسرائيل" عام 1948، وبهذا تقول عريقات "قيام الدولة بإضفاء الشرعية بأثر رجعي على العنف المؤسّس للاحتلال، لأنه لم يقتصر على العنف المستخدم في خدمة المصلحة العامة التي حددها الاستيطان الحديث، فقد جسّد أيضًا مطالبة من السلطة التشريعية الجديدة، لذلك بمجرد تقديم الاعتراف الدبلوماسي إلى إسرائيل، فإن أفعالها التي تتم بمقتضى قيامها تصبح خارج التحدي القانوني والدبلوماسي".

حدود القانون الجديدة

أدى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عقب حرب يونيو 1967، إلى خلق فرصة لـ "إسرائيل" بتقديم ادعاءات جديدة حول القانون الدولي الذي ساعد على تعزيز سرقة الأراضي والتطهير العرقي.

وأجبر فعل الاحتلال محامي "إسرائيل" على مواجهة مسألة رئيسية في القانون الدولي: هل يشكل وجود "إسرائيل" في الضفة الغربية وغزة "احتلالاً"؟ إذا كان الأمر كذلك فإن القانون الدولي يتطلب أن تعمل "إسرائيل" على حل سياسي لاستعادة سلطة السيادة النازحة، وهذا يعني التخلي عن هذه المناطق، ومن ناحية أخرى إذا لم تكن الأراضي محتلة برأي القانون، فإن القانون الدولي يتطلب أن تمنح "إسرائيل" الجنسية لسكان الأراضي الفلسطينيين، مما يلغي هدف الاحتلال من أساسه المتمثل في أغلبية ديموغرافية يهودية.

بهذا الشأن حسم يهودا تسفي بلوم، أستاذ القانون بالجامعة العبرية والسفير "الإسرائيلي" السابق لدى الأمم المتحدة، معضلة "إسرائيل" في مقال علمي صدر عام 1968، تحت عنوان "تماشيًا مع المحو السياسي للفلسطينيين الصادر عام 1922" والذي تم ترويجه في وقت لاحق من إنشاء "إسرائيل"، ادعى بلوم "استثنائيًا" أن الضفة الغربية وقطاع غزة لم يتمتعوا بسلطة سيادية قبل الحرب، مما أدى إلى إلغاء شرط القانون الذي تحتفظ به قوة الاحتلال وحقوق السيادة لدولة تحت الاحتلال، وبدلاً من تجنب قانون الاحتلال تمامًا، أصر بلوم على أنه ينبغي لـ "إسرائيل" الالتزام بأحكامها الإنسانية من أجل تولي السيطرة شبه القانونية على المناطق، وخلق مظهر الالتزام بقانون الاحتلال.

في ظل هذا النظام القانوني الفريد، تقول نورة عريقات، "يمكن لإسرائيل أن تمارس سلطتها. إما الحفاظ على الحقوق السيادية لسكانها أو استيعابهم تحت سلطتها المدنية، وبالتالي تعليق الفلسطينيين في فراغ قانوني مع مطالبات قانونية مخففة فقط للإغاثة الإنسانية".

وبعد عقود من العمل القانوني الفعال الذي قامت به "إسرائيل"، فإن قدرة الفلسطينيين التي لا وجود لها تقريبًا في السعي للحصول على اللجوء القانوني قد تلاشت أكثر، وهذا مكّن إطار سيادة القانون في "إسرائيل" من التمتع "بسلطات المحتل والسيادة في الضفة الغربية وغزة، في حين أن الفلسطينيين لا يتمتعون بحقوق الشعب المحتل ولا حقوق المواطنة".

هذه المادة مترجمة عن موقع Jacobinmag، والصحافي جونار أولسن المقيم في نيويورك.