Menu
حضارة

تقريرتحريم عمل فرقة "صول" بغزّة.. جدلٌ يُعيد الفنّ إلى "نقطة الصفر"!

بيسان الشرافي

فرقة صول الموسيقية من غزة

غزة_ خاص بوابة الهدف

ما الذي يُزعجُ فلسطينيًا من أن يسمعَ أغنية "هبّت النار والبارود غنّى" من فرقةٍ موسيقيةٍ تُؤدّيها من قلبِ مخيّم!؟ بات التساؤل مشروعًا في ظلّ حالة جدلٍ واسعة عمت قطاع غزة، خلال الأيام الماضية- ولا تزال- بعد أيامٍ على إطلاق فرقة "صول" الموسيقية أغنيتيْن على نظام "الفيديو كليب"، صوّرتهما في اثنتين من الساحات الشهيرة بقطاع غزة.

ببحثٍ سريعٍ عبر موقع "فيسبوك" مُرفق بوسم #صول، تجدُ مئات الآراء المتباينة، منها لمن أيّد الفرقة الشابة وما تُقدّمه من فنٍ وطنيّ راقٍ يُعيد التراث الفلسطيني إلى الواجهة ويعكس حبّ الفلسطينيين للحياة، وآراء غيرها اعتبرت أداء الفرقة خروجًا عن "عادات" المجتمع و"تعارضًا بيّنًا مع تعاليم الدين".

اتّسع الجدلُ واحتدّ بعد صدور فتوى من عضو رابطة علماء فلسطين، الأكاديمي بالجامعة الإسلامية محمد سليمان الفرا، اعتبر فيها أنّ فرقة صول "تُزيّن الاختلاط.. وتُشجّع على المأثمِ، وفعلُها منكرٌ ظاهرٌ، ومنعُها واجبٌ في حقّ صاحب السلطانِ"، مُضيفًا "التّساهلُ معها.. يُنتِج انحرافًا سلوكيًا وفكريًا لدى الشبابِ".

وفي الفتوى، عبّر الفرا عن استنكاره من "سكوت ورضا بعض الجهات السيادية" عن أفعال الفرقة.

بحسب أعضاء في الفرقة نفسها، وبعد صدور الفتوى تحوّل انتقادُ أدائهم إلى هجومٍ حاد وترهيبٍ ضمنيّ وصريح، وتهديد بالتعرّض لهم شخصيًا، وفق ما أوضحه عضو الفرقة مجد عنتر عبر صفحته في "فيسبوك".

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في قطاع غزة، اعتبر أن الفتوى تخلق تحريضًا ضدّ الفرقة قد يرقى إلى "خطاب كراهية"، لافتًا، في تصريحٍ له، إلى "حرمة خطاب الكراهية المبني على أسسٍ دينية، وفق القانون". وقال إنّ "السلطة في قطاع غزة ليست ملزمة فقط باحترام حرية الرأي والتعبير، بل أيضًا بحماية هذا الحق من أيّ اعتداءٍ"، مُعتبرًا الفتوى "محاولة لفرض أيديولوجية معينة على القطاع، وهو ما يخالف القانون الأساسي الفلسطيني".

ويترافق مع غالبية الفعاليات الثقافية التي تُنظّم في قطاع غزة، من أمسيات شعرية وموسيقية إلى عروض مسرحية، جدلٌ مُشابه لما أُثير حول فرقة صول وعملها، تارةً يعلو هذا الجدل ويتّسع وقد يطال منع هذه الفعاليات، وتارة أخرى يقتصر الأمر على "جدلٍ في مواقع التواصل الاجتماعي".

يقول أفلاطون "علّموا أولادكم الفنون، ثم أغلقوا السجون". بذات السياق تحدّث المُخرج والفنان المسرحي علي أبو ياسين، للهدف، مُعبّرًا عن استيائه من الواقع الذي يشهده الفنّ إجمالًا في قطاع غزة.

ورأى المُخرج المسرحي أنّ "القطاع يخضع لحكمٍ دينيّ، وعليه يرفض حُكّامُه الفن بمُجمله- مسرح وغناء وموسيقى- ويتبنّون ما يُسمّونه الفن الإسلامي المحدود والمشروط، في حين يُعدّ الفن ألف باء الحرية والانعتاق والإبداع". وقال "حريّ بالسلطات في غزة احتضان هذا الشباب المُبدِع الفنّان، الذي يُغنّي ويحبّ الحياة وينشر الأمل، وأن تتّجه إلى تشجيعهم، بدلًا من تركهم فريسةً للهجرة والإدمان وتداعيات الأوضاع المعيشية البائسة".

"أن تجدَ هذا الجمال وسط كل ما نشهده من صراعٍ وفقرٍ وجوعٍ وبطالة وبؤس، وتُحاربه؟! كيف يكون هذا؟؟ وماذا يُريدُ هؤلاء المحرّضون!؟" يقول المخرج المسرحي، ويُكمل "إنّ من يُهاجمون الفنّ لا يشاهدونه ولا يستمعون إليه، ونقول لهم باستمرار شاهدوا واستمعوا للفنّ الفلسطيني، لتُدركوا أن الفنانين ليسوا عديمي أخلاق، بل هُم مُناضلون مُلتزمون بقضيّتهم الوطنيّة وهموم الوطن". وأضاف "معظم فناني العالم ومُبدعيه وكتابه قادوا ثورات بلادهم، لذا لا بد من احتضان الفن وتشجيعه خدمةً لقضيّتنا ونضالنا".

 

الجهات الرسمية في قطاع غزة، التزمت الصمتَ لأيامٍ، رغم اشتداد التحريض على أفراد فرقة "صول" خاصةً، والفن والفنانين عامةً. وفي موقفٍ مُتأخرٍ صرّح به الناطق باسم الشرطة أيمن البطنيجي، اليوم، عبّر عن "رفضه التهديدات"، وقال في مقابلة لإذاعة الشعب بغزة "إن الشرطة لا تمنع ولا تعارض عمل أي فرقةٍ موسيقية، بل لهذه الفرق الحرية الكاملة في عملها، والعديد منها تُؤدّي عروضها في شوارع القطاع دون أن يعترضها أحد"، مُؤكدًا "نحن نعيش في مجتمع مدني والقانون يتّسع للجميع". داعيًا أي شخص يتعرّض للتهديد أن يتوجّه إلى الجهات الأمنية لمتابعة القضية.

الحقوقية صبحية جمعة بيّنت أن ما يُواجهه الفنّ اليوم من هجومٍ، بين تحريمٍ وتحريض، لا بدّ وأن يُواجَه بشكلٍ جادّ، لأن الأمر غير متعلقٍ بفرقة صول وحسب، بل بكل من يعمل بالفنّ، وكل من يُعبّر عن رأيه الآن ومستقبلًا. وعبّرت عن امتعاضها من أنّنا في قطاع غزة لا زلنا نختلف حتى اليوم على قضايا، نظّر عنها وحسمها كِبارُ الفلاسفة والمفكّرين منذ قرونٍ، وأقرّت بها أعظم الشخصيات عبر التاريخ، في حين تحررت شعوبٌ وامتلكت قرارها ومصيرها بالفنّ والإبداع والتحرر.

في المقابل، أبدت الفرقة سعادتها بالتفاعل الكبير مع الأغاني والفيديوهات التي تنشرتها. وبعد تردّد شائعات حول هجرتهم من قطاع غزة إلى تركيا بعد موجة الانتقادات أوضحت الفرقة، عبر مقطعٍ مصور نشرته مؤخرًا، أنّها لم تُهاجر، بل سافرت إلى إحدى الدول لإتمام أعمال فنية.

ونختم بما كتبه الشاعر خالد جمعة، ردًا على ما يشهده الفنّ من هجومٍ وتحريض "أنصِت جيداً، هذا صراخ اليتامى في علب الموسيقى، وهذه النغمات أرامل على الطرقات يستجدين حليباً وأرغفة من الصبر، وهذا الرقصُ ناتجٌ عن اكتواءٍ بجمر الحقيقة التي لا تريد أن تراها، أنصت جيدًا ودقّق النظر في مخلفات الحرب، لا أعني البيوت المهدومة ولا القنابل التي لم تنفجر، ولا أعني أكوام الدعاء الملقاة على باب الجوع والبرد والمرض والحصار، بل كل ما أعنيه هو هذا الفرح الغائب الذي تحاول أن تجعله بعيداً قدر ما تستطيع، لأن الفرح يخنق جملتك المعلبة".